السنة الثانية كتاب وسنة

الدكتورة

 

 

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.

 المقدمة:

     لم يكن الصحابة والتابعون ومن تبعهم في حاجة لما يسمى عندنا اليوم بعلم التخريج؛ وذلك لأن حفظهم للأحاديث بأسانيدها ومتونها، واطلاعهم على مصادر السنة، وقرب عهدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلتهم الوثيقة بمصادر الحديث الأصلية؛ فكانوا عندما يريدون الاستشهاد بحديث ما، تسعفهم ذاكرتهم بمتنه وطرقه. وبمرور الزمن، طالت الأسانيد من جهة، وانشغل المسلمون أو أكثرهم عن حفظ السنة النبوية الشريفة كما كان يحفظها أسلافهم، وأصبح الباحث في غفلة عن كتب كثيرة ألفت في جمع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجهل مناهجها، إلى أن جاء عصرنا وقد ابتعدنا أكثر عن سنة نبينا حفظا وعملا وعلما؛ فأصبح بعض الباحثين يستشهدون بنصوص ينسبونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي ليست من حديثه، ظنا منهم أنها من أحاديثه، وبعضهم يستشهد بروايات مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يبين مواضعها في كتب الرواية، ولا يعرف درجتها من الصحة أو الحسن أو الضعف، أو الوضع، ولا ما جاء من نصوص للعلماء حولها، وأحسنهم قليلا من كان يعزو الأحاديث التي يستشهد بها إلى غير مصادرها الأصلية، ولما نشطت حركة تحقيق المخطوطات، ظهر من لا يدقق في النصوص الواردة فيها، أو يعزوها إلى غير مصادرها الأصلية، وذلك لجهلهم بمناهج كتب السنة، وطرق تأليفها، وبعدهم عن حفظها، ومدارستها.

من أجل ذلك، ظهر من العلماء من شمر عن سواعد الجد، وصنفوا كتبا فهرسوا فيها الأحاديث النبوية الشريفة على طريقة المعاجم، أو على الكتب والأبواب، أو على المسانيد والأطراف، فكانت هذه المصنفات الأدلة المساعدة على معر فة الأحاديث في مصادرها الأصلية.

  وتأتي هذه المذكرة إسهاما مني في تعريف طلبتنا بمبادئ هذا العلم؛ من حيث التعريف به، وبيان أهميته، وفوائده، وطرقه، مع تسجيل بعض الفوائد والملاحظات التي أراها مهمة من حين لآخر. أرجو الله تعالى أن ينفع بها طلبتنا في هذه الجامعة وفي غيرها، وأوفق بالقدر الكافي في تبليغهم هذا العلم، مع التأكيد على أن مسائل كثيرة، وفوائد جليلة، وأمثلة أصيلة ستذكرها الأستاذة في المحاضرات، وهي ليست موجودة في هذه المطبوعة، من أجل ذلك أنبه الطلبة على ضرورة الحضور لسماع هذه الدروس في أوقاتها المبرمجة، والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

سيتم التركيز في هذا الفصل على المسائل الآتية:

1 ـ المعاني اللغوية للتخريج.

2 ـ التخريج في اصطلاحات المحدثين.

3 ـ تعريف التخريج عند المعاصرين.

4 ـ مناقشة هذه التعريفات.

5 ـ أهداف التخريج.

6 ـ علاقة التخريج بالاستخراج.

7 ـ حقيقة الاستخراج.

8 ـ فوائد المستخرجات.

9 ـالمؤلفات فيها.

10 ـ فوائد التخريج.

11 ـ مثال عملي يبين ذلك.

12 ـ فن الفهرسة عند المسلمين.

13 ـ طرق التخريج، وفيه ذكر:

ـ تعريفها.

ـ أنواعها.

ـ المؤلفات الخاصة بكل طريقة.

14 ـ مراحل التخريج الفني.

 المعاني اللغوية للتخريج.

التخريج والإخراج، مشتق من "خ. ر. ج"، وهي عبارة تحمل معاني مختلفة في اللغة من ذلك:

- اجتماع أمرين متضادين في شيء واحد، يقال مثلا: عام فيه تخريج = أي فيه خصب وجدب. "وأرض مخرّجة" = أي نبتها في مكان دون آخر.

- "خرّج المسألة" = يعني وجّهها، وبيّن لها وجها.

- "الاستخراج والاختراج" = أي الاستنباط.

- "المخرج" = موضع الخروج، فيقال: خرج مخرجا حسنا، وهذا مخرجه.

- الخروج: نقيض الدخول.

* والتخريج والإخراج = بمعنى الإبراز والإظهار([1]).

- ومنه قوله تعالى: "كزرع أخرج شطأه" [الفتح: 29] = أي كمثل زرع أبرز وأظهر فراخه([2]).

- ومنه قول المحدثين: "هذا حديث عرف مخرجه = أي موضع خروجه: وهم رواة الإسناد الذين خرج الحديث عن طريقهم([3]).

- ومنه قول المحدثين عن حديث ما: أخرجه البخاري: بمعنى أبرزه للناس

وأظهره لهم ببيان مخرجه، وهم رجال الإسناد الذين خرج الحديث عن طريقهم([4]).

 وبهذا تكون أقرب عبارة من هذه المعاني لاستعمالات المحدثين هي: الإظهار والإبراز بشكل عام([5]).

II- التخريج في اصطلاح المحدثين: أطلق المحدثون هذه العبارة، وقصدوا منها معاني متنوعة منها:

1-إبراز الحديث وإظهاره للناس: ومنه قول ابن الصلاح: "وللعلماء بالحديث في تصنيفه طريقتان:

- إحداهما: التصنيف على الأبواب، وهو تخريجه على أحكام الفقه وغيرها"([6])، فالمراد بقوله: "تخريجه" = أي روايته للناس في كتابه.

2- رواية الحديث: فيقال: "أخرجه الإمام أحمد أو البخاري...الخ"، يعني رواه وأظهر مصدره فيه([7]).

         وقد يقع في غلاف بعض الكتب القديمة قوله: "تخريج الحافظ فلانا = بمعنى روايته. وقد ورد التخريج بهذا المعنى في كلام بعض المتأخرين؛ كالحافظ ابن رجب الحنبلي في كتابه "جامع العلوم والحكم"؛ فكثيرا ما يقول: خرّجه البخاري ومسلم = أي روياه.

3- ويطلق عندهم على معنى الدلالة على مصادر الحديث وعزوها: ومنه قول المناوي في شرح كلام السيوطي في مقدمة الجامع الصغير: "وبالغت في تحرير التخريج"؛ بمعنى اجتهدت في تهذيب عزو الأحاديث إلى مخرجيها من أئمة الحديث من الجوامع والسنن والمسانيد، فلا أعزو إلى شيء منها إلاّ بعد التفتيش في حاله وحال مخرجه، ولا أكتفي بعزوه إلى من ليس من أهله، وإن جلّ، كعظماء المفسرين"([8]).

- وكذلك قول مسلم في مقدمة صحيحه: "ثم إنّا إن شاء الله مبتدئون في تخريج ما سألت"([9])، أي في إيراد الأحاديث وتهذيبها والاجتهاد في تنقية أسانيدها، وبيان مخرجيها من الرواة والنقلة([10]).

4 - تأليف الكتاب وإخراجه: كقولهم: "خرج فلان لنفسه معجما: أي ألّف كتابا في أسماء شيوخه، وكذا معنى قولهم: "خرج فلان لفلان مشيخته"([11]).

5- انتقاء الغرائب أوالصحاح أو كليهما من كتاب معين، مع بيان من رواه من المتقدمين، كأصحاب الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها: ويتضح ذلك من عنوان الكتاب:

·        كتاب "الفوائد المنتخبة الصحاح والغرائب" لأبي القاسم المهرواني، تخريج الخطيب البغدادي.

·       وكتاب: "الفوائد المنتخبة الصحاح والغرائب، انتقاء الخطيب البغدادي من حديث الشريف أبي القاسم علي بن إبراهيم الحسني".

·       وكتاب: "الفوائد المنتخبة الصحاح العوالي لجعفر بن أحمد بن الحسين السراج القاري، تخريج الخطيب البغدادي".

تتمة وتنبيه:

الانتقاء والانتخاب: عبارة عن منهج علمي دقيق، سلكه أئمة النقد منذ عصور متقدمة؛ وهو عمل لا يسع القيام به إلاّ نقاد الحديث، المتمكنين من علم الحديث فهما وحفظا وتطبيقا.

- وفيه ما يتصل بالرواية: أي انتقاء المرويات من بطون الصحاح، أو السنن، أو الموضوعات، وغيرها.

- وفيه ما يتصل بالكتب: أي انتقاء الكتب المصنفة في الأحاديث وتمييز مروياتها، والنظر فيها...الخ.

قال سليمان بن موسى: "يجلس إلى العالم ثلاثة:

ا- رجل يكتب كل ما يسمع.

ب- ورجل لا يكتب ولا يسمع؛ فذاك يقال له جليس العالم.

ج- ورجل ينتقي، وهو خيرهم([12]).

وفي هذا الصدد يقول الخطيب البغدادي رحمه الله: "إذا كان المحدث مكثرا وفي الرواية متعسرا، فينبغي للطالب أن ينتقي حديثه، وينتخبه؛ فيكتب عنه ما لا يجده عند غيره، ويتجنب المعاد من رواياته؛ وهذا حكم الواردين من الغرباء الذين لا يمكنهم طول الإقامة. وأما من لم يتميز للطالب معاد حديثه من غيره، وما يشارك في روايته مما ينفرد به، فالأولى أن يكتب حديثه على الاستيعاب دون الانتقاء والانتخاب".

