جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة

 

دائرة الجذع المشترك

 

محاضرات في فقه السيرة النبوية
من قبل الميلاد إلى الهجرة


القسم الأول
 

د/محمد فرقاني

 

السنة الجامعية

1429-1430-هـ

2008-2009م

 

 

بسملة

مفردات مادة فقه السيرة \المقرر تدريسه للسنة الأولى جدع مشتر ك

نظام قديم

 

مفردات المادة

1-مقدمة

2-وأنت أيضا قد أخذ منك الميثاق يا ابن آدم

3-الأوضاع العامة عند الروم والفرس

4ـ الأوضاع العامة عند العرب قبل ظهور الإسلام:-1- الوضع الاقتصادي-2-الوضع الاجتماعي

3- الوضع الثقافي-4-الوضع الديني-5-الحنفاء الموحدون

البشارات

حكمة اختيار العرب لحمل الرسالة

7ـ أنبياء الله:  -1-تعريف النبوة ووظيفة الأنبياء -2ـ الصفات الضرورية للأنبياء

8ـ حياة الرسولr من الميلاد إلى البعثة

9- البعثة النبوية:-1- خلوته r في غار حراء -2-نزول الوحي عليه r -3- -مراتب الوحي

10- مــراحل الدعوة الإسلامية

أ ـ المرحلة المكية

1-الدعوة في مرحلتها السرية   -من أسلم في هذه المرحلة

2- الجهر بالدعوة :-1- فرض الصلاة ركعتين ركعتين -2- موقف قريش ممن أسلم من المسلمين

3-الهجرة إلى الحبشة-4- موقف قريش من النبي r -5-مقترحات وضغوط عليه  rلاحتواء الدعوة -6-الحكمة في عدم إجابة المولى U مطالب ومقترحات قريش-7-إ سلام حمزة-8-إ سلام عمـر.

3-الحصار الاقتصادي والاجتماعي.

4ـ  الدعوة الإسلامية بعد الحصار:-1-عام الحزن -2-وفاة أبى طالب -3-وفاة خديجة -4- رضي الله عنها -5- الهجرة إلى الطائف -6-تبليغ الجن -7- الإسراء والمعراج ).

5ـ اتفاق قريش على توحيد كلمتها على صرف القادمين إلى الحج عن الإيمان بالرسول"r

6- بدء إسلام الأنصار: ( ـ بيعة العقبة الأولى ـ بيعة العقبة الثانية ) .

7ـ الهجرة النبوية أسبابها ودواعيها: ( تعقب قريش للرسولr و نجاته ـ في الطريق إلى المدينة ـ وصوله إليها ومظاهر الحفاوة التي استقبل بها ـ ما يستخلص من الهجرة ).

ب ـ المرحلة المدنية:

مقومات المجتمع الجديد (المؤاخاة ـ ميثاق المدينة ـ بناء المسجد) -2- فرض الصيام .- 3ـتحويل القبلة - 4ـ الاذن بالقتال

-5-الغزوات والسرايا:

1-سرايا قبل غزوة بدر.

1.    2-غزوة بدر الكبرى ونتائجها سنة2هـ

3-غزوة  يهود بني قينقاع سنة 4هـ

4-غزوة أحد سنة/15 شوال /3هـ

5-سرية الرجيع ـ سرية بئر معونة سنة 4هـ

6-غزوة يهود بني النضير سنة4هـ

7-غزوة المريسع وحديث الإفك

8-غزوة الخندق سنة 5هـ

9-غزوة  بني قريضة سنة 5هـ

10- صلح الحد يبية سنة 6هـ ونتائجه

11-مراسلة الملوك سنة 6هـ

12-غزوة خيبر وتصفية الحسابات مع آخر معاقل اليهود سنة 7هـ            

13- فتح مكة سنة 8هـ ونتائجه

14-غزوة حنين سنة 8هـ

15ـ غزوة الطائف سنة 8هـ

16- بداية الاحتكاك مع الروم: -1-غزوة مؤته سنة 8 هـ -2-  غزوة تبوك سنة9 هـ

     -3- مصالحته مع المجموعات القبلية القاطنة شمالا سنة 9 هـ

17ـ قدوم الوفود لمبايعته r على الإسلام

18-حج أبي بكر سنة9 هـ الغاية والهدف

19-حجة الوداع سنة10 هـ واستكمال أركان الإسلام

20- مرضه ووفاته r

21- الأساليب التي سلكها الرسول r لتبليغ الدعوة للناس

11- معجزاته وأخلاقه وشمائله r

13- الآثار العامة للإسلام على العرب وعلى الناس أجمعين

 

 

الفهرس العام للموضوعات

 

مقدمة.........................................................................................

4

المحاضرة:1

4

1-وأنت أيضا قد أخذ عليك الميثاق يا ابن آدم .................................................

4

2- لماذا ندرس السيرة النبوية؟................................................................

6

3-الوضع العام عند الأمم قبل ظهور الإسلام:..................................................

10

1 ـ الوضع العام في الدولة الرومية-البيزنطية-:.............................................

10

         أ-الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي :...................................................

10

       ب-الوضع الديني في الدولة الرومية...........................................................

11

 2- الوضع العام في الدولة الفارسية :........................................................

11

      أ-الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي:....................................................

11

      ب-الوضع الديني : .....................................................................................

12

         1- الديانة الزرادشتية ..............................................................................

12

           2 – المانوية........................................................................................  

12

          3 - المزدكية .......................................................................................

12

 3 ـ الوضع العام في الهند...................................................................................

13

4- الأوضاع العامة عند العرب قبل ظهور الإسلام

المحاضرة رقم:2

16

1- الأوضاع السياسية عند العرب قبل ظهور الإسلام:......................................................

16

  1-أقسام العرب :.........................................................................................

16

        1- الشعب اليمني وممالكه ............................................................................

16

        2-شعب عدنان .....................................................................................

18

 2– مقومات النظام القبلي: / أ – الأرض/  ب - شيخ القبيلة/ ج- الفرد في القبيلة.........................   

18

2ـ الوضع  الاقتصادي:....................................................................................

20

3- الوضع  الاجتماعي:.....................................................................................

21

4- الوضع الثقافي عند العرب...............................................................................

23

5- الوضع الديني:أ-عمرو بن لحي يستورد هبل ويلحد في الحرم /ب- الحنفاء الموحدون/ج - اليهودية والنصرانية

23

4-المحاضرة رقم:3

  البشارات :............................................................................................

 

26

2- أنبياء الله : أ- تعريف النبوة ووظيفة الأنبياء  ب -الصفاة الضرورية للأنبياء................................

28

3- حكمة اختيار العرب لحمل الرسالة :....................................................................

30

 4-حادثة الفيل:............................................................................................

33

5-حياة الرسول r من الميلاد إلى البعثة

المحاضرة:4

36

أ-في النسب الشريف .1-قصي جد النبي يظهر على السطح ويضع قواعد مجد قريش ويحرر مكة من سيطرة خزاعة.2-عبد مناف بن قصي يتمم البناء.3-هاشم بن عبد مناف يوطد العلاقات التجارية لمكة مع من جاورها من الدول. عبد المطلب بن هاشم يرسخ البناء ويحفر بئر زمزم........................................................

36

-

38

ب-حياتهr من الميلاد إلى البعثة: 1-ولادته/ 2-رضاعته و نشـأته في بادية بني سعد / 3-حادثة شق الصدر/ 4-وفاة أمه وحضانة جده له /5-وفاة عبد المطلب و كفالة عمه أبو طالب 6/-رحلته الأولى إلى الشام مع عمه أبو طالب و لقاؤه بحيرا الراهب /7-رعيه الغنم  8/-عصمته مما يشينه حتى قبل البعثة / 9- شهوده rحرب الفجار وحلف الفضول / 10- تجارته بمال خديجة وزواجه منها /11- اشتراكه في بناء الكعبة /12-خلوته r في غار حراء / 13- حفظ السماء وقذف الجن بالشهب/14-نزول الوحي على رسول الله rـ نبوته r- / 15-مراتب الوحي

38

-

 

50

6-مراحل الدعوة الإسلامية-المرحلة المكية 1-13 سنة للبعثة.

محاضرة رقم : 5

50

1ـ الدعوة في مرحلتها السرية:..............................................................................

51

2ـ فرض الصلاة :..........................................................................................

52

الجهر بالدعوة:..........................................................................................

52

4-موقف قريش ممن أسلم....................................................................................

53

5-الهجرة إلى الحبشة.........................................................................................

54

6- قريش تحاول استرداد المهاجرين..........................................................................

54

7-ما يستفاد من عبر من الهجرة .............................................................................

55

8-موقف قريش من الرسول r وإسلام قيادات لها مكانتها في قريش.......................................

56

  1- تحليل لهذا الموقف.......................................................................................

56

  2- إسلام حمزة.............................................................................................

58

   3- عمر بن الخطاب.......................................................................................

58

    4-عروض ومقترحات....................................................................................

59

9- الحصار الاقتصادي  والاجتماعي:........................................................................

62

10- نقض الصحيفة.........................................................................................

62

7-الدعوة الإسلامية بعد الحصار

محاضرة رقم:6

63

1-عام الحزن السنة العاشرة للبعثة - أ-وفاة أبى طالب - ب- وفاة خديجة ـ رضي الله عنها.................                                                                               

63

 2-الهجرة إلى الطائف -3-تبليغ الجن- 4- آية انشقاق القمر-5- الإسراء والمعراج -6-اتفاق قريش على توحيد كلمتها على صرف القادمين إلى الحج عن الإيمان  بالرسولr-7-عرض النبي r نفسه على القبائل-8- بدء إ سلام الأنصار: - أ- بيعة العقبة الأولى – ب - بيعة العقبة الثانية ....................................................

64

-

71

8-الهجرة النبوية

المحاضرة 7

73

1- أسباب الهجرة النبوية إلى المدينة:.........................................................................

73

2- هجرة المسلمين إلى المدينة: ..............................................................................

73

3-هجرة النبي r وأبو بكرt أ-اجتماع قريش في دار الندوة و إجماعهم على قتل النبي r - ب-تطويق منزل النبيr لتنفيذ المؤامرة - ج- فشل المؤامرة واختفاؤه و صاحبه في غار ثور- د-النبي r  وصاحبه في طريقهما إلى المدينة – هـ- سراقة  يطاردهما - و- في خيمة أم معبد - ز- النبيr يصل إلى المدينة ........................

74

-

76

2- ذكر بعض الحكم من هجرته r......................................................................... 

76

 

 

Rectangle: بسم الله الرحمن الرحيم 

 

المحاضرة -1-

المقدمة: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب المبين تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمحسنين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المتفرد بالملك والملكوت، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد.

لاشك أن الحديث عن الرسول r لايمل وإن تكرر وتكرر فمن ذا الذي يستطيع أن يستوعب بالكلام جميع من كان خلقه القرآن وأسوة ونور وبرهان وحجة وبيان ورحمة للعالمين ولكن جهد المقل هي هذه المحاضرات التي تدور حول السيرة المصطفى r وفقهها العام وهو غير الفقه التعلق بأحكام العبادات والمعاملات وغيرهما، وإن كانت السيرة مصدرا لهذا العلم باعتبارها سنة يجب الرجوع إليها. وقد اتبعت في ذلك منهجا لا أقول أنه منهجا متكاملا شاملا ولكن هو منهج متواضع اتبعناه لعرض حقائق سيرة أشرف الخلف فذكرنا كماله r الذي تجسد في شمول هذه السيرة التي ذكرنا من كل شيء منها نتف. ومهدنا لذلك بالحديث عن حال الروم والفرس والهند قبيل ظهور الإسلام فهي أرضية لازمة لمعرفة كم كانت البشرية في حالة من الضياع والتيه وفي جاهليه عامة، فغي حاجة إلى من ينقدها ويدلها على الطري ق الموصل لإلى سعادتها، ثم عرضنا لحالة العرب قبيل الإسلام لمعرفة البيئة التي نشأ فيها رسول الله r وعرفت تلك الأوضاع التي كانوا يعيشونها بالجاهلية أيضا حتى نعرف هذا الدين عليهم بعد ذلك ونزلنا من العرب إلى قريش ومن قريش إلى الكلام على أصالة النسب الشريف متبعا في ذلك ماجاء في حديثهr « إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم»([1])وذكرنا شيء من البشارات التي كانت متداولة وحكمة اختيار العرب لحمل الرسالة وميلاده ونشأته حتى أنزل عليه الوحي إلى ماحدث بعد النبوة وموقفه ممن عارض الدعوة وكيفيه عرضها على الناس، ونماذج من صبره، وما أودي به، وذكرنا نماذج من أخلاقه وصفاته ومعجزاته وكيف كان يركز على دعوة بعض القيادات القبلية التي لها أهميتها في انتشار الدعوة، وكذا موقفه ممن أسلم وآمن بالله وبرسوله وكيف عمل على حماتهم، وكيف كان موقفه من أعدائه عندما يغلبون، وكيف كان ينفذ أوامر الله في حقهم، وكذا من المنافقين الذين أعلنوا إسلامهم وبطنوا الكفر وكذا نحو اليهود والنصارى، ونماذج من الغزوات الفاصلة في تاريخ الإسلام وكيف كان يسعى إلى تبصرة العرب بأهمية الأمن- وهو ما كانوا يفتقدونه- الذي هو شرط لازم لهم ولهذا الدين حتى تعمر الأرض وتحقق خلافة الله في أرضه . وأمور أخرى كثيرة، كما عقبنا على كثير من الأحداث مستخرجا منها العبرة والفائدة وهو بقدر ماسمح به الوقت لعرض السيرة بإيجاز دون الدخول في التفاصيل، كما ذكرنا نماذج عديدة من مواقفه وأعماله حتى أتم بناء الدولة التي لم يزعزع أركانها الأعراب المرتدين من بعد وفاتهr.فكنا بذلك قد أثرنا شهية من يرغب في زيادة رصيده  المعرفي في السيرة .