 وإذا كان الانتقاء والانتخاب في عمل الخطيب البغدادي وغيره من الأئمة الذين نحوا نحوه، قد ظهرت فيه بوادر التخريج، من حيث عزو الحديث إلى مصنفات الحفاظ من المتقدمين مع بيان "البدل" و "الموافقة"([13]) ونحوهما من المصطلحات، فإن الانتقاء عند المتقدمين عنه من نقاد الحديث، أخذ شكلا أوسع من هذا من حيث اهتمامهم بانتقاء الغرائب والصحاح، وبحثها، والتمييز بينها، والكلام في رواة أسانيدها...الخ([14]).

6- فرق الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد الصديق الحسني (ت 1380 هـ)، بين عبارتي "التخريج" و "الإخراج"، فقال:

"أما التخريج: فهو عزو الأحاديث التي تذكر في المصنفات مطلقة غير مسندة ولا معزوة إلى كتاب أو كتب مسندة؛ إماّ مع الكلام عليها تصحيحا وتضعيفا وردا وقبولا، وبيان ما فيها من العلل، وإماّ بالاقتصار على العزو إلى الأصول. ويقال فيه: خرّج أحاديث كتاب كذا، ولا يقال فيه: "أخرج"([15]). 

- وأما الإخراج: فهو رواية الحديث بالإسناد من مخرجه وراويه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان مرفوعا، أو إلى الصحابي إن كان موقوفا، أو إلى التابعي إن كان مقطوعا؛ لأنه قبل إسناده كان مستور الحال، مجهول الرتبة، كأنه معدوم؛ فإسناده المتصل إلى قائله أبرزه للوجود، وأخرجه للانتفاع به ومعرفة رتبته، ويقال فيه: أخرج من الإخراج، لا خرّج المضعف من التخريج([16]).

7- الاستخراج: قد يرد التخريج بمعنى "الاستخراج".

والاستخراج: هو أن يقصد الحافظ إلى مصنف مسند لغيره، فيخرج أحاديثه بأسانيد نفسه من غير طريق صاحب الكتاب، فيجتمع معه في شيخه، أو شيخ شيخه، وهكذا إلى صحابي الحديث، بشرط: ألاّ يورد الحديث المذكور من حديث صحابي آخر، بل لابد أن يكون من حديث ذلك الصحابي نفسه، بشرط أن لا يصل إلى شيخ أبعد حتى يفقد طريقا يوصله إلى الشيخ الأقرب من صاحب الأصل، إلاّ لعذر من علو أو زيادة مهمة([17]).

 

ملاحظة:

         تبيّن لي – والله أعلم- من خلال ما درسناه عند شيخنا د. حمزة المليباري، حفظه الله، وقراءتي كتابه، ومن خلال قراءتي بعض كتب السنة، ومناهج الأئمة، أن الاستخراج يحمل معنيين متكاملين:

أولا: الاستخراج كمنهج:

إذ يعد الاستخراج منهجا علميا، قامت عليه نهضة الحديث في عصر الرواية؛ حيث صنف كثير من الحفاظ مصنفات عما رواه سابقيهم بطرق أخرى يلتقون معهم فيها في مصدر ذلك الحديث، أو في أقرب شيوخه، طلبا لعلو الإسناد، واستقلالا بمصدريته في الرواية([18]).

وعادة ما يكون السابق المستخرَج عليه –بفتح الراء- من أقران المستخرِج –بكسر الراء- في القرنين الثاني والثالث، وحتى الرابع، أما بعد ذلك فقد يكون المستخرج عليه من أقرانه أو متقدما عليه، وفي هذه الفترة أصبح الاستخراج ممزوجا بأساليب التخريج الأولية؛ حيث يبيّن فيه المستخرج من رواه من المتقدمين، مع الإشارة إلى حالة الالتقاء بينهما في السند([19]) ومثال ذلك ما جاء في "السنن الكبرى" للبيهقي، و "شرح السنة" للبغوي، وغيرهما من كتب الرواية التي ظهرت في هذه الفترة([20]).

مثال من السنن الكبرى للبيهقي، قال الإمام البيهقي رحمه الله:

"أخبرنا أبو صالح، نبأ جدي يحيى بن منصور، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا محمد بن بشار، ثنا يحيى وابن أبي عدي عن سعيد بن أبي عروبة (ح) وأخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي المقري. أنبأ الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا يوسف بن يعقوب القاضي، ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن أبي عدي جميعا عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلاّ في الاستسقاء، فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه" [رواه البخاري في الصحيح عن محمد بن بشار، ورواه مسلم عن محمد بن المثنى عنهما([21]).

ثانيا: الاستخراج كمصنفات:

وهو ذاك الذي جاء معرفا في اصطلاح أهل الحديث: بأن يعمد أحد الحفاظ إلى كتاب رواية متقدم، فيؤلف له مستخرجا بطرقه المستقلة، طلبا للعلو، فيلتقي مع صاحب الكتاب بأحد شيوخه...الخ([22]).

فوائد المستخرجات ومقصودهم منها: للمستخرجات فوائد كثيرة أذكر منها:

1-    البراعة.

2-    اختبار الحفظ.

3-    سعة الرواية.

4-    كثرة الشيوخ والطرق والأسانيد.

5-    مساواة المستخرج عليه فيما عنده من الحديث والأسانيد مع إظهار حالة الالتقاء معه: موافقات، وأبدال، ومساواة ومصافحة([23]).

6-    علو الإسناد: فإن المستخرج يتوخى دائما الطريق العالية التي تجمعه مع شيخ المستخرج عليه أو من فوقه، ويساعده على ذلك:

- أن الأصل مقيد بالرواية عن الثقات.

- لأن أول ما وضع الاستخراج على الصحيحين أو أحدهما، أو أكثر المستخرجات هي عليهما، بل ومقيد أيضا بشرط السماع في الأكثر، والمستخرج لا يتقيد بذلك، فيروي ولو بالإجازة، ومن طريق بعض الضعفاء، ليتصل عاليا بشيوخ المستخرج عليه([24]).

7- زيادة ألفاظ في الحديث لم تقع في رواية الأصل: وتلك الزوائد يتبيّن بها تارة المعنى المغلق من الحديث، وينحل بها الإشكال الوارد عليه، وتارة حكما زائدا لا يستفاد من حديث الأصل، وتارة تكون بيانا لسبب ورود الحديث وتارة تفيد تاريخا بوقت تحديث النبي صلى الله عليه وسلم به؛ فيستفاد منها كون الحديث ناسخا لغيره أو منسوخا به... الخ([25]).

8- بيان المبهم في السند: كأن يقع في الأصل: "عن رجل من الصحابة، فيأتي المستخرج فيعيّن اسم هذا الصحابي.

9- بيان المبهم في المتن: كأن يقع في المتن: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو : "قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل كذا"، فيأتي المستخرج فيبين اسمه.

10- بيان المهمل: كقول المستخرج عليه: "حدثنا محمد أو عمر أو عبد الله... الخ. فيأتي المستخرج فيبيّن أن محمدا هو ابن يحيى النهلي، أو ابن سلام البيكندي، وكذلك إذا قال حدثنا سفيان، فيبيّن المستخرج أنه الثوري أو ابن عيينة... الخ.

11- أن تكون الرواية في الأصل من رواية مدلس بالعنعنة، فيقع في رواية المستخرج تصريحه بالسماع والتحديث، فيرتفع ما كان يخشى من تدليسه.

12- أن يروي في الأصل عن من اختلط، ولم يتبيّن هل سمعه منه تلميذه قبل الاختلاط أو بعده؟ فيقع في المستخرج ما يبيّن ذلك.

13- كثرة الطرق التي تتقوى بها الرواية عند التعارض أو يتقوى بها الحديث من أصله ويرفع عن روايته اسم التفرد؛ كأن يقع الحديث في الصحيحين من طرق متعددة كلها ترجع إلى مالك أو سفيان بن عيينة مثلا عن الزهري، فيظن أن مالكا أو سفيان قد تفرد بهذا الحديث عن الزهري ولم يتابعه عليه غيره، فيرويه المستخرج من طريق غيره عن الزهري، فيرتفع عنه  اسم التفرد([26]).

14- فصل الكلام المدرج في الحديث مما ليس من الحديث.

15- بيان ما يقع في الكتاب المستخرج عليه من الأحاديث المصرح برفعها وتكون في الأصل موقوفة أو كصورة الموقوف.

16- تميز المتن المحال به على المتن المحال عليه، وذلك في كتاب الإمام مسلم كثير جدا([27]).

عناوين بعض المستخرجات:

1- مستخرج أبي بكر الإسماعيلي (ت 371 هـ) على صحيح البخاري.

2- مستخرج الحافظ محمد بن أحمد الغطريفي (ت 377 هـ) على صحيح البخاري.

3- مستخرج محمد بن العباس المعروف بابن أبي ذهل (ت 378 هـ) على صحيح البخاري.

4- مستخرج الحافظ أبي عوانة يعقوب بن الحافظ الاسفرائيتي (ت 316 هـ) على صحيح مسلم.

5- مستخرج أبي الفضل أحمد بن سلمة النيسابوري (ت 286 هـ) رفيق مسلم إلى بلخ والبصرة، على صحيح مسلم.

6- مستخرج أبي نعيم الأصبهاني (ت 430 هـ) على شرح كل من الصحيحين على حدة في كتاب مستقل.

7- مستخرج ابن الأخرم (ت 344 هـ) على الصحيحين.

8- مستخرج أبو ذر الهروي (ت 434 هـ) على الصحيحين.

9- مستخرج أحمد بن عبدان (ت 388 هـ) في كتاب واضح([28]).

10- مستخرج قاسم بن أصبغ (ت 340 هـ) على سنن أبي داود.

11- مستخرج أبي بكر بن منجويه (ت 428 هـ) على جامع الترمذي([29]).

تعريف التخريج عند بعض المعاصرين

         من خلال بعض معاني التخريج السابقة، حاول بعض المعاصرين تعريف التخريج بالقول: "هو الدلالة على موضع الحديث في مصادره الأصلية من كتب السنة، وإبرازه للناس، مع بيان درجته عند الحاجة"([30]).

تحليل التعريف:

أ-قوله: "هو الدلالة على موضع الحديث... وإبرازه للناس" : لا يختلف اثنان في أن عزو الحديث إلى مصادره الأصلية من كتب الرواية، هو المرحلة الأولى الأساس من مراحل التخريج، إذ لا يمكن القول، إننا خرّجنا حديثا دون ذكر المصادر الأصلية التي روته، وذكر المواضع التي روي فيها، مع ذكر رقم الجزء والصفحة... الخ، وهذا ما يطلق عليه بعض الأساتذة والباحثين اليوم اسم: "التخريج الفني"، إذ وإن كان من المراحل الأساسية في التخريج. فإنه لا يعدو أن يكون عملية تقنية في عزو المرويات إلى مصادرها الأصلية من كتب الرواية.

         ب- قوله: "مع بيان درجته عند الحاجة": عبارة عامة وواسعة، قد يتسع فهم معناها، وقد يضيق؛ - فبيان درجة الحديث، أي صحته أو حسنه أو ضعفه أو دون ذلك.

- "وعند الحاجة": قد يفهم منه أنه إذا لم يحتج إلى بيان الدرجة، لا يفعل ذلك، ثم متى تقتضي الحاجة بيان الدرجة؟ ومتى لا تقتضي ذلك؟ ثم ما هي كيفية بيان درجة الحديث؟... الخ.

ولهذا أنا مع رأي الفاضلين: الدكتور حمزة المليباري والدكتور سلطان العكايلة، في قولهما: إن هذا التعريف اقتصر على الجانب الفني للتخريج، وذلك يؤدي إلى تهميش الدور الرئيس والفعال للتخريج، و تجريده من قيمته الفعلية عمليا ونظريا([31]).

- وكانت نتيجة ذلك، أن أقحم بعض الناس –من غير ذوي الاختصاص- أنفسهم في تحقيق التراث، وفي التخريج مركزين على الجوانب الفنية، مبتعدين عن الجوانب العلمية له. كما أدى ببعض طلبة التخصص إلى التركيز على هذا المفهوم فحسب([32]).

- وإذ أؤكد على أن التخريج بهذا المعنى الفني، هو من الوسائل المساعدة على معرفة الجوانب العلمية له، والتي لا تنكشف إلاّ بعد دراسة الأسانيد، وجمع نصوص الأئمة... الخ، فإني أرى أن أنسب تعريف للتخريج، هو ما جاء في كتاب "كيف ندرس علم التخريج" قال: "هو كشف مظان الحديث من المصادر الأصلية التي تعتمد في نقله على الرواية المباشرة، لمعرفة حالة رؤيته من حيث التفرد، والموافقة، أو المخالفة"([33]).

تحليل التعريف وبيان الهدف من التخريج.

أ- هذا التعريف يشتمل على بيان الجوانب الفنية والعلمية من التخريج.

ب- استنادا إلى ما جاء في هذا التعريف، يتبيّن أن الهدف من التخريج لا يتوقف عند المسائل الفنية منه، بل يتعداه إلى معرفة حال الرواية من حيث التفرد، أو المخالفة، أو الموافقة.

ج- إن معرفة هذه الأمور يتوقف على جمع طرق الحديث من مصادرها الأصلية دون غيرها، ثم إجراء عملية المقارنة بينها، وتحديد مداراتها ومخارجها.

د- وعليه، فعندما نقوم بهذه العملية (أي المقارنة)، فإنه يتوجب علينا تحديد الراوي الذي تدور عليه جميع الطرق في الروايات التي جمعناها، وتحديد من اشترك من الرواة في نقل الحديث عن ذلك الراوي المدار، ومن تفرد منهم، ومن خالف([34]).

هـ- ومعرفة هذه الأمور هي الهدف الأساس من التخريج، ومن ثم تبرز أهمية التخريج في التصحيح والتحسين والتضعيف؛ حيث إنه لا يمكن تصحيح الحديث أو تضعيفه أو تحسينه إلاّ بعد التأكد من إحدى هذه الحالات الثلاث: التفرد، المخالفة والمشاركة.

و- إذ  تعد هذه الحالات مع انضمام القرائن المحتفة بها، معايير دقيقة لمعرفة من أصاب من الرواة ومن أخطأ؛ إذ أن خطأ الراوي يظهر جليا في صور المخالفة أو التفرد بما لا أصل له، كما يظهر صوابه بموافقته الآخرين، أو بانفراده بما له أصل ثابت([35]).

وبهذه المعاني المتنوعة للتخريج عند أهل الفن، فإن نصيحتي للطلبة هي: ضرورة الانتباه إلى استعمالها بهذه المعاني المختلفة في النصوص التي يقرءونها، حتى لا يخلطوا بين معانيها من نص لآخر، مع التأكيد على ضرورة معرفة الهدف الأساس من التخريج في نواحيه العلمية، دون إهمال الجوانب الفنية له.

الفوائد التي يجنيها الباحث عند التخريج.

         أثناء قيام الباحث بعملية تخريج الحديث من المصادر الأصلية، وجمع طرق الحديث منها، سيقف على فوائد عديدة، نذكر منها:

         1- الوقوف على أسانيد الحديث في مختلف كتب السنة، أي التحقق من المصادر الأصلية التي روت هذا الحديث.

         2- معرفة الرواة بأسمائهم، وكناهم، وألقابهم، وأنسابهم... الخ.

         3- معرفة المهمل من الرواة؛ فقد يأتي في أحد الأسانيد اسم بعض الرواة مهملا كمحمد أو علي، وبتخريج الحديث وجمع طرقه، قد يتبين التعريف بهذا الاسم المهمل، ببيان نسبه أو كنيته... الخ.

         4-التعرف على المبهم من الرواة، فقد يذكر في أحد الأسانيد الراوي مبهما مثل "عن رجل" أو "عن فلان"، وبالتخريج وجمع الطرق، قد نجده معينا في إحداها.

         5- معرفة الاتصال والانقطاع.

         6- معرفة صيغ الأداء؛ وذلك بأن يروي أحد الرواة في بعض الطرق عن شيخه بالعنعنة –الأمر الذي يجعل الإسناد منقطعا، والراوي متهما بالتدليس- وبالتخريج يمكن الوقوف على طريق أو طرق، يروي فيها هذا المدلس عن شيخه بصيغة تفيد الاتصال ك "سمعت" و "حدثنا" و "أخبرنا"، فتزول سمة الانقطاع والتدليس في هذه الرواية.

         7- معرفة شيوخ الراوي.

         8- معرفة تلاميذ الراوي.

         9- معرفة الأسانيد من حيث العلو والنزول.

         10- معرفة الزيادة والنقص في الأسانيد والمتون.

         11- معرفة أحوال من اختلط من الرواة، وكيفية الرواية عنهم:

         فإذا كان في إسناد الحديث الذي نريد تخريجه راو اختلط، فبالتخريج يتضح لنا حال الرواية عنه، إذا كانت قبل اختلاطه أو بعده، أو إذا كان الراوي عنه من الذين لم يرووا عنه إلاّ قبل الاختلاط.

         12- معرفة أقوال الأئمة في الحديث وأحكامهم عليه، والذي لا يتأتى بسهولة إلاّ بالتخريج.

13- معرفة حال الرواية، بناء على جمع طرقها، فقد تأتي بطريق ضعيف، وبالتخريج نجد لها طرقا أخرى صحيحة، أو قد يكون الانقطاع في إحدى الطرق، وبالتخريج نجده متصلا في طرق أخرى، أو قد ترتقي هذه الرواية من الضعف إلى الحسن بوجود متابعات وشواهد تقويها.

14- بيان معاني الغريب؛ فقد يذكر لفظا في إسناد الحديث غريبا، وبالتخريج نجده مذكورا بطرق أخرى بألفاظ أخرى تبيّن معناه.

15- معرفة المدرج: إذا كان الراوي قد أدرج كلاما في المتن، أو أضاف بعض الرواة إلى السند وهي خطأ، فبالتخريج وجمع الطرق والمقارنة بينها، يمكن كشف ذلك.

         16- كشف أوهام الرواة وأخطائهم في الأسانيد أو في المتون.

         17- معرفة بعض الأحداث التاريخية والأزمنة والأماكن والقصص.

         18- كشف أخطاء النساخ.

وأوصي الطالب أو الباحث في هذا المقام، بأنه يجب عليه أن لا يهمل هذه الفوائد وغيرها، أثناء مرحلة التخريج. وعليه أن يسجلها في أوراق جانبية، ليوظفها في مراحل التخريج المتتالية، سيّما عند المقارنة بين المرويات، وأثناء ترجمة الرواة، فإن الكثير من العقبات العلمية التي تواجه الطالب عند الترجمة تزول بذلك([36]).

والذي ينبغي على الطالب أو الباحث التنبه إليه هنا، هو ضرورة التمييز بين الهدف الرئيس من التخريج، وبين هذه الفوائد الجانبية التي يتحصل عليها أثناء عملية التخريج؛ لأن الخلط بينها يجعل التخريج غاية. والحقيقة على خلاف ذلك؛ فإن هذه الفوائد تعد وسيلة لتحقيق الهدف الأسمى من التخريج –كما رأينا سابقا-.