وما تجدر الإشارة إليه في الأخير أننا اعتمدنا في عرض هذه الحقائق على مجموعة من المصادر والمراجع تجد اسمها في الهامش وقد رجعنا إلى طبعات مختلفة لبعض المصادر تجد ذلك في توثيقها في الهامش وفي الأخير نسأل الله أن ييسر النفع به، وصل اللهم على النبي الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.   

1- وأنت أيضا قد أخذ منك الميثاق يا ابن آدم، فهل تمسكت به؟: فقد أخبرك الله بذلك، قال تعالى: ]وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) الأعراف[   عن أنس بن مالك t عن النبي r قال: يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به فيقول نعم فيقول قد أردت منك أهون من ذلك قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي، وقال: ابن عباس- رضي الله عنهما-« إن الله مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة فأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وتكفل لهم بالأرزاق ثم أعادهم في صلبه فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطى الميثاق يومئذ فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفى به نفعه الميثاق الأول ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يقر به لم ينفعه الميثاق الأول ومن مات صغيرا قبل أن يدرك الميثاق الآخر مات على الميثاق الأول على الفطرة »، وعن عبد الله بن عمرو قال:« قال رسول اللهr: ] وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [. قال أخذ من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس فقال لهم ألست بربكم قالوا: بلى، قالت الملائكة شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين »([2])

يَالِِلَّهِ على كثير من بني آدم الذين يشوهون فطرتهم التي نطقت بالحق بالالتزام بالميثاق حينما استخرجها خالقها من ظهر أبيهم آدم أمثال الدر-النمل- ولو جال هؤلاء الأبناء داخل أنفسهم، أو ساحوا بدهنهم في أعماق الكون لعادوا إلى رشدهم كما كان من خليل الرحمن u لما نظر إلى السماء ليلا ونهارا عرف أن الله أكبر من أن يوضع بين أربع جدران وكفر بما يشرك به قومه. ولو استجمع ابن آدم نقاءه وصفاءه الداخلي فسوف يستذكر كلمات الميثاق الذي أخذ على أبيه آدم  u وعليه أيضا.

أيها الإنسان الناسي قد أخذ عليك العهد، يعني- إن كنت لا تعي- قد أُلزمت الحجة. إلا أن رحمة الله بك – وهو الرحمن الرحيم – يرسل إليك أنبياءه ليجددوا أخذ الميثاق منك } لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165)النساء  {وبذلك تعلم أيها الإنسان أن الله تعالى لا يعامل عباده بالعدل وحده إنما يعاملهم بالإحسان والرحمة والأنبياء هم الرحمة لذلك يبعث كل نبي رحمة لقومه أو زمانه مؤتمنون على كلمة التوحيد وأيضا على أتباعهم على الإيمان بالرسول r حين يرسل بنصرته.

قال تعالى:  }وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82) آل عمران  {([3]) ومجيء الرسولr هنا يعني دعوته أتباع الأنبياء للتصديق به وبما أخبرهم به أنبياؤهم عنه ويصدق ذلك قوله تعالى: } وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6) الصف                                                 { فالنبي اللاحق يصدق بالسابق ويبشر باللاحق وعلى أتباع الأنبياء أن يؤمنوا بذلك فإن لم يفعلوا كانوا كافرين لسببين:

أولا: تكذيبهم لأنبيائهم بما بشروا به.

ثانيا: تكذيبهم بالمبشر به فاليهود كذبوا نبيهم وكذبوا بالمسيح وكذبوا بنبينا والنصارى كذبوا المسيح لتكذيبهم للرسول r  وإن زعموا أنهم من أتباعهما، ولذلك أمرنا نحن المسلمون أن نؤمن بجميع الأنبياء لانفرق بين أحد من رسله وهو ما أشار إليه الرسولr في قوله: «لو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني» ([4]) و«قال: r والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني مات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار»([5])، وهي أحد الحكم التي تظهر في إمامته للأنبياء في الإسراء والمعراج ببيت المقدس فما على الأتباع إلا أن يجعلوه إماما لهم أي بمتابعته بالإيمان به.

2-لماذا ندرس السيرة النبوية؟ في البدء قد يسأل سائل لماذا ندرس السيرة النبوية؟ هل ندرسها لمجرد الاطلاع والإعجاب بالنبي r؟أم تدرسها للتأسي بصاحبها-عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم؟- المطلوب في الحقيقة أن نتجاوز مرحل الإعجاب العاطفي إلى مرحلة الاقتداء والإتباع واقتفاء الأثر، قال عز من قائل: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) آل عمران ، وقال:﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاس بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا(68) آل عمران ﴾.في كل حياة النبيr بكل أبعادها التي هي جزء لا يتجزأ من رسالته ودعوته، جزء من الوحي، والملاحظ في شخصية النبي r أنه كان ذائباً في رسالته، كان لا يمثل نفسه، وإنما كان يمثل دعوته، ويمثل المبدأ الذي يدعو إليه قال عنه عز وجل: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَ وَحْيٌ يُوحَى(10) النجم ﴾. ولذلك عرف سلفنا الصالح –رحمة الله عليهم- أهمية السيرة النبوية في تنشئة الأجيال تنشئة صالحة فهذا زين العابدين بن الحسين بن على بن أبي طالب – رضوان الله عليهم- يقول:«كنا نُعَلَّمَ مغازي رسول اللهr كما نعلم السورة من القرآن»([6])، وهذا الإمام الزهري– رحمه الله– يقول:«في علم المغازي خير الدنيا والآخرة »، وهذا إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص يقول:«كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا ويقول: يابَنَيَّ إنها شرف آبائكم فلا تضيعوا ذكرها».

إن الإنسان المؤمن العاقل الذي يرغب أن يكون له ذكر في الأرض وفي السماء هو بحاجة إلى من يقتدي به ويطابق عمله وأقواله على أعماله وأقواله حتى يعرف صواب ما يقول ويفعل، وليس هناك من يُقتدى به أفضل من الرسولr إذ بين الله للمسلمين ما يجب عليهم حيال هذا الرسول الكريم قائلا لهم : ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ(21) الأحزاب ﴾، ولذلك تأتي دراستنا لسيرته r التي جسدت قولا وعملا، قواعد الإسلام ومبادئه الذي«كان قرآنا يمشي على الأرض» كما وصفته السيدة عائشة –رضي الله عنها- إذن الحاجة إلى القدوة والمثل الأعلى تدفعنا إلى التعرف على شخصيته r ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً الإسراء ﴾، وقال U: ﴿ لِئَلاَ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ165 النساء ﴾. فدور الرسل هو إتمام الحجة على الناس.

-ندرس حياة النبي r لنعمق الإيمان به، وفهم شخصيتهr إذ«قال: r والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني مات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار»([7])

-ندرس حياة النبي r الذي أنزل عليه الكتاب الذي قال فيه رب العزة :﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) الأنعام لنحقق الغاية التي خلق الله من أجلها الإنسان أن يُعبد فلا يشرك به شيئا وفق مادل عليه الرسول r لا كما يحلو للإنسان أن يعبد ما شاء كيفما شاء لنرث الجنة الغاية النهائية في مسيرة الإنسان كآخر شيء يحط فيه رحاله.

-نحن ندرس سيرة النبي الإنسان الذي خاطبه المولى U بقوله:﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4) القلم.فأي خُلُق هذا الذي وصفه الله به حتى أنه أقسم U به فقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ(72) الحجر﴾.

-ندرس سيرة النبي الذي لن ندخل الجنة إلا خلفه، ولن نُشرب من حوضه يوم القيامة إلا من يده إن عرفنا سيرته ونهجه واتبعناه عندها كانت لنا النجاة في الدنيا والآخرة، وإن جهلنا طريقته أو خالفناه قيل

لنا هناك سحقا سحقا.

-نحن ندرس سيرة النبي الماحي الذي محى الله به الكفر، أول من يُبعث من الخلائق يوم القيامة، حامل

لواء الحمد صاحب المقام المحمود.

-ندرس سيرة المصطفىr الذي فُتحت له أبواب السماء أثناء إسرائه ومعراجه ليخترقها بجسده وروحه إلى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى فأوحى إليه ربه ما أوحى، الذي رأى من آيات ربه مارأى.

-ندرس سيرة المصطفى المعصوم r الذي خاطبه رب العزة بقوله: ] وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)المائدة [، وقوله له: ] وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3)النجم[  ولذلك لم يتكلم إلا بكلام قد حُف بالعصمة فلا غرابة إن جمع بين المهابة والحلاوة والطلاوة والذروة في البلاغة، ما خاطب أحدا إلا أفحمه، تعلم منه ذلك حتى ترتقي لغة خطابك ذلك أن إقناع الآخرين بالحق الذي تتبعه مرتهن بقوة لغتك وبما تحمله من جمال يسحر الألباب.      

نحن هنا في هذه المحاضرات المتواضعة الدالة على حقيقة هذا الرسول الأكرم لا نقارن عظمة النبي r بعظمة غيره كما فعل- مثلا "مايكل هارت" صاحب كتاب: "الخالدون مائة أعظمهم محمد r " ويفرح الكثير بهذا الكتاب ظنا منهم أنه قد أنصفه، لكنه ما أنصفه إذ قارنه بهؤلاء بالرغم من أنه جعله في المرتبة الأولى، نحن نقارن رسول الله بنوح وبإبراهيم عليه وبموسى-جعله في المرتبة السابعة عشر- وعيسى–جعله في المرتبة الرابعة- وبكل أنبياء الله U عليهم الصلاة وأزكى التسليم .

 -السيرة النبوية هي أنجح تجربة عرفتها البشرية فالرسول r أفضل قدوة لك في حياتك، فهو الوحيد في التاريخ الذي تقتدي به في كل شيء يحتاج إلى التأسي به: التاجر والعام والمربي والحاكم والمحكوم والقاضي والقائد العسكري والأب والأم والمرأة والشاب وكل فرد من أفراد هذه الأمة، بل كل من يعاني من متاعب الحياة في شتى مظاهرها. وأيًّا من كنت وفي أي شأن كان، فإنك مهما أصبحت أو أمسيت وعلى أي حال بت أو أضحيت فلك في حياة محمد r هداية حسنة وقدوة صالحة تضئ لك بضوئها ظلام العيش، فتصلح ما اضطرب من أمورك.  

-لك أسوة في أخلاقه "ما غضب رسول الله قط"  "ما أخلف رسول الله عهدا قط" "ما انتقم رسول الله لنفسه قط"  "ما ضرب رسول الله امرأة ولا ولدا ولا رجلا قط ، ولا حتى بهيمة"    

-تأسى به في عظمته في رؤيته السياسية كيف كان يعد للأمر عدته قبل أن يفاجئه على غرة ويخطط لمواجهة أعدائه حتى يحملهم على الدخول في الإسلام ، أو الدخول في طاعته.