وللوقوف عمليا على بعض هذه الفوائد، أسوق المثال الآتي:

* قال الإمام الترمذي: الجامع، كتاب الزهد، 4/558.

         1- "حدثنا أحمد بن نصر النيسابوري وغير واحد قالوا: أخبرنا أبو مسهر، عن إسماعيل بن عبد الله بن سماعة، عن الأوزاعي، عن قرة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".

قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ من هذا الوجه".

         2- "حدثنا قتيبة. حدثنا مالك بن أنس عن الزهري عن علي بن حسين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".

         قال أبو عيسى: "وهكذا روى غير واحد من أصحاب الزهري عن الزهري عن علي بن حسين عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو حديث مالك مرسلا، وهذا عندنا أصح من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة. وعلي بن حسين، لم يدرك علي بن أبي طالب".

* وروى الإمام مالك هذا الحديث.

عن ابن شهاب عن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"([37]).

* ورواه الإمام أحمد بن حنبل، قال:

حدثنا ابن نمير ويعلى، قالا: حدثنا حجاج –يعني ابن دينار الواسطي- عن شعيب بن خالد عن حسين بن علي قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن حسن إسلام المرء قلة الكلام فيما ما لا يعنيه"([38]).

وقال:

حدثنا موسى بن داود، حدثنا عبد الله بن عمر عن ابن شهاب عن علي بن حسين عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"([39]).

* وقال ابن ماجه:

حدثنا هشام بن عمار. حدثنا محمد بن شابور. حدثنا الأوزاعي. عن قرة بن حيوئيل عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"([40]).

من هذا المثال تتضح لنا عدة فوائد، هي:

1- بالتخريج عرفت من أخرجه من الأئمة، وهم: مالك وأحمد، والترمذي، وابن ماجه.

2- بالتخريج عرفت أن الحديث يروى متصلا ومرسلا.

3- بالتخريج عرفت أن مدار الحديث هو الإمام الزهري، واختلف عليه، فبعضهم يرويه عنه مرسلا، وبعضهم يرويه عنه متصلا.

4- جاء في بعض طرق الحديث: علي بن حسين، وفي أخرى علي بن حسين بن علي بن أبي طالب.

5- بالتخريج عرقت بعض شيوخ الأئمة، أحمد والترمذي وابن ماجه.

6- بالتخريج عرفت أن هناك زيادات في ألفاظ الحديث في بعض الطرق، كما هو الحال عند الإمام أحمد (قلة الكلام فيما لا يعنيه).

         7- بالتخريج عرفت أن قرة في رواية الإمام الترمذي، هو قرة بن حيوئيل، كما بينته طريق الإمام ابن ماجه.

         8- بعد أن روى الإمام الترمذي الحديث، أشار إلى بعض المسائل الهامة، التي تجعل الباحث يتوقف عندها في مراحل الدراسة المقبلة، كقوله عقب الرواية الأولى: "هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث أبى سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلاّ من هذا الوجه".

         وقال عقب الرواية الثانية: "وهكذا روى غير واحد من أصحاب الزهري عن الزهري، عن علي بن حسين عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحو حديث مالك مرسلا. وهذا عندنا أصح من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة، وعلي بن حسين لم يدرك علي بن أبي طالب".

         ولو قارنا كلام الإمام الترمذي مع ما ذكره أبن أبي حاتم في كتابه "العلل"، وما ذكره الإمام الدارقطني في كتابه "العلل" سوف تتبيّن لنا فوائد أخرى، كما سنوضح ذلك في المراحل القادمة.

مسائل ضرورية في التخريج

التخريج الفني للحديث معناه: عزوه إلى مصادره الأصلية (التي ترويه بالرواية المباشرة)، مع بيان درجته عند الحاجة.

- فتقول مثلا: أخرجه البخاري، في كتاب الطهارة، باب الوضوء، الجزء الأول ورقم الصفحة، ورقم الحديث إن وجد، ثم تذكر معلومات الطبع (عند أول ذكر للكتاب).

- وإذا كنت تعد بحثا، فإن معلومات الطبع يعاد ذكرها في آخر البحث، مع بيان الطبعات إذا كان للكتاب أكثر من طبعة، اعتمدتها في بحثك، أو تعطي لكل طبعة رمزا، وتبيّن ذلك في المقدمة.

 - وإذا كنت تعد بحثا في التحقيق، فعليك أن تذكر أغلب الأمور التي تتعلق بالحديث كأن تبيّن درجته من الصحة، أو الحسن  أو الضعف، وما قيل عنه من اتصال، أو انقطاع، وما قيل في الجمع بين المرويات التي يبدو من ظاهرها التعارض... الخ.

- وإذا طلب منك تخريج حديث دون تحديد اسم الصحابي فيه، فعليك أن تخرجه عن كل الصحابة الذين يروونه، ثم تفصل رواية كل صحابي، ببيان من أخرجها من الأئمة، مع ذكر الكتاب والباب والجزء والصفحة

- أما إذا طلب منك تخريج حديث مع ذكر الصحابي، فأخرجه عن هذا الصحابي وبيّن من رواه من الأئمة. فإذا وجدته مرويا عن غيره من الصحابة، فيمكنك بيان ذلك كفوائد ملحقة وكشواهد (وهي ليست حديثك المطلوب)، وبعد ذكرك لمعلومات تخريجه عن الصحابي المعين، يمكنك أن تقول: وللحديث شاهد أو شواهد من طريق الصحابي الفلاني، ثم توثق هذه المعلومات.

ملاحظة هامة:

         إن مهمة المخرج، في مراحل التخريج الفنية الأولى، هي البحث عن أصل الحديث المطلوب، فإذا وجد تغيرا في الألفاظ أو في الأسانيد، بالزيادة أو النقص، فليخرجه، وتبقى دراسة هذه المسائل للمراحل المقبلة من التخريج والتي قلنا إنها هي الهدف الأساس منه، لنعرف التفرد أو المخالفة، أو المشاركة. ودليلنا أن العمدة في التخريج الفني هي أصل الحديث، نص الحافظ النيسابوري، رحمه الله، مبيّنا ذلك، قال: "ثم إن أصحاب المستخرجات غير متفردين بصنيعهم، بل أكثر المخرجين للمشيخات والمعاجم، وكذا للأبواب، يوردون الحديث بأسانيدهم، ثم يصرحون بعد انتهاء سياقه غالبا بعزوه إلى البخاري أو مسلم أو إليهما معا، مع اختلاف الألفاظ وغيرها يريدون أصله[...]"([41]).

         وما قاله الحافظ العراقي، رحمه الله: "وحيث عزوت الحديث لمن أخرجه من الأئمة، فلا أريد بذلك اللفظ بعينه بل قد يكون بلفظه، وقد يكون بمعناه، أو باختلاف على قاعدة المستخرجات"([42]).

 طرق التخريج:

     بعد تعرفنا على التخريج وأهميته، وأهدافه، وفوائده، نحاول الإجابة على السؤال الذي يدور في ذهن كل طالب مبتدئ، ألا وهو: كيف نخرج حديثا؟ و هل هناك وسائل تساعدنا في عملية التخريج؟ وإذا كان الجواب بالإثبات، فما هي هذه الوسائل؟

يفيدنا تاريخ تدوين هذا العلم خاصة، وتدوين السنة النبوية الشريفة عموما، أن أئمة الحديث قد عنوا بهذا الفن منذ عهد مبكر، خاصة لمّا بدأ بعض أهل الفقه والتصوف، في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الهجري الرابع ، يؤلفون كتبهم، متدلين فيها بأحاديث دون بيان من رواها من أئمة الحديث في كتب الرواية المعروفة، فجاء من أئمة الحديث من تصدى لهذه الظاهرة، وخرج الأحاديث المذكورة في هذه الكتب، بعزوها إلى مصادرها الأصلية، ولعل البوادر الأولى لهذا الفن ترجع إلى ما قبل هذه الفترة؛ إذ يعد جامع الإمام الترمذي، في عصر الرواية، أنموذجا فريدا لعزو المرويات إلى من رواها من الصحابة، بقوله عادة بعد رواية الحديث في الباب:" وفي الباب عن فلان وفلان وفلان، ويذكر جملة من الصحابة الذين رووا ذاك الحديث في الباب. وإن كان قصد الإمام الترمذي الأساس هو ذكر من روى الحديث من الصحابة في الباب، ولا شك أنه يعرف مروياتهم ويحفظها، ولكنه اكتفى بما ذكره في الباب مع الإشارة إلى البقية مما يعرفه فيه، خشية الإطالة لو ذكرها كلها، فإن عمله هذا يعد صورة من صور عزو المرويات إلى مصادرها، ثم تطور الأمر بعد ذلك لتمتزج الرواية عند بعض الأئمة بعزو المرويات إلى مصادرها من كتب الرواية المتقدمة، كما رأينا ذلك عند الإمام البيهقي وغيره، ثم ظهر من الأئمة من اعتنى بوضع فهارس خاصة بكتب السنة، أسهمت في تسهيل التعرف على مواضع الأحاديث في كتب الرواية، إلى أن ظهر من الأئمة من اعتنى ببيان مواضع الأحاديث في كتب السنة، وذكر الأئمة الذين رووها في كتبهم، ثم ظهر من وضع رموزا خاصة لكتب السنة مثل: استعمال الحف (خ) للدلالة على صحيح البخاري، وهكذا، واعتنى بعض المستشرقين، في القرن الماضي، بوضع فهارس تدل على مواضع الأحاديث في بعض كتب السنة، مما جعل كثير من العلماء والباحثين في مختلف التخصصات، يعتقد، و يجزم البعض الآخر بأن فن الفهرسة من وضع الغربيين. فهل هذا صحيح؟ الإجابة عن هذا السؤال تستلزم منا الكلام عن فن الفهرسة عند المسلمين.

كلمة عن فن الفهارس:

     فن الفهارس فن دقيق عويص، على الرغم مما نشر فيه من مؤلفات، لا يزال يحتاج إلى مزيد من الرعاية والاهتمام. ويرجع الفضل في وضع هذا الفن إلى أئمتنا المتقدمين، حينما اجتهدوا في ترتيب مفردات اللغة العربية على الحروف الهجائية، وسبقوا بذلك سائر الأمم؛ فإن كتاب "الجمهرة" لابن دريد، معجم لغوي مرتب على الحروف، وهو مطبوع في حيدرآبا بالهند، وابن دريد توفي سنة 321هـ؛ فقد ألف هذا الكتاب إذن قبل أول مجموعة كلمات إنجليزية هجائية، بنحو سبعة قرون، وقبل أول معجم لاتيني ظهر في أوربا بأكثر من ثلاثة قرون.

فالعرب هم أسبق الأمم الحديثة قاطبة إلى القواميس: تأليفا، واستعمالا للترتيب الهجائي فيها، ومع ذلك فإن أكثر المتأدبين يعتقدون أن الترتيب الهجائي، شيء ابتدعه الإفرنج واختصت به القواميس الإفرنجية، وذاك غير صحيح([43]).

ثم وضعوا كتب التراجم على صورة المعاجم؛ فرتبوا فيها الأعلام على الحروف أيضا، وألفوا في ذلك مؤلفات ضخمة واسعة لم يطبع منها إلى اليوم إلا النزر اليسير. وإنما اضطر المتقدمون رحمهم الله، إلى معاجم الأعلام، لأن المطابع لم تكن وجدت، وأرادوا التيسير على القراء والباحثين.

وقد كانت كتب التراجم في العصور الأولى مرتبة على التواريخ والطبقات مثل: تواريخ البخاري الثلاثة، والبخاري توفي سنة 256هـ، وطبقات محمد بن سعد المتوفى سنة 230هـ.

ولعل الفضل الأول في تأليف الأعلام على حروف الهجاء، يرجع إلى الحافظ الكبير عبد الله بن عدي الجرجاني، المتوفى سنة 365هـ.

ومن مارس كتب التراجم وأطال القراءة فيها، يجد أن ما رتب منها على التاريخ والطبقات أعلى فائدة وأجلّ نفعا للمستفيد من الكتب المرتبة على الحروف؛ لأن القارئ يدرس رجال العصر الواحد وأحوالهم متتابعة متتالية، وإن كانت الكتب المعاجم أسرع دلالة على التراجم المطلوبة للباحث. ولو أن المطابع كانت متوفرة عند المتقدمين، لوضعوا أكثر كتبهم على الطبقات، ثم وضعوا لها ما شاءوا من فهارس على حروف المعجم، كما درج على ذلك المتأخرون، خاصة المستعربون، بعد ظهور المطابع، فوضعوا لما طبعوه من كتبنا هذه الفهارس الهجائية، واعتقدنا نحن أنهم أول من وضع فن الفهرسة، ورحنا نقلدهم في ذلك. ولم يكتف المتقدمون بمعاجم اللغة والأعلام، فعملوا معاجم في مختلف العلوم.

أما فيما يتعلق بالحديث، فقد بذل الأئمة المتقدمون جهدا كبيرا لإرشاد الباحثين إلى الأحاديث في مظانها الأصلية من الدواوين الكبار؛ كالكتب الستة وغيرها، فألفوا نوعا من الفهارس لها سمّوه "الأطراف"؛ حيث يجمع أحدهم فيه أحاديث الصحيحين، البخاري ومسلم، أو أحاديثهما مع أحاديث باقي الكتب الستة( سنن أبي داود، جامع الترمذي، سنن النسائي، وسنن ابن ماجه) ويفرد رواية كل صحابي وحده، ويرتب أسماء الصحابة على الحروف، ثم يبين موضع كل حديث من أبواب كل كتاب. ومن أقدم هذه المؤلفات، كتاب "أطراف الصحيحين" للإمام الحافظ خَلَف بن حَمْدون الواسطي المتوفى سنة 401هـ. وكتاب "أطراف الغرائب والأطراف" للإمام الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي المتوفى سنة 507هـ، وهو يشتمل على أطراف الكتب الستة، رتب فيه كتاب الأفراد للدارقطني على حروف المعجم. وكتاب "الأطراف" للحافظ الكبير أبي القاسم علي بن عساكر الدمشقي المتوفى سنة 571هـ. ومن أحدث كتب الأطراف، كتاب "ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الأحاديث" للعلامة الشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي المتوفى سنة 1143هـ، وهو أكثر كتب الأطراف فائدة مع الاختصار التامن وقد جعله لأطراف الكتب الستة وموطأ الإمام مالك.

وصنع الحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة 911هـن نوعا آخر من الفهارس لكتب الحديث؛ فرتب الأحاديث على حروف المعجم باعتبار أوائل اللفظ النبوي الشريف، وعمل في ذلك كتابيه المشهورين (الجامع الكبير، والجامع الصغير). وفي العصر الحديث، وضع الشيخ محمد الشريف بن مصطفى التوقادي من علماء الأستانة، كتابين هما: مفتاح صحيح البخاري، ومفتاح صحيح مسلم، رتب في كل منهما الأحاديث على أوائل اللفظ النبوي الشريف، وأشار إلى موضع كل حديث في مفتاح البخاري بالأبواب والكتب، وبأرقام الأجزاء والصفحات لمتن البخاري وشروحه للعيني، وابن حجر، والقسطلاني. وفي مفتاح مسلم كذلك لمتن مسلم وشرحه للنووي. وأخيرا وضع المستشرق " إدوارد سنحو" ناظر مدرسة اللغات الشرقية ببرلين، للأقوال النبوية الشريفة الواردة في كتاب "الطبقات الكبير لابن سعد" فهرسا طبع في مدينة ليدن سنة 1329هـ.

وبهذا نعرف فن الفهرسة، ومتى ظهر عند المسلمين، كما نعرف أيضا أن هذا الفن أسهم في تسهيل الوقوف على المرويات في مصادرها الأصلية. ومن هنا جاء التفكير في التأليف في طرق التخريج؛ بتصنيفها، وبيان أهميتها، وإبراز مناهجها، وذكر أصنافها...الخ. فما هي طرق التخريج؟

تعريفها:

"هي مجموع الوسائل والآليات المساعدة على الوقوف على الأحاديث في مصادرها من كتب السنة التي روتها بالأسانيد المباشرة".

وأعني بالآليات: الوسائل التقليدية، وهي الكتب المؤلفة وفق مناهج متنوعة، تعين على معرفة مواضع الأحاديث في كتب الرواية، والوسائل الحديثة، المتمثلة في الأقراص المرنة والمضغوطة، ومواقع الإنترنيت، وغيرها من الوسائل الحديثة المساعدة على كشف مواضع الأحاديث.

أنواعها:

تنقسم طرق التخريج إلى خمس، تتوقف الإفادة منها على معرفة حال الباحث أمام النص الذي يريد الوقوف على مصادره؛ فإما أن يعرف الباحث أول لفظ من متن هذا النص، سواء أحفظه كله أم حفظ طرفه الأول فقط، أو أن يعرف راوي الحديث، إن كان صحابيا، أو من دونهن أو يعرف موضوع الحديث، أو يعرف متن الحديث أو بعضه، لكنه لا يعرف راويه، ويشكل عليه الموضوع الذي يدرجه فيه؛ وهذا إذا كان الحديث يشتمل على مباحث مختلفة وأحكام متنوعة، أو أن يكون الباحث في درجة راقية من العلم والمعرفة، والاطلاع على الأسانيد والمتون، وما يتعلق بذلك من علوم، فهذا قد يعرف مباشرة حال الحديث، ودرجته، وما فيه من علل أو شذوذ...الخ. وفيما يأتي تعريف موجز بهذه الطرق.

أولا: إذا كان الباحث يعرف موضوع الحديث. فإنه يستعين بمجموعة من المصادر المساعدة على كشف الحديث في مصادره الأصلية من كتب الرواية منها:

مفتاح كنوز السنة:

مؤلفه: الأستاذ ونسنك، وترجمه إلى العربية العلامة الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله، وأسماه "مفتاح كنوز السنة".

موضوعه: جعله مؤلفه فهرسا لثلاثة عشر كتابا من أمهات كتب الحديث وهي: مسند الإمام أحمد بن حنبل، صحيح الإمام البخاري، صحيح الإمام مسلم، سنن الإمام الدارمي، سنن الإمام أبي داود، جامع الإمام الترمذي، سنن الإمام النسائي، سنن الإمام ابن ماجه، وهذه الثمانية هي أصول السنة، ومصادرها الصحيحة الموثوق بها، ويندر أن يكون حديثا صحيحا خارجا عنها ليس موجودا في أحدها. ثم موطأ الإمام مالك، ومسند أبي الإمام أبي داود الطيالسي، وهو من علماء القرن الثاني توفي سنة 204هـ، ثم سيرة ابن هشام المتوفى سنة 218هـ، وهي اختصار وتهذيب لأول كتاب ألف في السيرة، وهو كتاب محمد بن إسحاق المتوفى سنة 151هـ. ثم كتاب المغازي للإمام محمد بن عمر الواقدي المتوفى سنة 207هـ، ثم أعظم كتاب جمع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وتراجم الصحابة والتابعين فمن بعدهم، كتاب "الطبقات الكبير" للإمام الحافظ الثقة، محمد بن سعد، وهو تلميذ الواقدي وكاتبه.