-لك أسوة في روحانيته إذ كان يصلي حتى تتورم قدماه و يقول:  "أفلا أكون عبدا شكورا؟"

 -لك أسوة في عفوه عن أعدائه " اذهبوا فأنتم الطلقاء "

- لك أسوة في بث الأمل في نفوس الناس يوم أن لعدي بن حاتم الطائي"... والله ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل و النهار، حتى تخرج المرأة من الحيرة وحدها فتطوف بالبيت لا تخشى إلا الله  " وقد كان.

-تأسى به في إنزال الناس منازلهم وقدرته على حشد هم من حوله والاستفادة من قدراتهم ووضعه لكل واحد منهم في مكانه الصحيح .وفي اتباعه الطرق الحكيمة في حل المشاكل التي كانت تعترض سبيله.

 - تأسى به في كيفية إعادة الخيرية لأمته التي وصفها الله في كتابه: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ

وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ(110) آل عمران ﴾، ﴿.وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا(143)البقرة﴾. تذكر دائما أنك من أمة الشهادة التي سيسألها الله يوم القيامة عن هذه الشهادة هل أدتها حق الأداء؟ . فأعدوا لذلك اليوم الإجابة. 

-ودراسة السيرة تظهر من خلال أحداثها صدق نبوته وصحة رسالته، وتدفع كل الشبه التي تثار حول هذه النبوة التي يجب الإيمان والتصديق بها، ولا يكمل إيمان المرء وإسلامه إلا بها، فهو لم يكن عبقرياً متميزاً ولا مصلحاً، وهاهو الصحابي الباحث عن الدين الصحيح سلمان الفارسيt، كان مجوسياً ثم صار نصرانياً، وظل يبحث عن الحقيقة حتى وصل إليها بالتعرف على النبي r والتأكد من أنه رسول الله. يقول سلمان: «خرجت أبتغي الدين فوقعت في الرهبان بقايا أهل الكتاب، قال الله عز وجل:] الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) البقرة {، فكانوا يقولون هذا زمان نبي قد أطل يخرج من أرض العرب له علامات من ذلك شامة مدورة بين كتفيه خاتم النبوة، فلحقت بأرض العرب وخرج النبي r فرأيت ما قالوا كله ورأيت الخاتم، فشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله» ([8])

-دراسة سيرته r تعظيم له ومحبته طريق لمحبة الله قال تعالى:﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)آل عمران ﴾ وهي فرض لازم وأمر مؤكد، عن أنس tقال:«قال النبيr :لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» ([9])  .

- نتعلم منه r معرفة الأحكام الشرعية في العبادات:« صلوا كما رأيتموني أصلي»([10])، وقالr:  «خذوا عني مناسككم»([11]) وغيرها من المعارف في علوم الإسلام المختلفة من عقيدة وشريعة وأخلاق وتفسير وحديث وسياسة وغيرها، وكل ذلك من خلال تطبيق عملي واقعي لمسيرة حياتهr.

-ندرس سيرته r لنستعين بها على فهم القرآن الكريم وتذوقه، فالسيرة تصوير لأحوال نزول القرآنالكريم وبيئته، وبيان لأسباب النزول، وإظهار لتفاصيل ما أجمل في القرآن من الأحداث، وإبراز لحكمة التشريع ونحو ذلك.

-ندرس سيرته r لنتعلم فقه الدعوة وبيان مراحلها: كيف بدأت الدعوة سراً، ثم تحولت جهراً وكيف كانت سلماً وكفاً ثم صارت جهاداً وحرباً، وكيف تنوعت الأساليب الدعوية التي كان لها الأثر الكبير في دخول الناس في دين الله أفواجاً، وكيف تكون طرائق التعليم النافعة؟ وأساليب التربية الناجحة؟ وفي وصيته لمعاذ دليل على ذلك:«عن ابن عباس أن النبي r لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم زكاةً تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، وإياك وكرائم أموالهم واتَّقِ دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب.»([12])

وكذلك وصيته r لمعاذ وأبي موسى، قال لهما:«يسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا، قال أبو موسى يا رسول الله إنا بأرض يصنع فيها

شراب من العسل يقال له البتع وشراب من الشعير يقال له المزر، فقال رسول الله r كل مسكر حرام»([13]).

-ودراستنا للسيرة تجلية للحقائق وتعرية الشبهات التي أثارتها قريشا ضد الرسالة والرسول في حقيقة الوحي، وكذا من قال بقولهم ممن تشابهت قلوبهم معهم من رجال اليوم. وكذا حول الجهاد إذ أن النبي r  لم يكن يحب القتال لمجرد سفك الدماء، فهو r الرحمة المهداة، ولم يكن يلجأ r للقتال إلا لدفع الأعداء الذين يقفون في وجه نشر دعوة الإسلام التي أمره الله بتبليغها، ولذلك يقولr«أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله»([14])، فجعل للقتال غاية وهدفاً، وهي إزالة العقبات التي تعيق نشر الدعوة للقضاء عليه، وهاهي وصاياه r لأمرائه على الجند تتجلى فيها الرحمة بكل صورها، فعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال:«كان رسول الله r إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ثم قال:اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم وادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا فأسألهم الجزية، فإن هم أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك؛ فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك؛ فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا»([15])

فهذه وصية جليلة في آداب الجهاد فليأت لنا من يهاجم هذا الدين وما قرره من تشريع حول الجهاد بوصية كهذه إن صادقين.  

-ندرس سيرته لمعرفة الموازين الصحيحة وكيف صحيح الأوضاع السقيمة التي كانت سائدة عند العرب

-معرفة مواقف أتباع الأنبياء السابقين من رسلهم ومما أتوا به مما أخبرنا به القرآن الكريم فتقولوا عليهم

ما لم يقولوا ولم يكونوا أمناء على أنزل إليهم من ربهم، وهذه أحد الحكم في اختيار العرب لحمل الرسالة  

 -معرفة طبيعة الجاهلية والكفر ومعاداته للحق وأهله: لقد أخبر الله رسوله والمؤمنين عن طبيعة الكفر وأهله، وموقفهم من الإسلام وأهله، ألا وهو موقف العداوة المستمرة.

 -معرفة جيل الصحابة وقدرهم: ومعرفة ما قدموه لدعوة الإسلام من تضحية حتى نالوا رضا الله تعالى: ] وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)التوبة  [ وقال عز وجل وقال عز وجل َ]قَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18)الفتح [وحتى قال النبيr «لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» ([16])

-نتعلم سيرته لإبراز اللفتات التربوية وإظهار السنن الربانية: فليست الآيات القرآنية تذكر الأحداث مجردة ولكن هناك تعقيب رباني على الأحداث في ذكرهY لفتات تربوية أو سنة ربانية، مثل ذكر الآيات المذكورة في أعقاب الغزوات بدر وأحد. مثل قوله تعالى:  } قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (38) الأنفال [ ومثل قوله تعالى: } وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) آل عمران [: وذكره سبحانه لقوانين النصر في سورة الأنفال: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) الأنفال[ وكذلك بيانه لسبب الهزيمة في أحد، في قوله تعالى: } أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) آل عمران [.

- ندرس سيرته لنعرف التحليل النفسي ونتعلم الربط التاريخي: فالآيات القرآنية تذكر الصفات النفسية لليهود وتحللها، من الجبن والخوف والحقد والحسد، وكذلك ذكرت آيات المنافقين وحللت نفوسهم في سورة التوبة، وكذلك حللت نفوس المؤمنين واشتياقهم لطاعة الله ورسوله وتأثيرهم في ذلك. ففي نفسية اليهود قرى محصنةً أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يقول تعالى: } لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (13) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14) الحشر [، وهناك أمور أخرى كثيرة لا مجال لذكرها هنا.

الأوضاع العامة عند الأمم قبل ظهور الإسلام:

1-الوضع العام في الدولة الرومية(البيزنطية):

أ-الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي: (مصائب و تزايد الضرائب).كان أباطرة الروم الشرقيين مستبدين إلى أقصى حدود الاستبداد جمعوا كل السلط في أيديهم ،جعلوا أنفسهم أربابا من دون الله وكرسوا فكرة أن عصيانهم إثما روحيا، وأنهم مصدر جميع السلطات، كما اعتبر الروم غيرهم من سائر الأمم في عداد السائمة لا كرامة لهم، حتى وإن كانوا يشتركون معهم في الدين والعقيدة ولم يكن للروم إلا غرض واحد هو ابتزاز الأموال من الرعية معتمدين في ذلك على أساليب شتى منها القوة ،كما تفنن الروم في فرض الضرائب على الأفراد والأراضي وكل غلة تنتجها وعلى المنازل والماشية و مختلف المهن حتى الباعة الجوالين والاسكافين والعاهرات، و كانت تخضع لهوى الإمبراطور وظروف الدولة، وكذا ضرائب على الواردات والصادرات والتركات وعتق الرقيق و تسجيل العقود ، وكذا على القرابين التي كانت تقدم في الكنائس، زيادة على احتكار التجارة والمناجم من قبل ذوي النفوذ، أما الأخيرة فهي ملك للإمبراطور، والمتاجرة أيضا في الألقاب الرسمية، والتعيين في الوظائف التي تمنح بالمال دون النظر إلى الكفاءة، وكذا ضيافة الموظفين الحكوميين الذين يتنقلون داخل البلاد أكلا وشربا وسكنا فكان هذا عبئا مرهقا للمُضيف، إلى جانب أعمال السخرة- العمل بالمجان – في الإدارة وإصلاح القنوات والجسور وأعمال أخرى. كانت الضرائب تجري من غير عدل و زادت في مصائب السكان الذين أصبحوا يهجرون قراهم ، والبعض الآخر ألجأ أرضه إلى ذوي النفوذ والقوة يحتمون بهم من طغيان السلطة .هذا و قد سنت الدولة الرومية قوانين تجبر سكان القرى على عدم مغادرة قراهم أو التخلي عن نشاطهم الذي يمارسونه، في حين أعفي من هذه الأعباء سكان الإسكندرية والروم والقسس والجنود القدماء ،الذين عملوا فترة معينة في الجيش حتى أصبح أهل مصر في حالة فقر لا يرجى معه أمل، وتركزت الثروة في أيدي قليلة وأصبحوا يائسين لا يكترثون بأي تغيير

يحصل في الدولة ،فالحكم والثروة في أيدي الأجانب والفقر والحرمان من نصيب القبطي زيادة على الاضطهاد الديني الذي أدى

زيادة بغض القبطي للرومي بغضا شنيعا إذ أصبح يتمنى زواله.

أما في الشام فلا يقل سوء الأوضاع الاقتصادية و المالية عن مصر، فقد مارس الروم استبدادا رهيبا على السكان، فكانت حياة الفرد مثقلة بالهموم حتى أنهم أصبحوا يبيعون أبناءهم ليسددوا ما عليهم من ضرائب، وأتوا على ما في أيديهم من ثمرات أعمالهم، وعم الفساد كل شيء، رشوة ،وربا، واستغلال، وفتن داخلية بين الطوائف المختلفة الأصول، يشعل الروم نارها بينهم ليخلو لهم الجو لاستنزاف ثروة البلاد ،كان الروم يعارضون أي تطور لايحقق مصالحهم، فظهر نظام طبقي بغيض فثُبِّتت المهن وما كان لأحد أن يغير حرفته وما على الابن إلا أن يتخذ حرفة أبيه .إلى جانب هذا كثر الترف واللهو والأناقة، وقطعوا شأوا بعيدا في ذلك، وأصبح كل فرد أن يقلد صاحبه في اللباس واكتناز الأموال و بناء القصور واقتناء الجواري، وتفننوا في المآكل والمشارب إلى حد بعيد، لاهم للفرد إلا اقتناء الأموال من أي وجه كان وإنفاقه على الشهوات، وانهارت الأخلاق حتى أصبح الناس يفضلون العزوبة على الحياة الزوجية ليقضوا مآربهم في حرية، وأصبح العدل يباع ويشترى مثل السلع، و كانت الخيانة والخائنين والفسق والفاسقين وكل من يدعوا إلى الرذيلة يلقى التشجيع والحماية، وكل من يدعوا إلى عكس ما سبق سخر منه المجتمع، واستهجنوا دعوته لانتشار حمى الشهوات، زيادة على ما لحق البلاد من خراب نتيجة للحروب المستمرة بين الفرس والروم، التي اتسع نطاقها و تدميرها، آخرها الحرب بين كسرى الثاني -ابرويز590-628م-و بين فوكاس-602-610م-ثم على عهد هرقل-610-641م- دامت ربع قرن كامل –603-628م- جعلت أهالي الشام والعراق وآسيا الصغرى يعيشون في حالة قلق دائم ، لما نتج عن الحرب من مذابح وأعمال النهب وتفاقم الضرائب، قال عنها المؤرخ الإنكليزي جيبون:» كانت تتكرر دون أن تكون هناك مبادىء يدافع عنها ، تنفذ دون أن تصحب بمجد و تنتهي دون أن تقرر شيئا «([17]).

ومن وقائع التدمير تخريب القدس سنة 615م على يد كسرى أبرويز الذي أشغل النار في المدينة وأتلف آثارها ود بح سكانها وكذا صنع بالإسكندرية وأنطاكية.

ب- الوضع الديني في الدولة الرومية (مناظرات بزنطية ): أصبحت المسيحية الدين الرسمي للدولة الرومية بعد اعتناق (قسطنطينI) لها في العقد الثاني من القرن الرابع الميلادي و قضى على ما بقي منها من نور بعد أن سبقه إلى ذلك بولس، وثارت حول المسيح  uمجادلات كلامية تحولت إلى حروب دامية في بعض الفترات، خاصة بين أتباع المذهب الملكاني– مذهب الملك- وبقية المذاهب المخالفة له في الشام و مصر وبالخصوص، فكان أهلها يتلاعنون نتيجة لتلك الاختلافات حول طبيعة المسيح وأزداد أهلها حقدا على الروم وشغلتهم عن كل شيء ، وحاول هرقل التقريب بين الطوائف المختلفة إذ رأى أن هذا الانشقاق سيؤدي لا محالة بالدولة إلى الضعف ثم الانهيار ولكن القبط نابذ وه فسلط عليهم اضطهادا بشعا دام عشر سنين، واختفى رئيس أساقفه مصر "بنيامين" عين الأنظار حتى جاء الفتح الإسلامي فخرج من مخبئه، وأعاد إليه عمر بن العاص اعتباره و جميع الأملاك الكنسية التي صودرت من أتباعه وعينه على الأقباط رئيسا دينيا .

أما الحبشة فكان على مذهب أقباط مصر الذي يؤمن أهله بالطبيعة الواحدة للمسيح-أنه إله- ولم تكن سوى منطقة متطرفة حاول الروم عن طريقها توسيع نفوذهم في اليمن وغيرها من المناطق.

2-الوضع العام في الدولة الفارسية :

أ-الوضع السياسي و الاقتصادي والاجتماعي : (غِنىً مطغ وفقر منس)

كان نظام الحكم في هذه الدولة الفارسية استبداديا فرديا، أَوْهم الأكاسرة رعيتهم بأنهم آلهة يجري في عروقهم دم الآلهة و بدلوا كل ما في وسعهم ليرسخوا هذا الزيف في عقول و قلوب رعاياهم فاعتقدت الرعية ذلك وأطلقوا على أنفسهم الألقاب الفخمة والضخمة "شاهنشاه" ـ ملك الملوك – وتنشد الأناشيد بألوهيتهم ويرونهم فوق الانتقاد وفوق القانون وفوق البشر ،ولا يحق لغيرهم أن يخلعوا على أ نفسهم اللقب الملكي، فإن عمله أحد عُدَّ ذلك من أعمال الشر و التعدي ، وسادت نظرية الحق الإلهي في الحكم في العامة والخاصة كعقيدة دينية صحيحة ، كما بالغ الفرس في تمجيد القومية الفارسية ويرونها تعلوا على باقي القوميات ونظروا إلى غيرهم نظرة ازدراء واحتقار وسخرية ، وكرس ملوك الفرس الامتياز الطبقي، فكان للبيوتات السبعة كل شيء – الملك- والأشراف، ورجال الجيش، ورجال الدين المجوسي،  والكتاب في دواوين الملك، وحاشية الملك وخدمه ، ويرى هؤلاء أنهم فوق العامة في عقولهم ونفوسهم .وكان من قواعد السياسة الساسانية أن يقنع كل فرد بمركزه الذي منحه نسبه ولا يتطلع لماهو فوقه ، ولم يكن لأي فرد أن يتخذ حرفة غير الحرفة التي خلقه الله لها ، فأبناء العامة يرثون حرف آبائهم وكذا الطبقة الممتازة و تتفق هذه التنظيمات مع ما كان سائد عند الروم كما سبق ذكره، بالخصوص توريث المهن ،فالقانون السائد الغنى الدائم للأقلية ، والفقر الدائم للأكثرية، فالأقوياء يقهرون الضعفاء ويعاملونهم بظلم فادح و كأنهم ليسو بشرا. واسمع إلى المغيرة بن شعبة وهو يحلل هذا الوضع البائس لما ذهب سفيرا إلى رستم قائد الفرس، قال له:»... كانت تبلغنا عنكم الأحلام و لا أرى قوما أسفه منكم ! إنا معشر العرب سواء لا يستعبد بعضنا بعضا إلا أن يكون محاربا لصاحبه فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى ، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض... ([18])« .

أما الضرائب فتنوعت و تعددت كالتي أشرنا فيما سبق عند الروم ، زيادة على تلك الهدايا التي تقدم في عيدي النيروز والمهرجان وفي المناسبات المختلفة وأعفي أصحاب البيوت السبعة من الضرائب الرأسية والذين مر ذكرهم، وتدهور النظام الضرائبي الذي و ضعه كسرى في عهد من جاء بعده إذ الجباية أصبحت تخضع لأهواء جباة الضرائب وملوكهم، وكذا الأحوال السياسية والحربية وأغلب من عانى من الضرائب سكان المقاطعات الغربية الغنية خاصة العراق، فالفلاحون في شقاء و بؤس دائم ارتبطوا بأرضهم و يستخدمون في السخرة  ويُعاوِنون الجيوش الذاهبة للحرب، يعيشون كما تعيش الأنعام، في حين يعيش أهل البيوت السبعة في بذخ متعدد الجوانب، لباس فاخر، وقصور شامخة ، وحمامات، وبساتين ورياحين، وخيول فارهة، وغلمان حسان، و توسع في المطاعم والمشارب، وإنفاق على الشهوات وتنافس فيما بينهم على الملذات، و لا يحصلون على ذلك إلا بالغصب والاحتيال ومضاعفة الضرائب على الفلاحين فإن امتنعوا قاتلوهم وعذبوهم، فأصبحوا يائسين من كل إصلاح، ولايرقبون أملا فيما هم فيه من آلام و محن وكان ملاذهم في الإسلام الذي حررهم وأعاد إليهم كرامتهم واستمع لما قاله'برزويه' مترجم كتاب كليلة و دمنة للفارسية على عهد كسرى أنوشروان –531-579م- ،قال يصف الوضع الذي آل إليه المجتمع :» فإنا نرى الزمان مدبرا في كل مكان ...وكأن الخير أصبح ذابلا والشر نضيرا، وكأن الغي أقبل ضاحكا وأدبر الرشد باكيا، وكأن العدل أصبح غابرا ، وأصبح الجورغالبا ، وكأن العلم أصبح مستورا، وأصبح الجهل منشورا وكأن اللؤم أصبح آمرا، وأصبح الكرم موطوءا ... وكأن الغذر أصبح مستيقضا وأصبح الوفاء نائما... وكأن الحق ولى عاثرا وأصبح العدوان قد جرى سبيله، والإنصاف بائسا والباطل مستعليا، والهوى بالحكام موكولا والمظلوم بالخسْفِ مقرا ...والأشرار يسامون السماء والأبرار يريدون بطن الأرض ...والسلطان متنقلا من أهل الفضل إلى أهل النقص، والدنيا جدلة مسرورة تقول : قد غيبت الحسنات وأظهرت السيئات « ([19]) . 

ب-الوضع الديني :(الإيمان بإلهين اثنين وعبادة النار)

1–الديانة الزرادشتية : دان الفرس بديانات متعددة إلا أنهم في غالبهم قد دانوا قبل ظهور الإسلام بالديانة الزرادشتية –نسبة إلى زرادشت 628-551ق ، والتي أيدها ملوك الفرس وأصبحت الدين الرسمي للدولة ، وقُدست النار وعبدت بعد أن أشعلوها في معابدهم فلا تطفأ أبدا ،لأنهاـ في زعمهم ـ رمز الخير، إذ أن زرادشت زعم أن للعالم إلهين اثنين :إله الخير وهو أهورا مزدا« ،وإله الشر وهو: »أهرمن«، وهما في نزاع مستمر، فإله النور قد خلق كل ماهو حسن وخير ونافع، وإله الشر والظلام خلق كل ماهو شر وضار، ولذا وجب على الإنسان مناصرة إله الخير، كما حرم زرادشت على أتباعه الزهد وعدم الزواج  ودعاهم إلى العمل، وحرم عليهم الصوم لأنه يضعفهم عن العمل، وهو يريدهم أقوياء عاملين وعلم أتباعه أن الماء و الهواء و النار والتراب  أشياء طاهرة  يجب ألاَّ تنجس، وحرم دفن الموتى في الأرض باعتبارها طاهرة وإنما بوضعهم في مكان مرتفع لتأكلهم الطيور الجارحة، وكان يؤمن بأن الإنسان سيحاسب عن أعماله يوم القيامة

كانت عقيدة الفرس مهتزة متهافتة ،وزاد من تهافتها وتفاهتها تكريسها للوضع الطبقي الآنف الذكر وكذا الاستبداد السياسي، زيادة على زواجهم بمحارمهم وهي عادة قبيحة قديمة عندهم منتشرة من ملوكهم إلى عوامهم، يتزوج الرجل منهم أمه أوأخته أو ابنته بلا حياء ولا حرمة، بل زعموا أن ذلك منور بمجد إلهي – قبحهم الله و قبح آراءهم- فهذا بهرام جوبين تزوج بأخته، وكذا جَسْتَسَبْ أيضا، واستمروا في هذه الرذيلة حتى الفتح الإسلامي حيث منعوا من ذلك.

2ـ المانوية:( تخريب العالم و تعجيل فناء النوع البشري بقطع النسل ): ظهرت المانوية –نسبة إلى ماني –216-276م- كرد فعل على تهافت المجتمع على الشهوات و الملذات ولاعتقاده أن للعالم إلهيين :إله النور وإله الظلام فدعا إلى الحياة العزوبة لحسم مادة الفساد والشر من العالم فحرم الزواج استعجالا للفناء و انتصارا للنور على الظلام بقطع النسل ،أما تعاليمه فهي مزيج من الديانة الزرادشتية والنصرانية والبودية ودعا أتباعه إلى الصوم والعبادة مستقبلين الشمس كما يفعل الزرادشتيون ونهى أتباعه عن

دبح الحيوان ، ولكن الملك بهرام رآى في دعوته خطرا يهدد مصير الدولة بما لها من أثرسلبي في تجميد نشاط المجتمع وإخماد روح

السعي فيه ومن ثم فقتله سنة 276م.

3ـ المزدكية (شيوعية النساء والأموال ): ولم يطل الزمن فثارت روح الطبيعة النفسية الفارسية على تعاليم ماني المتشددة فاستغل مزدك-487م- سوء الأوضاع الاجتماعية والدينية والسياسية ودعا الناس إلى عدم المخالفة والمباغضة والإقتتال، وكان يرى الناس وُلدوا سواء فليعيشوا سواء، و أهم ما تجب فيه المساواة المال والنساء، و لما كانت المباغضة تقع بسبب ذلك فأشاع النساء والأموال، وجعل الناس شركاء في ذلك، فاعتنق السفلة وعباد الشهوات أقواله، و كذا الملك قباد، فانتشرت حمى الفساد بعد أن أصبحت السلطة تناصره، حتى أصبح لا يعرف الرجل و لده ولا المولود أباه، و ضاعت هيبة الدولة ودب الفساد في البلاد واستمرت الرذيلة تحكم وتصول وتجول حتى تولى كسرى أنوشروان ابن قباد فنكل بالمزدكيين وزعيمهم ، وقضى على كل من يشتم فيه رائحة المزدكية .