والكتاب الرابع عشر: المسند النسوب للإمام زيد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب، المتوفى سنة 122هـ، وهو عمدة في الفقه عند علماء الزيدية من الشيعة، ولو صحت نسبته إلى الإمام زيد، لكان أقدم كتاب موجود من كتب الأئمة المتقدمين. غير أن الراوي له عن زيدن رجل لا يوثق بشيء من روايته عند أئمة الحديث، وهو أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي: رماه العلماء بالكذب في الرواية، قال الإمام أحمد: "كذاب يروي عن زيد بن علي عن آبائه أحاديث موضوعة".

ترتيبه:  رتب الأستاذ ونسنك كتابه على المعاني والمسائل العلمية والأعلام التاريخية؛ فقسم كل معنى أو ترجمة إلى الموضوعات التفصيلية المتعلقة بذلك، ثم رتب عناوين الكتاب على حروف المعجم، واجتهد في جمع ما يتعلق بكل مسألة من الأحاديث والآثار الواردة في هذه الكتب: فاعتمد في مسند الطيالسي على طبعة حيدرآباد سنة 1321هـ، وفي مسند زيد على طبعة ميلانو سنة 1919م، والأحاديث في الكتابين لها أرقام متتابعة، فأشار إلى أرقامها فيهما.

واعتمد في مسند الإمام أحمد على طبعة القاهرة سنة 1313هـ، وفي طبقات ابن سعد على طبعة ليدن سنة 1904 و1908م، وفي سيرة ابن هشام على طبعة غوتنغن سنة 1859-1860م، وأشار إلى أرقام الصفحات في كل منها.

ولكثرة الطبعات في سائر الكتب الستة والموطأ والدارمي، اعتمد على أرقام ابتدعها لكل واحد باصطلاح له أبان عنه في مقدمة كتابه: وذلك أنه قسم كلا منها ـ ما عدا الصحيحين، والموطأ ـ إلى كتب أو مجموعات للأبواب، وكل كتاب إلى الأبواب التي ذكرها مؤلفهن وجعل لكل كتاب منها رقما متتابعا، ثم لكل باب من كل كتاب رقما متتابعا، وأشار لإلى مواضع الأحاديث بأرقام الكتب والأبواب، إلا في كتاب التفسير من صحيح البخاري، وهو المرقم برقم (65) فاعتمد على عدد سور القرآن، وأشار إلى كل سورة برقمها في موضعها من المصحف.

أما صحيح البخاري، فإن طبعة ليدن فيها أرقام الكتب والأبواب من عمل مصححها. وأما صحيح مسلم، فإنه ليس فيه تراجم للأبواب من عمل مؤلفه، بل التراجم التي كتبت علي حاشيته، من وضع الشراح الذين جاءوا بعده، وأهمهم الإمام النووي رحمه الله. ويوجد في صحيح مسلم كثير من المتابعات، وهي الأسانيد التي يروى بها حديثا تأكيدا للإسناد الأول الذي رواه به؛ فالراوي الثاني يتابع الراوي الذي ذكر قبله في روايته ويؤيده، فرأى الأستاذ ونسنك أن يعتبر الأحاديث الأصول في الأبواب ويدع الإشارة إلى المتابعات، ورقم الأحاديث الأصول في كل كتاب من كتب صحيح الإمام مسلم بأرقام متتابعة يشير إليها في كتابه.

وأما موطأ الإمام مالك، فقسمه إلى كتب؛ لأنه لم يكن مقسما تقسيما واضحا، ثم وضع أرقاما متتابعة للكتب والأحاديث فقط، وترك ما لا يحتوي إلا آراء الإمام مالك وغيره من الأئمة، لأنها ليست من مقاصد هذا الفهرس. والطبعات التي اعتمد عليها في تقسم الكتب والأبواب في الكتب الثمانية هي:

ـ البخاري: طبعة ليدن سنة 1862- 1868 و 1907-1908.

ـ مسلم: طبعة ليدن بولاق سنة 1290هـ

ـ أبو داود: طبعة القاهرة سنة 1280هـ.

ـ الترمذي: طبعة بولاق سنة 1292هـ.

ـ النسائي: طبعة القاهرة سنة 1312هـ.

ـ ابن ماجه: طبعة القاهرة سنة 1313هـ.

ـ الدارمي، طبعة دهلي سنة 1337هـ.

ـ الموطأ: طبعة القاهرة سنة 1297هـ.

وقد وضع الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي جداول مفصلة للكتب والأبواب والأحاديث في كل كتاب من هذه الكتب الثمانية، لتكون مرشدا للقارئ يستعين بها على البحث عما يريد من الأحاديث.

فائدته:

كان الباحث يجد عناء كبيرا في الوصول إلى طلبته من هذه الكتب؛ فمسند الإمام أحمد مثلا، فيه أكثر من ثلاثين ألف حديث، وأحاديثه ليست مرتبة على البواب، فكيف يصل فيه الباحث إلى حديثه وهو لا يجد دليلا يرشده إليه؟ وهذا طبقات ابن سعد في ثماني مجلدات، كله في تراجم الأعلام، والمؤلف يروي أحاديث كثيرة في أثناء التراجم، فكيف يصل إليها الباحث غن لم يجد دليلا يرشده إليها؟

يقول الشيح أحمد شاكر رحمه الله مبينا أهمية هذا الكتاب، ومصورا معاناته قبل طبعه: "وها أنا أشتغل بعلوم الحديث وكتبه منذ خمس وعشرين سنة، وقد تلقيت كثيرا منها سماعا وقراءة عن الأعلام وكبار الشيوخ [...] ومع ذلك فإني طالما أعياني تطلب بعض الأحاديث في مظانها، وأغرب من هذا أني لبثت نحو خمس سنين وأنا أطلب حديثا معينا في سنن الترمذي، وهو كتاب تلقيته كله عن والدي سماعا، ولي به شبه اختصاص وكبير عناية".

ملاحظة: مفاتيح هذا الكتاب يجدها الباحث في مقدمته، فما عليه إلا أن يرجع إليها كي يعرف أرقام الكتب والأبواب([44]).

و للتخريج بهذه الطريقة، يستعين الباحث بأصناف من الكتب تقوم مقام الفهرس الموضوعي، مثل:

ـ كتاب "الجمع بين الصحيحين" لأبي عبد الله محمد بن أبي نصر المشهور بالحميدي(ت488هـ).

ـ و" جامع الأصول من أحاديث الرسول" لابن الأثير(ت 606هـ).

ـ و" مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" للهيثمي(ت807هـ).

ـ و" المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية" لابن حجر(ت 852هـ).

 يضاف إليها لواحق الفهارس الموضوعية: وهي كتب مخصوصة بمواضيع أخرى غير التخريج، لم يضعها أصحابها فهارس للأحاديث، لكن منهجيتها تساعد في معرفة مواضع الأحاديث،  مثل:

ـ "الترغيب والترهيب" للمنذري(ت656هـ).

ومنها كتب التخريجات التي خرجت الأحاديث المذكورة في كتب مخصوصة، مثل:

ـ "نصب الراية" للزيلعي، في تخريج أحاديث "الهداية، في الفقه الحنفي للمرغيناني(ت593هـ).

ـ و " التلخيص الحبير في تخريج أحاديث شرح الوجيز الكبير"، لابن حجر.

ـو"المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار"، لزين الدين العراقي(ت 806هـ)،

كما يمكن الاستعانة هنا بكتب التفسير بالمأثور، وكتب الأحكام مثل "بلوغ المرام من أدلة الأحكام" لابن حجر، و "نيل الأوطار" للشوكاني (ت1255هـ).

و تعد كتب الرواية المرتبة على الوحدات الموضوعية نفسها كتبا مساعدة على معرفة مواضع الأحاديث فيها، لكن ذلك متوقف على المطلع عليها، والحافظ لمتونها وأسانيدها مثل: الجوامع، والصحاح، والسنن، والمصنفات، والمستخرجات وغيرها. وفيما يأتي تعريف بأحد الكتب المفهرسة على الموضوعات.

دراسة كتاب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال

أولا: التعريف بصاحب الكتاب:

هو الشيخ الإمام العالم الكبير المحدث علي بن حسام الدين عبد الملك بن قاضي خان الشهير بالمتقي الشاذلي البرهان فوري الهندي، ولد بمدينة برهان فور بالهند سنة 885 وقيل سنة 888هـ.

نشأ محبا للعلم، طالبا حريصا عليه مع الزهد والورع وكثرة الطاعة ، ارتحل إلى كثير من البلدان فأفاده ذلك علما جما.ويعد من أكابر علماء عصره، ارتحل إلى مكة ومات بها بعد أن جاوز ردها من الزمن.

 قال العيد روسي: "مؤلفاته نحو مائة, ما بين كبير وصغير"، وأفرد عبد القادر بن أحمد الفاكهي مناقبه في كتاب سماه"القول النقي في مناقب المتقي"، توفي رحمه الله سنة975 هـ([45]).

ثانيا: التعريف بالكتاب وموضوعه:

جمع المؤلف في كتابه هذا كل أحاديث الجامع الكبير للسيوطي مع زيادات الجامع الصغير وزيادات الجامع، فاحتوى الكتاب على أحاديث أكثر من ثمانين كتاب من كتب السنة، وعلى أكثر من ستة وأربعين ألف حديث مع بيان من أخرجها من الأئمة ومن رواها من الصحابة فمن دونهم.

وهذا تفصيل ذلك الإجمال:

ألّف الحافظ السيوطي ثلاث كتب الغرض منها تيسير الوقوف على الحديث لمن نشد ذلك، فألّف:

·       "الجامع الكبير" وقسّمه إلى قسمين:

-       قسم الأحاديث القولية.