3ـ الوضع العام في الهند :(عبادة كل شيء حتى…).أما الهند فلم تكن أحوالها العامة بأسعد حالا إذ فازت بنصيب غيرمنقوص من الانحلال الاجتماعي ، يكفي أن وصل بهم الحد إلى عبادة الفروج و تقديسها ، وحتى إلى يومنا هذا، يقول أبو الحسن الندوي - رحمه الله-»زد إلى ذلك عبادتهم لآلة التناسل و تصويرها في صورة بشعة واجتماع أهل البلاد عليها من رجال ونساء وأطفال وبنات، [و كانت] بعض الفرق الدينية يعبدون النساء العاريات، والنساء يعبدون الرجال العراة ،و كان كهنة المعابد من كبارالخونة والفساق «([20]) .ويقول عنها غوستاف لوبون: »ولا تجد عبادة أدت إلى مناظر مخالفة للدوق والأدب كعبادة 'كالي' – إلههم- و لايزال يُرى في معابدهم من الفحشاء والمنكر والدعارة ما يستحيل و صفه ([21])«.    

انتشرت حمى الشهوات في كل مكان ولا من ينكر ذلك ،هذه في بيوت العبادة فكيف في بقصور الملوك و الأمراء والأثرياء ؟! ومما زاد الأوضاع سوءا: نظام الطبقات الجائر القاسي، الذي تجاوز نظام الفرس والروم، والذي دعا إليه البراهمة ووضعت لتكريسه القوانين والمراسيم الدينية التي قَسَّمت الناس إلى الطبقات التالية :

1-البراهمة طبقة الكهان ورجال الدين

2-رجال الحرب-شتري-

3-رجال الزراعة و التجارة –ويش-

و يبررون هذا التقسيم تبريرا دينيا جائرا فإلههم خلق البراهمة من فمه، ومن ذراعه رجال الحرب، ومن فخذه الزراع والتجار، ومن رجليه –الشودرا- المنبوذون .أرأيت كيف يفترون على الضعفاء لأكل أموالهم بالباطل؟! فكان المنبوذون أحط من البهائم وأذل من الكلاب، ففي قانون البراهمة »من سعادة - شودر –المنبوذ أن يقوموا بخدمة البراهمة وليس لهم أجر وثواب بغير ذلك، وليس لهم أن يقتنوا مالا أو يد خروا كنزا، فإذا ذلك يُؤْدي البراهمة  « ([22])

أما المرأة ، فكانت لا قيمة لها يقامر عليها زوجها وقد يخسرها، وكان لدى طوائف أخرى لهاعدة أزواج، فإذا مامات زوجها لا تتزوج بعده وقد تحرق نفسها إثر وفاة زوجها هروبا من عذاب الدنيا.هذا شيء قليل من كثير، وخير الكلام ما قل ودل

المصدر/أطلس التاريخ الإسلامي لحسين مؤنس

3-الأوضاع العامة عند العرب قبل ظهور الإسلام

المحاضرة رقم2

2-الأوضاع السياسية عند العرب قبل ظهور الإسلام : يجمل بنا أولا وقبل كل شيء أن نشير إلى حالتهم السياسية حتى تتضح لنا حقيقة الإسلام وما أدخله من تغيير على أحوالهم العامة، ذلك أنه لا تعرف حقيقة الإسلام حتى تعرف جاهلة العرب، وإن كانت بقية الأمم هي الأخرى تعيش في جاهلية أسوأ من جاهلية العرب، فالأقطار المجاورة لشبه الجزيرة العربية كانت حالتها السياسية في تضعضع وانحطاط لا مزيد عليه‏. ‏فقد كان الناس بين سادة وعبيد، أو حكام ومحكومين، فالسادة -ولاسيما الأجانب- كان لهم كل الغُنْم، والعبيد عليهم كل الغُرْم، وبعبارة أوضح‏: ‏إن الرعايا كانت بمثابة مزرعة أو السائمة تسعى لتوفير السعادة للملوك ومن ارتبط بهم وتعزز بقوتهم. ‏أما الناس فكانوا في فقر وغي وضلال يتخبطون ، والظلم ينحط عليهم من كل جانب، وما في استطاعتهم التذمر والشكوى، بل كانوا يسامون الخسف والجور والعذاب ألواناً ساكتين، فقد كان الحكم استبدادياً، والحقوق ضائعة مهدورة‏ .‏

أقسام العرب: قسم علماء الأنساب العرب إلى :

1-عرب بائدة وهم الذين لم تصلنا أخبارهم إلا ما قصه القرآن علينا عن قوم عاد وعاد الذين أبادهم الله  وطسم وجديس.

2- والعرب العاربة وهم العرب الذين ينسبون إلى يعرب بن يشجب بن قحطان ويعرفون بالقحطانيين وهؤلاء هم  اليمنية الذين استقروا في اليمن. وقد ازداد عددهم فتفرقوا في البلدان ومن قبائلهم:حمير وقضاعة، والسكاسك، وكهلان، وتنوخ، وهمدان، وأنمار، وطيء، ومدحج، والأزد، وكندة، والأوس،والخزرج،وأولاد جفة ملوك غسان، والمناذرة ملوك الحيرة، والأشعريين...الخ   

3-العرب المستعربة وهم الذين يرجعون في أصلهم إل إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن-عليهما السلام-ويعرفون أيضا بالعدنانيين ومن أشهر قبائل هذا القسم: إياد، وأنمار، وربيعة، ومضر،وهذان الأخيران هما اللذان تكاثر نسلهما وإلى مضر بن نزار بن معد بن عدنان الذي يرجع إلى إسماعيلu    تنتمي قريشا. ([23]) واشتهر كل قسم بمآثر فمن مآثر العدنانيين تمسكهم بدين الخليلu ورعايتهم لبيت الله الحرام فكسبوا بذلك فخرا ومجدا، وأصبحوا محل الاحترام والتقدير من باقي العرب، هذا ولم يقم العدنانيون ممالك داخل شبه الجزيرة العربية أو خارجها، و إنما كان أمرهم إلى رؤساء قبائلهم إلا ما كان من أمر قريش فإن النظام عندها كان أقرب ما يكون إلى إمارة مدينة أو جمهورية مكة التجارية كما سنراه فيما بعد([24])

وأما القحطانيون فمن مآثرهم تأسيسهم لممالك عديدة في اليمن وخارج اليمن هي:

1-الشعب اليمني وممالكه:( لقد كان لسبإ في مساكنهم آية جنتان عن يمين وشمال) :من أقدم الشعوب التي عرفت باليمن من العرب العاربة قوم سبأ ويبدأ ازدهار حضارتهم ونفوذ سلطانهم وبسط سيطرتهم بأحد عشر قرنا قبل الميلاد ‏.ويمكن تقسيم أدوارهم حسب التقدير الآتي ‏:‏

 أ -مملكة معين:ما بين 3000 إلى 1000ق.م عرفت دولتهم في هذه الفترة بالدولة المعينية ، ظهرت في الجَوْف، أى السهل الواقع بين نجران وحضرموت، ثم أخذت تنمو وتتسع وتسيطر وتزدهر حتى بلغ نفوذها السياسي أقصى مداه في جنوب .ش.ج.ع التي كانت التجارة هي صلب معيشتهم.

ب- مملكة سبأ: ثم ظهرت مملكة سبأ بعدها‏.‏ ما بين 1000ق‏.‏ م إلى سنة 150، وقيل 115 ق‏.‏ م ‏‏، واتخذوا ‏‏مدينة مأربا‏‏ عاصمة لهم ثم إنهم بنوا سد مأرب الذي له شأن كبير في تاريخ اليمن، الذي أشار إليه القرآن الكريم في سورة سبأ ‏وهو على بعد142 كم شرقي صنعاء‏، قال تعالى: ﴿  لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19) سبأ.

ج- مملكة حِمْيَرَ: ظهرت هذه الدولة ‏منذ سنة 150 أو 115 ق‏.‏ م إلى سنة300 م وعرفت في هذه الفترة بالمملكة الحميرية الأولى، لأن قبيلة حمير غلبت واستقلت بمملكة سبأ، وقد عرف ملوكها بـ‏‏ "ملوك سبأ وذى ريدان‏" وهؤلاء الملوك اتخذوا مدينة ‏ريدان عاصمة لهم بدل مدينة ‏‏مأرب‏.‏ ثم دب إليهم داء الضعف والانحطاط حتى سقطت في حدود 300م ، ثم ظهرت دولة أخرى عرفت بالدولة الحميرية الثانية، وعرف ملوكها بـ‏ملوك سبأ وذى ريدان وحضرمـوت وَيَمَـنَتْ‏، وهذا الظرف بدأت تظهر تصدعات في سد مأرب، حتى وقع السيل العظيم، الذي وصفه القرآن الكريم بسيل العرم في حدود سنة 450م ، أو 451 م‏، ‏وكانت حادثة كبرى أدت إلى خراب العمران وتشتت الشعوب  حتى أصبحت من أفقر البلاد وإلى اليوم‏.‏ وقد توالت على هذه الدولة الاضطرابات والحوادث، وتتابعت الانقلابات والحروب الأهلية التي جعلتها عرضة للغزو الأجنبي حتى احتل الأحباش اليمن، ففي سنة 525م قاد ذو نُوَاس اليهودي حملة منكرة على المسيحيين المؤمنين من أهل نجران، وحاول صرفهم عن دينهم قسراً، ولما أبوا خَدَّ لهم أخدودا وألقاهم في النيران التي أشعلها فيه، وهو ما أشـار إلـيه القـرآن الكريم في سـورة الـبروج بقـوله:‏‏(﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8)الروج.‏ وكان هذا الحادث قد ولد الرغبة عند الأحباش بتحريض من الرومان في احتلال اليمن سنة 525 م، بقيادة أرياط، الذي ظل حاكماً لليمن حتى اغتاله أبرهة بن الصباح الأشرم- أحد قواد جيشه -سنة 549م ، ونصب نفسه حاكمًا على اليمن بعد أن استرضى ملك الحبشة ببناء كنيسة القليس له في صنعاء لعله بذلك يصرف الناس عن الحج إلى بيت الله الحرام فرضي عنه الملك، وهو الذي حاول هدم الكعبة سنة 570م  والذي عرف هو وجنوده بأصحاب الفيل‏.‏ وقد هلك بعد عودته إلى صنعاء عقب وقعة الفيل، فخلفه على اليمن ابنه يَكْسُوم ، ثم الابن الثاني مسروق . الذي قضى عليه الفرس بعد أن استنجد أهل اليمن بهم، وقاموا بمقاومة الحبشة حتى أجلوهم عن البلاد ، ونالوا شبه استقلال سنة 575 م بقيادة سيف بن ذى يزن الحميرى، الذين اتخذوه ملكاً عليهم، الذي اغتاله حراسه من الأحباش، وبموته انقطع الملك عن بيت ذي يزن ، وصارت اليمن مستعمرة فارسية يتعاقب عليها ولاة من الفرس، وكان أولهم وِهْرز وآخرهم باذان، الذي اعتنق الإسلام سنة 628م ، وبإسلامه انتهي نفوذ فارس في بلاد اليمن‏

 2- مملكة المناذرة في الحيرة في غرب العراق: كان الفرس يحكمون بلاد العراق وما جاورها، والذين دان لهم عرب الحيرة والأنبار الذين كانوا قد هاجرو من اليمن واستقروا بهذه المنطقة. ‏الذين استعان بهم ملوك الفرس في مواجهة البدو، وكذا ملوك الرومان الذين كان الفرس يخشون امتداد نفوذهم على العراق، وليكون عرب العراق في مواجهة عرب الشام الذين اصطنعهم ملوك الرومان أيضا. وبذلك تعلم كيف كان عرب أطراف شبه الجزيرة العربية في جاهليتهم تابعين سياسيا للفرس والروم.

 استمر الملك بعد المنذر بن ماء السماء في عقبه حتى كان النعمان بن المنذر‏[‏583ـ605 م‏]‏ فإنه غضب عليه كسرى  فقتله، ثم عاد الملك سنة 632 م  إلى آل لخم المناذرة، فتولى منهم المنذر بن النعمان ،ولكن لم تزد ولايته على ثمانية أشهر حتى قدم عليه خالد بن الوليد بعساكر المسلمين ‏فقضى على دولته.

3-مملكة الغساسنة بالشام: هاجر هؤلاء من اليمن أيضا واستقروا جنوب دمشق، فاصطنعهم الروم ملوكاً على عرب الشام، ليمنعوا عرب البرية من العبث في أطراف الشام، وليكونوا عدة ضد الفرس، وكانت قاعدتهم مدينة بصرى، ولم يزل الملك في الغساسنة حتى كانت وقعة اليرموك سنة 13هـ ، وانقاد للإسلام آخر ملوكهم جَبَلَة بن الأيهم في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطابt ، ثم ارتد بعد ذلك.

مملكة كندة : هي مملكة عربية قديمة نشأت في نجد في العهد الجاهلي. حيث كانت عاصمتها قرية ذات الكهل (حاليا قرية الفاو في المملكة العربية السعودية). حكمت معظم نجد والجزء الشمالي من شبة الجزيرة العربية أنشأتها قبيلة كندة الحضرمية.

فبعد استيلاء حمير على مأرب هاجر الكنديون إلى البحرين القديمة (حاليا منطقة الأحساء والقطيف في السعودية وجزيرة البحرين) لكن قررالحميريون بعدها أن يستعينوا بهم لمواجهة الأخطار التي تهدد مصالحهم الاقتصادية أن يعملوا تأسيس دولة تابعة لهم لكي تحكم وسط شبه الجزيرة العربية (نجد) وشمالها،على غرار ما فعل الفرس والروم. فنشأت الدولة الكندية في حدود سنة 425 م عندما أصبح حجر آكل المرار بن عمرو الملك الأول على كندة بتعيين من حسن بن عمرو بن تبع ملك حمير آنذاك. غزا الأحباش مملكة حمير سنة 525م مما أدى إلى انحدار قوة الكنديون شيئا فشيئا. خلال ثلاث سنوات

تقسمت كندة إلى عدة ممالك صغيرة سقطت بعد ذلك واحدة تلو الأخرى من 530م إلى 540م حيث سقطت آخر مملكة كندية بسبب غزوات متتالية من القبائل العدنانية، أنجبت هذه المملكة أشهر شاعر هو أمرؤ القيس الذي حاول استعادة حكم أبيه الضائع خلال عام 540 ولكنه فشل في ذلك.

كما ظهرت مملكة الأنباط في جنوب الأردن متخذة من البتراء عاصمة لها إلا أن الرومان قضوا عليها سنة 106م.

2-شعب عدنان:-الحال في الحجاز-: لم يقم شعب عدنان ممالك كالذي كان من الشعب اليمني إنما عاش في تنظيمات قبلية كالشعب اليمني سواء بسواء وكانت قاعدة انتشاره كما هو معروف مكة المكرمة لما ضاقت بهم سبل الحياة فانتشروا في أطراف .ش.ج.ع  لكن القبيلة التي سيطرت على الحرم كانت قبيلة جرهم ولكن بمرور الزمان أساء ت السيرة، فظلمت الوافدين إليها ، واستحلوا مال الكعبة، الأمر الذي كان يغيظ العدنانيين أبناء إسماعيل ويثير حفيظتهم، ولما نزلت خزاعة بِمَرِّ الظَّهْران، ورأت نفور العدنانيين من الجراهمة استغلت ذلك، فقامت بمعونة من بطون عدنان ـ وهم بنو بكر بن عبد مناف بن كنانة ـ بمحاربة جرهم، حتى أجلتهم عن مكة، واستولت على حكمها في أواسط القرن الثاني للميلاد ‏.ولنا وقفة مع قريش لاحقا.‏  

3 ـ- مقومات النظام القبلي: الظاهرة التي يمتاز بها العرب عبر تاريخهم قبل الإسلام هي سيطرة النظام القبلي على حياة السكان وازدادت حدتها بذهاب تلك المماليك التي قامت في الجنوب، ويمكن تعليل هذه الظاهرة أنها جاءت خير نموذج للتطبيق العملي "لقانون البيئة"، الذي يفرض الأسس والقواعد التي يقوم عليها المجتمع البشري الذي، تتولى فيه النظم القبلية توجيه سلوك أفرادها نحو ما يكفل لهم مطالبهم المادية والمعـنوية، وغم ذلك ينقسم العرب– بالنسبة إلى مساكنهم– إلى حضر وهم:سكان المدن، وبدو وهم:الذين يقيمون في البادية وينتقلون بمواشيهم وراء الماء والمرعى ومساكنهم بيوت الشعر .

الأرض:أول مما تتسم به:أنه لم يكن للقبيلة أرض محددة بسبب كثر انتقالها الدائم طلبا للماء والمرعى، إلا أن هناك بعض القبائل اتسمت حياتها بالاستقرار في أرض معينة ،عرفت بمضارب القبيلة أو الحمى، وكانت قوة القبيلة تقدر بعدد أفرادها وكذا المجال الجغرافي للأرض التي تنتشر عليه، وهما شيئان أساسيان في توفير الأمن الغذائي والحربي إذ يتيح لها هذا الأخير العزة والقوة في دفع الأخطار التي تهددها .

2ـ شيخ القبيلة : يحكم القبيلة شيخ ويشترط فيه: أن يكون مسنا، وشجاعا، كريما، حليما، فصيحا، قوي الحجة والبيان لإقناع الغير، ومتواضعا يتدخل لنجدة أفراد القبيلة عند المحن، وفير المال للإنفاق على فقراء القبيلة، له كثير من الأولاد إذ أن قيمة الرجل في تلك الفترة بكثرة أولاده الذكور، وما دعاء عبد المطلب أن يرزقه الله عشرة ذكور يتقوى بهم على من ناوأه في حفره لزمزم إلا مثلا على ذلك. ورئاسة الشيخ ليست وراثية فيمكن لأي فرد إذا توفرت فيه هذه الصفات أن يكون شيخ القبيلة. إلا أن هناك من احتكر هذا المنصب وإذا ما توارث من البيت الواحد ثلاثة رؤساء عرف البيت بالمجد والشرف .

أما واجباته فعـديدة وهامة منها: حل الخصومات والتحكم في الخلافات التي تنشب بين أفراد القبيلة، كما يقود العشيرة في الحرب، ويتولى المفاوضات مع القبائل الأخرى، إلا أن أوامره ليست إلزامية و يساعده مجلس القبيلة – النادي- في إدارة شؤون القبيلة ويتشكل من الأفراد البالغين، ويحق لكل فرد أن يقول ما يراه مناسبا لصالح القبيلة وتصدر قرارته بالأغلبية .

3-الفرد في القبيلة : ولكن في بعض الأحوال تطرد القبيلة أفرادها لسبب من الأسباب كالاعتداء على حرمات القبيلة ، أو الغدر بعهد ارتبط به، و يطلق على هذا الفرد الذي تحرمه قبيلته من حقوقه "المدنية" اسم " الخليع " و "الرجل اللعين " و "الطريد" و تعلن قبيلته ذلك أمام الملأ، فتقول: »إنا خلعنا فلانا فلا نأخذ أحدا بجناية تجنى عليه، ولا نؤاخذ بجناياته التي يجنيها «، وكذلك يفعل الأب إذا كان ابنه هو الخليع. و يعتبر هذا العمل من أخطر ما يواجه الفرد، وقد يضطر إلى أن ينظم إلى أحد القبائل الأخرى فسمى "اللزيق " و "الذليل" ، وقد يبقى يمارس الصعلكة بممارسة أعمال السطو طلبا للعيش([25]) 

    وكانت القبيلة تمنح حق الحماية لأفراد من قبائل أخرى لم يمارسوا جرائم في حق غيرهم، و يعتبر هذا العمل كاللجوء السياسي أومنح الجنسية في وقتنا الحاضر، فما على القبيلة إلا أن تحميه وتدافع عنه. ويعرف هؤلاء الأفراد باسم "الموالي"، وقد يكون هذا المولى عبدا أعتق يدعى مولى فلان باسم معتقه، ويعتبر كأنه فرد من أفراد العشيرة. أما أولئك الذين طردتهم قبائلهم أورفضوا العيش تحت حمايتها فيعرفون بموالي الجوار و يعرفون أيضا بالحلفاء([26])وفي بعض الظروف الخطيرة قد تتحالف القبيلة الضعيفة مع قبيلة أقوى لتؤمن لنفسها الأمن و الحماية وقد يطول هذا الحلف وقد يقصر بحسب الظروف والأحوال .

 وبذلك تعلم أن عرب أطراف شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام قد هيمنت عليهم القوى الكبرى آنذاك من فرس وروم وأحباش إلا ما كان من سكان حجازها ونجدها – وسطها-فكانوا مستقلين عن أي نفوذ أجنبي أحرارا لم يكسر من صولة بأسهم تعسف الملوك وذلك لحكمة أرادها الله لما سيكون لأمثال هؤلاء من دور فاعل في نصرة الإسلام الذي يأبى على أتباعه أن يكونوا أذلة.

المصدر/أطلس التاريخ الإسلامي لحسين مؤنس

3-الوضع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والديني عند العرب قبل الإسلام:  حددت بيئة شبه ج.ع.الصحراوية وشبه الصحراوية نمط المعيشة لسكانها وكذا النظم التي اتبعوها لتنظيم حياتهم، إلا أنه ولاختلاف البيئات اختلفت نشاطاتهم ومن ثم مارس بعضهم الزراعة كأهل اليمن وسكان الواحات وأطراف العراق والشام بحكم استقرارهم، وكذا النشاط الصناعي المتنوع الأغراض ،ولكن الغالبية العظمى من السكان كانوا بدوا رحلا مارسوا تربية المواشي من أغنام و جمال وخيول ...إلخ فهي عماد ثروتهم و قيمة الرجل بقيمة ما يملك من أنعام وأموال إلا أن البدوي كان ينتقل بمواشيه وراء الماء  والمرعى، وكثيرا ما كانت الحروب تنشب من أجل السيطرة عليهما، ولكن البدوي كان يحتقر الصناعة ويرى فيمن يمارسها رمز ذل نتيجة لما يفرض على صانعيها عند الأكاسرة والقياصرة من ضرائب، والعربي يأنف من ذلك، زيادة على كونها تقيد حريته لأنها تحتاج إلى استقرار وهو متعود على حرية التنقل.

        إلا أن أهل الحجاز خاصة قبيلة قريش فاقَت غيرها في النشاط التجاري بنظام الرحلتين التي كانت تقوم بهما إلى اليمن شتاء وإلى الشام صيفا، إضافة إلى رحلات أخرى إلى الحبشة والعراق أما اليمنية فسيطروا على التجارة البحرية فيما بينهم و بين الهند و كذا شرق إفريقيا. وكانت البضائع المتبادلة متنوعة حيوانية ونباتية وغذائية وعطور وبخور ونسيجية ومعدنية وفخارية سائلة وجامدة وكذا بيع العبيد رجالا ونساء، و كانوا يعقدون أسواقا لتصريف هذه المنتجات بعضها فصلي و بعضها سنوي يراعى في إقامتها حلول الأشهر الحرم حتى يقصدها الناس من كل مكان لبيع ما زاد عن حاجتهم أو استوردوه، وشراء ما هم في حاجة إليه. ولم تقتصر مهمة الأسواق على البيع والشراء فقط و إنما تعدت إلى أن تعقد بها الأحلاف والمعاهدات، ويجار ويخلع بها الأفراد، وكذا لإنشاد الشعر والتباري في قرضه، ومن أشهر أسواقهم: سوق عكاظ بين الطائف ومكة وذو المجنة وذو المجاز في ضواحي مكة وهناك أسواق أخرى في اليمن والبحرين وعمان ودومة الجندل. ([27]) .

 4ـ الوضع الاجتماعي:( أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية...):

أُطلق على تلك الفترة التي سبقت ظهور الإسلام اسم "الجاهلية"، ولا تعني الجهل بالقراءة والكتابة ولكنها تعني تلك الرذائل و المنكرات التي انتشرت عند العرب وعند غيرهم ، فالتبرج من الجاهلية وكذا عبادة الأوثان من الجاهلية، وأكل الربا من الجاهلية، وكذا القمار والظلم والدعوة إلى العصبية وقتل المؤودة...إلخ، وإذا أردت تعريفا شاملا للجاهلية من أفواه من عاشها، فاستمع لما قاله جعفر بن أبي طالب t وهو يخاطب النجاشي مدافعا عن المسلمين الذين لجئوا إلى بلاده، قال:«أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية  نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتى الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار يأكل القوى منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله

لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نحن نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان... « ([28]).

         هذا ولم تقتصر الجاهلية على العرب وحدهم وإنما هي عامة، ذلك أن بقية الأمم توصف بها هي أيضا بل وألصق بهذه الأمم، فطبيعة الرسالة الإسلامية تأبى أن يخص العرب وحدهم بهذا الوصف باعتبارها جاءت إلى الناس عامة، ومن ثم فالعالم آنذاك كان يعيش في جاهلية سياسية واجتماعية واقتصادية و خلقية وعقائدية، ولذا فالرسالة جاءت لتخرجه من ذلك إلى نور الإسلام، ومن ثم أيضا كانت جاهلية العرب أهون من جاهلية بقية الأمم ذلك أن بعض الشر أهون من بعض، وهذا أحد أسباب اختيارهم لحمل الرسالة، واستمع لأبن خلدون وهو يقارن بين حال العرب وحال الفرس كـنمودج قبل البعثة، قال: » وكانت قبائل مضر-العدنانيون- مع ذلك، بل وسائر العرب أهل بغي وإلحاد، وقطع للأرحام، وتنافس في الرّدى، وإعراض عن ذكر الله، فكانت عبادتهم الأوثان والحجارة ... وإنما كان تنافسهم المؤودة والسائبة والوصيلة والحامي، فلما تأذن الله بظهورهم واشرأبت إلى الشرف هوادي أيامهم ... وأونس الخير والرشد في خِلالهم -أخلاقهم و سيرتهم -... وانتقلت خِلال الخير من العجم ورجالات فارس فصارت أغلب في العرب ...وغلب الشر والسًّفسفة على أهل دول العجم، وانظر فيما كتب به عمر بن الخطاب إلى أبي عبيد حين وجهه إلى حرب فارس: «إنك تقدم على أرض المكر والخديعة والخيانة والجبرية، تقدم على قوم قد جرءوا على الشر فعلموه،  وتناسوا الخير فجهلوه ،فانظر كيف تكون «.([29])

        تأمل كيف كانت الجاهلية مهيمنة على الأمم ضاربة أطنابها في كل جهة ! فمن أمور الجاهلية عند العرب شيوع شرب الخمر وشغلت جانبا كبيرا من أدبهم في شعرهم مدحا لها و لشاربها، ووصفهم لأنواعها، ولكن هناك بعض الرجال الراجحي العقول عرفوا مضارها فاقلعوا عن شربها نذكر منهم: أبو بكر الصديق t، وعبد المطلب جد النبي r وعبد الله بن جدعان وعثمان بن عفانt، والعباس بن مرداس السلمي الذي قال: »أكره أن أصبح سيد القوم وأمسي سفيههم« ([30]) وللدلالة على انتشار شربها بشكل واسع أن اللهU  تدرج معهم في تحريمها لإدمانهم عليها. إضافة إلى ما سبق أنهم كانوا يلعبون الميسر بشكل واسع، فكثيرا ماكان بعض الأفراد يقامرون حتى على أهلهم فيبقون حزانى مسلوبين ينظرون إلى أموالهم وعرضهم عند غيرهم، فكان ذلك مما يزيد في العداوة والبغضاء بينهم ([31]) .

أما الربا فهو المتحكم في البيع والشراء إذ انتشر انتشارا واسعا، واعتبروه كالبيع وأرهقت الفوائد الربوية التي كان يدفعها الدائن للمستدين كواهلهم، فإذا ما حل أجل الدين جاء الدائن للمدين يرجوه أن

يزيده في المدة ويزيده في الفائدة فإن عجز صادر ماله، ومن الرذائل التي كانت منتشرة عندهم فاحشة الزنا، إذ كانت للزانيات بيوت معلومة توضع على أبوابها علامات تميزها تعرف ببيوت المواخير، كما كانت بعض النسوة يتخذن لأنفسهن أخذان –أخلاء-وكذا الرجال و بعضهم كان يكره إماءه -المرأة العبدة-على الزنا لأخذ أجورهن- أي يكتسبون بهن - أما الزواج فعلى أنواع وقد حددته أم المؤمنين عائشة –رضي الله عنها- في وصفها له لابن أختها عروة بن الزبير فقالت:« أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها، ونكاح آخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع، ونكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها تقول لهم قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت فهو ابنك يا فلان تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع منه الرجل، ونكاح الرابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما فمن أرادهن دخل عليهن فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها ودعوا لهم القافة ثم ألحقوا ولدها فالتاط –أي ألحق به- ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك. فلما بعث محمد -صلى الله عليه وسلم- بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم» ([32]). وما ذُكر هنا من أنواع يمجها الدوق والأخلاق يعد من الشذوذ من أهل الفسق والفجور فلا يقاس عليه، ذلك أن العربي كان غيورا على أهله، كما كان الرجل يتزوج ما شاء من النساء دون تحديد ابتغاء زيادة النسل، بالخصوص الذكور ليتعزز بهم بين قومه وبقية القبائل .

          كما اختلفت قيمة المرأة بحسب نسبها ، فبعضهن تمتعن بقيمة عالية إلا أن أغلبهن كن عرضة لغبن وظلم، تحرم من الإرث وتزوج بغير رضاها أو تورث كزوجة من قبل أهل الميت من دون مهر، ولحفاظ بعض العرب على شرفهم دفع ببعض القبائل إلى وأْد بناتهن أحياء من ذلك: «أن رجلا أتى النبي  صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنا كنا أهل جاهلية وعبادة أوثان فكنا نقتل الأولاد وكانت عندي ابنة لي فلما أجابت وكانت مسرورة بدعائي إذا دعوتها فدعوتها يوما فاتبعتني فمررت حتى أتيت بئرا من بعيد فأخذت بيدها فرديت بها في البئر وكان آخر عهدي بها أن تقول يا أبتاه يا أبتاه فبكى رسول الله  صلى الله عليه وسلم حتى وكف دمع عينيه فقال له رجل من جلساء رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أحزنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له كف فإنه يسأل عما أهمه ثم قال له أعد علي حديثك فأعاده فبكى حتى وكف الدمع من عينيه على لحيته ثم قال له إن الله قد وضع عن الجاهلية ما عملوا فاستأنف عملك »([33]) ، وبعضهم يقتلونهن خشية من الفقر قال تعالى: ] وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) الأنعام [ ، وقال: ] وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ...(151) الإسراء [

ويقول ابن كثير: «هذه الآية الكريمة دالة على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده لأنه نهى عن قتل الأولاد كما أوصى الآباء بالأولاد في الميراث وكان أهل الجاهلية لا يورثون البنات بل كان أحدهم ربما قتل ابنته لئلا تكثر عيلته فنهى الله تعالى عن ذلك وقال: "ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق"  أي خوف أن تفتقروا في ثاني الحال ولهذا قدم الاهتمام برزقهم فقال:" نحن نرزقهم وإياكم" وفي الأنعام "ولا تقتلوا أولادكم من إملاق"  أي من فقر نحن نرزقكم وإياهم وقوله "إن قتلهم كان خطئا كبيرا" أي ذنبا عظيما([34]) عن عبد الله قال ثم سألت رسول الله  صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم ثم الله قال أن تجعل   لله ندا  وهو خلقك قال قلت له إن ذلك لعظيم قال قلت ثم أي قال ثم أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قال قلت ثم أي قال ثم أن تزاني حليلة جارك([35])»

        كما كانت العصبية القبلية مستحكمة شديدة، شعارهم: أنصر أخاك ظالما أو مظلوما، وكان لها دورها في توارث الإحن والأحقاد واستعلاء روح الانتقام والاقتتال فالقانون السائد عندهم الحق هو القوة والقوة هي الحق.كما عرفت تلك الحروب التي كانت تقوم بينهم باسم:"الأيام"وتحدث للأسباب مختلفة منها على المياه والمراعي ، ومنها للثأر، ومنها حبا في الغزو وإذلال الآخرين،وتارة طلبا للقوت الذي شح عند قبيلة من القبائل، ومنها ما تقوم لأتفه الأسباب من أجل ناقة قتلت كناقة البسوس التي قتلها كليب التي استمرت الحرب أربعون سنة وإن كانت بشكل متقطع، وحرب داحس والغبراء وكانت بين عبس ودبيان

لأجل سباق فرسين. أما فضائلهم فهي كثيرة كالوفاء بالعهد إذ كانوا ينكرون أشد الإنكار على من يخالف ذلك وينقضه، إضافة إلى إغاثة الضعيف وحمايته إذا ما طلب منهم الحماية، وعدم تزوجهم بمحارهم كما كان عليه حال الفرس. إضافة إلى خلق الكرم و تحمل بعض الأفراد ديات القتلى على حسابهم الخاص تسكينا لنار الفتنة ووضع حد لإراقة الدماء .

الوضع الثقافي عند العرب:(أمة أمية): وصف القرآن الكريم العرب فقال: ] هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2)الجمعة (. وهو الوصف نفسه الذي وصفهم به الرسول r  بأنهم أمة أمية لا تكتب ولا تحسب، وعلى هذا فقليل منهم من كان يحسن القراءة والكتابة، وأدى ذلك إلى انعدام تجاربهم المختلفة وتركها للأعقاب إلا أنهم اعتمدوا على قوة حافظتهم، والقوة متى استعملت نمت وارتقت، ولذلك كانوا أحفظ الأمم، فعن طريق الحفظ وصلتنا أشعارهم وخطبهم والحديث النبوي حتى عصر التدوين، ولم تزدهر عندهم العلوم كما كان عليه الحال عند اليونانيين والروم وغيرهما، بسبب قانون البيئة الذي أثر على حياتهم وشغلهم عن هذه الأمور، وكذا تأثر حياتهم بالغزو والترحال لأن العلوم لا تزدهر إلا حيث يوجد الاستقرار والأمن وتتوفر الرعاية لأهلها، ولذلك كانت معارفهم بسيطة تتداول عن طريق التلقين الشفوي والممارسة الميدانية، ومن الأمور التي برعوا فيها قرض الشعر والأمثال والحكم التي لخصوا فيها تجاربهم، والقصص والأنساب والطب الإنساني والحيواني وعلم النجوم ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر، وقيافة الأثر وهو نوعان: قيافة أثر السائر على التراب ومعرفة أوصافه من خلال آثاره التي يتركها على التراب، والنوع الثاني: قيافة النسب لإلحاق الأبناء بالآباء بمعرفة أوجه الشبه والاختلاف من خلال تقاسيم الوجه والأيدي والأرجل ([36]).

6-الوضع الديني:(أن امشوا واصبروا على آلهتكم): كان أهل الحجاز العرب العدنانية ومن خالطهم من عرب اليمن على الدين الذي جاء به إبراهيم وابنه إسماعيل –عليهما السلام- لا يعبدون إلا الله تعالى، لا يعبدون صنما ولا كواكب ولا حيوانات وقوى توحيدهم صلتهم بإبراهيم وابنه إسماعيل –عليهما السلام- فبهما شرفوا، ولكن لما طال عليهم الأمد وتزايدت أعدادهم تغيرت بسبب ذلك عقيدتهم، فنسوا ماذكروا  به، فكان ذلك وسيلة من وسائل تلبيس إبليس على عقولهم و تزيينه لهم عبادة الأصنام.

-أ- عمر بن عامر بن لحي يستورد هبل و يلحد في الحرم: لاشك أن الشرك بدأ يزحف إلى عقول أهل الحجاز أحفاد إسماعيل u قبل أن يظهر عمرو بن لحي، ذلك أن أبناء إسماعيل لما كثر عددهم في مكة بدأوا ينتشرون في الأرض، فكان لا يرتحل رجل إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم وتبركا به، فأينما حلوا وضعوه و طافوا حوله كطوافهم بالكعبة، وخلف من بعدهم خلف نسوا أصل الدين وعبدوا الحجارة، وازدادت انتشار في البوادي بعد أن زين لهم ذلك شياطين الجن والإنس، وبالخصوص عمرو بن لحي الخزاعي الذي أدخل عبادة الأصنام إلى الحرم ودنسه بعد أن كان خاليا منها.إذ كان سيد خزاعة وله سلطان التوجيه على قومه يعظمون ما يعظم ولا يعصون له أمرا، إذ أنه لما ذهب إلى البلقاء بالشام للاستشفاء من مرض أصابه وجد أهلها يعبدون الأصنام، فسألهم :«ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها، نستمطرها فتمطرنا ،ونستنصرها فتنصرنا »، فطلب منهم صنما فأعطوه هبل فقدم به مكة فنصبه داخل الكعبة، ودعاهم إلى عبادته فاتبعوه([37])،  وتبعتهم بقية العرب باعتباره قدوتهم وإمامهم. ولم يقتصر الأمر على هذا بل أدخل عليهم بدع أخرى طمست معالم الدين الحق وشوهت ما بقي من دين إسماعيل  u وقد جاء ذكر ما أدخل عليهم في القرآن الكريم قال تعالى ] : مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103)الأنعام( ([38]) .

-فالبحيرة :الناقة تشق أذنها و تسيب فلا تركب ولا يجز وبرها ولا يشرب لبنها إلا لضيف وكذا يفعل بالأنثى التي تلدها .

-السائبة: الناقة التي تلد اثنا عشر إناثا ليس فيها ذكر سيبت وتصير كالسابقة وكذلك يفعل بابنتها تشق أذنها و تسيب كأمها.

-الوصيلة : الأنثى تلد ذكرا وأنثى في بطن واحد، وقيل الشاة تلد عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس فيهن ذكر ، قالوا:أوصلت ، فكان ما ولدت بعد ذلك لذكورهم محرم على إناثهم .

-الحامي / ذكر الإبل –الفحل- إذا و لد له عشر إناث متتابعات حمى ظهره فلا يركب و لا يجز وبره   وترك يضرب في الإبل و هناك تفاسير أخرى لما ذكرناه ليس هنا محل ذكرها فلتراجع في المصادر.

 وكانت عاقبة عمر بن لحي عاقبة مأساوية بسبب ما فعل إذ رآه النبي r يجر قَصْبه-الأمعاء- في النار([39])- نعود بالله من سوء العاقبة- وهذه عاقبة أئمة الضلالة، ولا شك أن من تبعهم كان معهم ويوم القيامة لاينصرون .

ومما سبق ترى أن آثار بقايا الوثنية فيما جاور ش.ج.ع. له تأثيره على انتشارها عند العرب من اليمن والروم، زيادة على كون التبرك كان دريعة إلى عبادة الأوثان، ثم كان التقليد الأعمى والعدوى بعد اختلاط الجماعات والأفراد بعضها ببعض، ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد بل انغمسوا في عبادة الأصنام إذ امتلأ بها فناء الكعبة، قدر عددها عند فتح مكة ب 360 صنما، بل أصبح في كل بيت صنم، و لكل قبيلة صنم .قال أبو رجاء العطاردي :»كنا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجرا هو خير منه ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثوة من تراب ،ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طففنا به« ([40]).

كما اتخذ بنو حنيفة في الجاهلية إلها من حَيْسٍ –تمر-فعبدوه دهرا طويلا ثم أصابتهم مجاعة فأكلوه فقال رجل من بني تميم :

أكلت حُنيفة ربها  -   زمن التقحم والمجاعة

لم يحذروا من ربهم -  سوء العواقب واتباعه([41])

     ازداد ضلالهم حتى أنهم تعجبوا من دعوة الرسول r بعد ذلك لهم لتوحيد الله، قال تعال: }أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5)ص { ،  ولم ينكروا ذلك ويتعجبوا إلا لغلبة الشرك عليهم، مع أن الأصل هي الوحدانية و ليست التعددية .أما الأصنام التي كانوا يعبدونها فهي متعددة منها :ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسرا، والعزى ، ومناة، وإساف، ونائلة، واللات، وذو الخصلة ... إلخ ([42]).

      هذا ولم تقتصر عبادتهم على الأصنام بل عبدوا أيضا الجن والملائكة قال تعالى:] وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41)سبأ( . كما أن الكثير منهم أيضا أنكر وجود الله وأنكر البعث والنشور.قال تعالى ذاكرا عنهم أقاويلهم هذه: ] وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24)الجاثية( ، وقوله تعالى: ] وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (38)النحل (

        مع ذلك لم ينس أغلب العرب خالقهم وخالق الوجود إذ اعترفوا بذلك فوثنيتهم فيها إيمان بالربوبية، وهذا لكون بقيت فيهم بقية من الحنيفية الإبراهيمية خلافا لما كان الحال عند الرومان والمجوس، قال تعالى: ] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61)العنكبوت( ولكنهم جعلوا الأصنام شفيعة لهم عند الله ، قال تعالى: ] مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى...(3)الزمر ( .

-ب- الحنفاء الموحدون: رغم انتشار عبادة الأصنام بين العرب إلا أن هناك من بقيت فطرتهم سليمة آلمتهم عبادة الحجر وعرفوا أن الله أكبر من أن يوضع بين أربعة جدران منهم: أوس بن حجرالذي يقول :

و باللات والعزى ومن دان  دينها  ×  و بالله إن الله منهن أكبر([43])

و بالخصوص عبد الله بن جحش الذي اعتنق النصرانية ثم أسلم وهاجر إلى الحبشة  ثم ارتد وبها مات، وورقة بن نوفل الذي تنصر أيضا، أما عثمان بن الحويرث فتنصر واستقر بالشام، أما زيد بن عمرو بن نفيل فنعم الرجل كان! فلم يتنصر ولم يتهود، بل فارق دين قومه ، فاعتزل الأوثان ولم يأكل الميتة وما دبح على النصب و مما لم يذكر اسم الله عليه، ونهى عن قتل الموءودة وكان يقول: »أعبد رب إبراهيم  إلى الكعبة و يقول أيضا: »إلهى إله إبراهيم « و كان يقول : » اللهم إني لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به و لكني لا أعلم «.كما كان يعيب على قريش ضلالها فيقول لهم »يا معشر قريش! والله ما منكم على دين إبراهيم غيرى«، وكان ينتظر نبيا من ولد إسماعيل، و كان رسول الله r قد التقى به قبل البعثة وكان يترحم عليه و يستغفر له إذ توفي قبل أن يوحى إليه([44])

-ج- اليهودية والنصرانية: انتشرت النصرانية في أطراف بلاد العرب إذ اعتنقتها بعض القبائل مثل: طئ وتغلب وتنوخ والغساسنة والمناذرة، وانتشرت في نجران إضافة إلى بعض الأفراد هنا وهناك.أما اليهودية فقد انتشرت في يثرب وما جاورها وأرض اليمن، اتخذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله غير قادرين على إخراج أنفسهم من الضلالة إلى الهدى فكيف بغيرهم؟! في حين انتشرت الديانة المجوسية  في شرق .ش.ج.ع. وأطراف العراق بحكم تبعيتها للفرس .

        وخلاصة الأمر:أن الأديان السالفة قبل الإسلام التي كانت دعوتها إلى توحيد الله قد تطرق إليه الفساد في أمر التوحيد لوجوه ثلاثة :

الأول :التشبيه والتمثيل، أي أنهم شبهوا اللهY  بغيره من خلقه. والثاني:أنهم جعلوا صفاته Y منفصلة عنه ومستقلة. والثالث: أنهم اغتروا بكثرة المظاهر في العالم خُدعوا بضروب من مصنوعات الله و آثار قدرته ، فلما منَََّ الله على الإنسانية بالإسلام أزال به هذه  الأوهام و كشف خبايا الشبهات فانجلت عن البصائر غياهب التمثيل والتشبيه. فمن أمر التمثيل: فإن أهل الملل من غير الإسلام شبهوه Y  بأجسام مختلفة ومثلوا صفاته في ضروب من الصور والأشكال ،فلما طال عليهم الأمد بقيت هذه الصور الممثل بها وزال عن قلوب الناس اسم الله الذي لم يزل ولا يزال ، فصار المشبه بها أوثان وأصناما وتماثيل وطفق الناس يعبدونها و يسجدون لها، ظنا منهم بأنها مظاهر صفات الله و مشاهد قدرته وشبيه بهذا مانجده عند العرب من ظنهم بالله أنه أب والملائكة بنات له. أخطأ المنتسبون إلى المسيح u  فجعلوا ما كان استعارة كأنه حقيقة وانقلب تشبيه الإله بالأب لحنانه على نبيه عيسى u ورأفته به فاعبروه حقيقة والإله الذي لم يلد ولم يولد اعتبروه والد وعيسى ولدا -تعالى الله عما يقول الظالمون-  فلما بزغت شمس الإسلام انكشفت ظلمات التشبيه والتمثيل كلها منذ نادى رسول اللهr  بقوله تعالى: ] لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)الشورى  (وقوله: ] قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)الإخلاص (.

           والأمر الثاني :الذي أفضى إلى فساد العقائد في معنى التوحيد :مسألة الصفات الإلهية ومنشأ ذلك أن أتباع الأديان الأخرى قد فصلوا صفات الله عن ذاته وجعلوها مستقلة، وبذلك تعددت الآلهة وجسدوها في تماثيل وأوثان بعد أن كان الله إلها واحد أصبح آلهة متعددة . وفي النصرانية صفات إلهية ثلاث: الحياة والعلم والإرادة، تمثلوها ذواتا سموها:الأقانيم الثلاثة ، فالأب رمز الحياة، وروح القدس رمز العلم، والابن رمز الإرادة، فبعث الله الرسولr  لتصحيح آراء الأمم في صفات اللهY مظهرا خطأ تلك المذاهب و فسادها، وبين أن الله واحد Y وأن صفاته الكثيرة ليست منفصلة عنه ، فالله واحد وإن كثرت أسماؤه وتعددت صفاته وهذه الكثرة ليست في ذاته، بل في صفاته وإنما علمنا ذاته الواحدة الموصوفة بالصفات الكثيرة بسبب رسالة المصطفى r   

والمنشأ الثالث للشرك: كثرة أفعال الله وتنوع شؤونه ، وحين رأوا أن الله تصدر عنه ضروب من الأعمال حسبوا أنها تصدر من مصادر متعددة وأن لها فاعلين كثيرين فحملهم فساد رأيهم على أن جعلوا لكل عمل عاملا مستقلا، فاعتقدوا أن الذي يحيي غير الذي يميت، كالهنادكة اتخذوا برهما خالقا، وَوَشْنو قيوم ، وشَيو مميت، و مثل ذلك قل عن المجوس الذي جعلوا إلهين اثنين واحد للشر و آخر للخير([45]) .

ونختم كلامنا بما قال الكلاعي الذي لخص فيه ما سبق فقال: كانت لقريش أحلام عظام كانوا منها في جاهليتهم على مثل السلطان الضابط عنايةٌ من الله بهم وَمَنًّا منه سبحانه عليهم هم سكان الحرم وأهل الله وحجاب بيته وأهل السقاية والرفادة والرياسة واللواء والندوة ومكارم مكة وكانوا على إرث من دين أبويهم إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما من قرى الضيف ورفد الحاج وتعظيم الحرم ومنعه من البغي فيه والإلحاد وقمع الظالم ومنع المظلوم إلا أنه دخلت على أوليتهم أحداث غيرت أصول الحنيفية عندهم وطال الزمان حتى أفضى ذلك بهم إلى جهالات بشرائع الدين وضلالات عن سنن لتوحيد فتدارك الله ذلك كله بنبيه فهدى من الضلالة وعلم من الجهالة. ([46])

4-البشارات . أنبياء الله . حكمة اختيارالعرب لحمل الرسالة . حادثة الفيل

المحاضرة رقم:3

  1ـالبشارات :أمر الله U خليله إبراهيم أن يبني بيتا لعبادته فامتثل للأمر طائعا فرفع قواعده بمساعدة ابنه إسماعيل –عليهما السلام-كانا يبنيان ويدعوان الله ] وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)البقرة {،  لاهَمَّ للنبيين إلا في امتداد دعوة الإسلام على مر الزمن، وزيادة عدد العابدين في أرض الله ولم ينسيا أن يدعوا الله بإرسال رسول في ذريتهما التي ستتكاثر ليعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم .

خبأ الله هذه الدعوة في أحشاء الزمن حتى تحققت وفق ماقدر الله وقدره في الزمان والمكان، وتداول الأنبياء التبشير بظهور رسول الله r  فهو أمانة يذل عليها السابق اللاحق حتى لا ينتحل صفته ودعوته الأفاكون  ودجاجلة العقائد قال تعالى: ] وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)الأعراف {، قال الله تعالى : ]الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146)البقرة {  وقال تعالى: على لسان المسيح u: ] وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6)الصف{

ترددت البشارات برسول الله r وذكر صفاته في العرب وخاصة قُبيل ميلاده ومبعثه وكذا عند أهل الكتاب حتى أن منهم من هاجر إلى المدينة ومكة منتظرا مبعثه ([47]) ، ونحن بحمد الله وتوفيقه نعرض لبعض البشارات مما ورد ذكرها عند أهل الكتاب لا نتعداهم إلى غيرهم من الأمم ، فمن البشارات :

1-جاء في التوراة :« تجلى الله من طور سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من جبل فاران»، فتجلي Y من الطور إنزاله التوراة