-       قسم الأحاديث الفعلية.

ثم لخص من قسم الأحاديث القولية كتابه "الجامع الصغير"، انتقى فيه الأصح والأخصر وابتعد عن التكرار، وزاد فيه ما ليس في الجامع الكبير. ثم ألّف كتابا ثالثا على منوال الجامع الصغير سمّاه "زيادة الجامع"([46]).

ثالثا: أسباب التأليف

إن هذه الكتب الثلاثة السابقة جمعت ألوفا، و من الآثار صنوفا، فرأى صاحب كنز العمال أن فيها عيوبا تعود للترتيب على حروف المعجم، وهي:

·       أن من أراد أن يكشف منه حديثا وهو عالم بمفهومه لا يمكنه إلاّ إذا حفظ رأس الحديث إن كان قوليا أو اسم راويه إن كان فعليا، ومن لا يكون كذلك تعسّر عليه ذلك.

·       أن من أراد أن يحيط ويطلع على جميع أحاديث البيع مثلا أو أحاديث الصلاة، لم يمكنه ذلك إلاّ إذا قلّب جميع الكتاب ورقة ورقة وهذا عسير جدا.

·       أن الأبواب والفصول والتراجم بمنزلة الشرح للأحاديث وذلك أن بعض الأحاديث مجمل وبعضهما مفصل ذكر فيه سببه وقصته وبعضها ليس كذلك([47]).

رابعا: دراسة المضمون

مراحل التأليف وترتيب الكتاب

لكي يقوم المؤلف بدمج أحاديث تلك الكتب الثلاثة مع اختلافها في الترتيب والمنهج، كان عليه أن يمر بخمس مراحل:

1-   المرحلة الأولى: جمع أحاديث الجامع الصغير وزوائده وقام بتبويبها على حسب الأبواب الفقهية، وسمّى هذا المؤلف الجديد: "منهج العمال في سنن الأقوال".

2-   المرحلة الثانية: بوّب ما بقي من أحاديث قسم الأقوال من الجامع الكبير على حسب الأبواب الفقهية أيضا، وسمّى المؤلف الجديد: "الإكمال لمنهج العمال".

3-  المرحلة الثالثة: جمع الكتاب "منهج العمال" و "الإكمال" معا مبينا أحاديثهما، بأن يضع الترجمة أي العنوان، ثم يذكر تحتها ما يناسبها من أحاديث منهج العمال، ثم يذكر كلمة "الإكمال" يم يذكر ما يناسبها من أحاديث الإكمال لمنهج العمال وسمّى هذا التأليف الجديد: "غاية العمال في سنن الأقوال".

4-   المرحلة الرابعة: بوّب أحاديث قسم الأفعال من الجامع الكبير على الأبواب الفقهية، وسمّاه: "مستدرك الأقوال بسنن العمال".

5-   المرحلة الخامسة: جمع بين كتابي "غاية العمال" و "مستدرك الأقوال في مؤلف واحد. يذكر الكتاب من غاية العمال ثم يذكره من مستدرك الأقوال. فمثلا يذكر كتاب الإيمان من غاية العمال أي من الأحاديث القولية وبعد أن تنتهي أحاديثه يذكر كتاب "الإيمان" من المستدرك أي من الأحاديث الفعلية، وسمّى هذا المؤلف: "كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال".

وقد وضع كل مجموعة من الأحاديث تحت ما يناسبها من عناوين وأبواب ورتّب تلك العناوين على حروف المعجم([48])، أي أنه رتبها على حروف الهجاء، فابتدأ بالكتب المعاصرة، وهي:

*الإيمان.

*الأذكار.

*الأخلاق.

*الإجازة.

*الإيلاء.

وأتبعها بالكتب التي أولها باء، ثم التي أولها تاء، حتى انتهى إلى آخر حروف المعجم ([49]).

خامسا: طريقة التخريج بالكتاب.

إذا أردت تخريج الحديث من كنز العمال فتأمل في أي موضوع هو، ثم استعن بفهرس الموضوعات لترى أي باب أو موضوع يكون تحته ثم تدرّج معه متنقلا من منهج العمال إلى الإكمال فما بعده حتى تصل إلى مرادك، ثم بعد ذلك فك رموزه([50]).

مثال على ذلك:

حديث "لا حسد إلاّ في اثنتين، رجل أتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل أتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار"

-تبحث عنه في فضل القرآن، وفضل القرآن مذكور ضمن كتاب الأذكار، فتبحث في كتاب الأذكار، فتجد الباب السابع في تلاوة القرآن وفضائله، الفصل الأول من فضائله فمظنة هذا الحديث في هذا الفصل، فتتبعه في هذا الفصل فتجده فيه رقم 2339 ورقم الصفحة ورقم الجزء.

وبعده تجد تخريجه هكذا (حم ق. ت. عن ابن عمر). فتفك هذه الرموز، وتقول:

ذكره في كنز العمال، الجزء الأول، وتذكر رقم الصفحة، ورقم الحديث، وعزاه، لأحمد والبخاري، مسلم والترمذي وابن ماجه عن ابن عمر، ثم ترجع إلى المصنفات التي دلك عليها، لتجد حديثك هناك.

سادسا: رموز الكتاب

·       (خ) للبخاري.

·       (م) مسلم.

·       (ق) لهما.

·       (د) لأبي داود.

·       (ت) للترمذي.

·       (ن) للنسائي.

·       (هـ) لابن ماجه.

·       (4) لهؤلاء الأربعة.

·       (3) لهم إلاّ ابن ماجه.

·       (حم) لأحمد في المسند.

·       (عم) لابنه في زوائده.

·       (ك) للحاكم، فإن كان في مسنده أطلق، وإلاّ بيّنه.

·       (خذ) للبخاري في الأدب.

·       (تخ) للبخاري في التاريخ.

·       (حب) لابن حبان في صحيحه.

·       (طب) للطبراني في الكبير.

·       (طس) له في الأوسط.

·       (طص) له في الصغير.

·       (ص) لسعيد بن منصور في سننه.

·       (ش) لابن أبي شيبة.

·       (عب) لعبد الرزاق في الجامع.

·       (ع) لأبي يعلى في مسنده.

·       (قط) للدارقطني، فإن كان في السنن أطلق، وإلاّ بيّنه.

·       (فر) للديلمي في مسند الفردوس.

·       (حل) لأبي نعيم في الحلية.

·       (صب) للبيهقي في شعب الإيمان.

·       (هق) له في السنن.

·       (عد) لابن عدي في الكامل.

·       (عق) للعقيلي في الضعفاء.

·       (خط) للخطيب، فإن كان في التاريخ أطلق، وإلاّ بيّنه([51]).

سابعا: مميزات الكتاب وعيوبه.

ـ يتميز الكتاب بأنه مرتب على الأبواب الفقهية.

ـ أنه بحق كما سمّاه صاحبه "كنز"، فهو كنز من كنوز السنة، جمع أحاديث كتب عدة، قال مؤلفه في مقدمته: "فمن ظفر بهذا التأليف فقد ظفر بجمع الجوامع مبوب مع أحاديث كثيرة ليست في جمع الجوامع، لأن المؤلف، رحمه الله، زاد في الجامع الصغير وذيّله أحاديث لم تكن في جمع الجوامع" ([52]).

·       من عيوبه أنه قسّم الأحاديث إلى المراحل الخمسة السابقة في منهج الكتاب وترتيبه، فأبعدها عن بعضها، فجاء الكتاب غير متصل الحلقات.

ثامنا: المؤلفات على هذا الكتاب

-       المرشد إلى كنز العمال، وهو فهرس للكتاب على حروف المعجم رتبه نديم مرعشلي وابنه أسامة وهو في مجلدين.

-       منتخب كنز العمال، وهو له([53]).

ويستطيع الباحث الاستعانة بأنواع أخرى من المفاتيح والفهارس حسب موضوعات الأحاديث وهي أنواع:

أولا: مفاتيح وفهارس لكتاب معين مثل:

ـ الفتح الرباني بترتيب مسند أحمد الشيباني، لأحمد عبد الرحمن البنا الساعاتي.

ـ  منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود، للساعاتي أيضا.

ـ كشف الأستار عن زوائد البزار، للهيثمي.

ـ الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان، لابن بلبان الفارسي.

ثانيا: مفاتيح وفهارس لعدة كتب مثل:

ـ مجمع الزوائد ومنبع الفوائد لنور الدين الهيثمي، جمع فيه زوائد مسند أحمد، وأبي يعلى، والبزار، ومعاجم الطبراني الثلاثة على الكتب الستة، ورتبها على الكتب والأبواب الفقهية.

ـ الجمع بين الصحيحين، للحافظ عبد الحق الإشبيلي.

ـ جامع الأصول من أحاديث الرسول، لابن الأثير الجزري.

ـ مشارق الأنوار النبوية من صحاح الأخبار المصطفوية، للصاغاني، جمع فيه بين الصحيحين.

ـ إتحاف المهرة الخيرة بزوائد المسانيد العشرة للبوصري جمع فيه عشرة مسانيد على الكتب الستة ومسند الإمام أحمد وهي:

مسند الطيالسي, الحميدي, مسدد, ابن منيع, ابن أبي شيبة, عبد بن حميد, ابن أبي أسامة, أبي يعلى الموصلي إسحاق بن راهوية.

ورتب فيه الأحاديث على الكتب والأبواب الفقهية.

ـالمطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية لابن حجر العسقلاني جمع فيه زوائد المسانيد: أبي داود الطياسلي والحميدي ومسدد بن مسرهد ومحمد بن يحيى العدني وأبي بكر بن أبي شيبة وأحمد بن منيع وعبد بن حميد والحارث بن محمد بن أبي أسامة على الكتب الستة ومسند أحمد, إلا أنه تتبع ما فات الهيثمي في مجمع الزوائد من زوائد أبي يعلى كما ذكر جزءا من مسند إسحاق بن راهوية الذي حصل عليه ورتب الكل على الكتب والأبواب الفقهية. وفي ما يلي تعريف بأحد هذه الفهارس:

  جامع الأصول, لابن الأثير الجزري

أولا: المؤلف.

هو الإمام مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد  بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري ثم الموصلي المعروف بابن الأثير.

ولد سنة أربع وأربعين وخمسمائة(544هـ) في جزيرة ابن عمر وهي بلدة فوق الموصل بينها ثلاثة أيام. نشأ بها وتلقى من علمائها معارفه الأولى, من تفسير ونحو ولغة وفقه, ثم تحول سنة 565هـ إلى الموصل, وفيها بدأت معارفه تنضج وثقافته تزداد، أقام بها إلى أن توفي.

وصفه من أرخ له بأنه من محاسن الزمان, ذا دين متين,وطريقة مستقيمة عارفا وفاضلا ورعا, عاقلا سيدا, ذا بر وإحسان, فقد جمع بين علم العربية والقرآن والنحو واللغة والحديث والفقه, وصنف تصانيف مشهورة, وألف كتبا مفيدة, منها:

ـ غريب القرآن والمعروف بالنهاية.

ـ الشافي في شرح مسند الشافعي.

ـ الإنصاف بين الكشف والكشاف جمع فيه بين تفسيري التعلبي والزمخشري .

ـ الماهر في الفروق في النحو.

كان له علاقة وطيدة مع السلاطين والأمراء, أقعد في آخر حياته, فلزم بيته صابرا محتسبا, يقصده العلماء,  ويفد إليه السلاطين والأمراء إلى أن توفي -رحمه الله تعالى- سنة606هـ بالموصل.

إليك بعد هذا وصف لمنهجه المتبع في التخريج من خلال كتابه البديع "جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم".

 ثانيا: منهج مؤلفه فيه:

لقد ذكر المؤلف في مقدمته أن أول عمل قام به هو حذف الأسانيد, فلم يثبت إلا اسم الصحابي الذي روى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إن كان خبرا أو اسم من يرويه عن الصحابي إن كان أثرا, اللهم إلا أن يعرض في الحديث ذكر اسم أحد رواته فيما تمس الحاجة إليه, فإنه يذكره لتوقف فهم المعنى المذكور في الحديث عليه.

أما متون الأحاديث فقد أثبت منها ما كان حديثا عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو أثرا عن أصحابه أو ما وجد من أقوال التابعين والأئمة المجتهدين في الأصول التي جمعها في كتابه, فلم يذكرها إلا نادرا.

واعتمد في النقل من كتابي البخاري ومسلم على(الجمع بين الصحيحين) للإمام أبي عبد الله الحميدي, وذكر أنه أحسن في ذكرطرقه, واستقصى في إيراد رواياته وأن إليه المنتهى في جمع هذين الكتابين, وأما باقي الكتب الأربعة, فقد نقلها من الأصول التي قرأها وسمعها, كما اعتمد على نسخ أخرى غير مسموعة له.

وقد عول في المحافظة على ألفاظ البخاري ومسلم أكثر من غيرهما من باقي الأئمة الأربعة, اللهم إلا أن يكون في غيرهما زيادة أو بيان أو بسط, فإنه يذكرهما, كما يتتبع الزيادات من جميع الأمهات ويضيفها إلى مواضعها.

وقد عول على الطريقة التي اتبعها أصحاب الأصول الستة في الترتيب والتبويب لأن كل واحد منهم قد ذكر أحاديث في أبواب من كتابه, ذكرها غيره في غير تلك الأبواب, فعمد إلى الأحاديث المضمنة في هذه الأصول, فاعتبرها وتتبعها واستخرج معانيها, وبنى الأبواب على المعاني التي دلت عليها الأحاديث.

وكل حديث انفرد بمعنى أثبته في باب يخصه, وما اشتمل من الأحاديث على أكثر من معنى إلا أنه بأحدها أخص وهو فيها أغلب, فقد أثبته في الباب الذي هو أخص به وأغلب عليه, وإذا كان يشتمل على أكثر من معنى ولا يغلب أحد المعاني على الآخر, فقد أورده في آخر الكتاب في اللواحق.

ثم إنه خرج أسماء الكتب المودعة في الكتاب, وجعلها مرتبة على حروف المعجم طلبا لتسهيل كلفة الطلب, وتقريبا على المريد بلغة الأرب.

وقد أثبت ما وجده في كتب الغريب واللغة والفقه من معنى مستحسن, أو نكتة غريب أو شرح وافي في آخر كل حرف على ترتيب الكتب ([54]) بعد الاحتياط فيما نقله, وما لم يجده فيها وهو قليل, فقد ذكر فيه ما نسخ له بعد سؤال أهل المعرفة والدراية.

ومما لا شك فيه أنه قد أسدى بتأليفه هذا الكتاب العظيم إلى الإسلام وأهله يدا لا تزال مشكورة ما دام في الدنيا من يدين بهذا الدين, ويتبع سبيل المؤمنين فجزاه الله تعالى وسلفه وخلفه ممن نهج نهجه وسلك سبيله في خدمة هذا الدين خير الجزاء.

مثال:

ـ(د, عبد الله بن معاذ الفاضل العامري رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده, وعلم أنه لا إله إلا الله, وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه, رافدة عليه كل عام. ولم يعط الهرمة, ولا الدرنة, ولا المريضة, ولا الشَرَطَ اللئيمة, لكن من وسط أموالكم, فإن الله لم يسألكم خيره, ولم يأمركم بشره"    أخرجه أبو داود.

شرح الغريب:

ـ رافدة عليه، الرافدة: الفاعلة من الرفد, وهي الإعطاء والإعانة, أي معينة له على أداء الزكاة, غير محدثة نفسه بمنعها, فهي ترفده وتعينه.

ـ الهرمة: المسنة: الكبيرة في السن من كل حيوان.

ـ الدرنة: أراد بها: الرديئة, فجعل الرداءة درنا, والدرن: هو الوسخ.

ـ الشرط: الرذيلة من المال, كالصغيرة والمسنة والعجفاء، ونحو ذلك.

ـ اللئيمة: أردأ المال وأرذله.([55])   

تنبيه: إن طريقة التخريج بحسب موضوع الحديث، تحتاج من الباحث أن تكون عنده قدرة على تذوق الأحاديث وإدراك فقهها، واستنباط موضوعها، ومن لم يكن كذلك فإنه يتعثر في الوصول إلى مواضع تلك الأحاديث من كتب الرواية.

ومع ذلكن، فإن من أهم ميزات هذه الطريقة، أنها لا تتطلب من الباحث أن يعرف لفظ الحديث ولا راويه الأعلى كغيرها من الطرق.   

ثانيا: إذا كان الباحث يعرف أول لفظ من متن الحديث.

ألف العلماء فهارس كثيرة ومتنوعة، رتبت فيها الأحاديث حسب أوائل حروفها، على نسق المعاجم، مع ذكر من رواها من الأئمة، أذكر منها: الجامع الكبير أو جمع الجوامع، والجامع الصغير للحافظ السيوطي (ت911هـ)، إليك تعريف بالجامع الكبير.

جمع الجوامع أو الجامع الكبير للإمام السيوطي

أولا: مؤلفه.

هو الحافظ جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمان بن أبي بكر محمد الخضيري السيوطي الشافعي، صاحب المؤلفات في كل فن حتى زادت على خمسمائة مؤلف، وهو حافظ حجة، يحفظ من الأحاديث النبوية الشريفة 200 ألف حديث، وقال عن نفسه: "لو وجدت أكثر من ذلك لحفظت".

اشتغل بالإفتاء والتدريس والقضاء والتأليف، وكانت حياته حافلة بالعلم وطلبه والتأليف فيه، حتى توفي ليلة الجمعة التاسع من جمادى الأولى سنـة 911 هـ.

ثانيا: الكتاب ومنهج صاحبه فيه:

ألّف السيوطي كتابه الجامع الكبير أو جمع الجوامع، فجمع فيه ما تيسر له من الأحاديث النبوية الشريفة التي قاربت مئة ألّف حديث في كتابه، تمييزا له عن كتاب آخر اختصره منه وسمّاه الجامع الصغير.

قسّم الإمام السيوطي كتابه إلى قسمين:

الأول: ضمّنه الأحاديث القولية.

الثاني: ضمّنه الأحاديث الفعلية.

ويعني بالقولية تلك الأحاديث التي تبدأ بلفظ النبي، صلى الله عليه وسلم، مباشرة([56]).

أما الفعلية فهي عكس السابقة بأن لم تتخصص للفظ النبي صلى الله عليه وسلم بأن كانت:

·       أحاديث فعلية محضة: بأن يروي الصحابي فعلا فعله الرسول، صلى الله عليه وسلم.

·       أحاديث مشتملة على فعل وقول.

·       أحاديث اشتملت على سبب.

·       أحاديث اشتملت على مراجعة أو نحو ذلك.

وجعل الأحاديث القولية قسما على حدة والأحاديث الفعلية قسما على حدة. ورتب الأحاديث القولية على حسب الصحابي، بأحرف الهجاء على الحرف الأول من الحديث فما بعده، ورتب الأحاديث الفعلية على حسب الصحابي، بأن يذكر تحت ترجمة الصحابي ما رواه عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أو ما فعله هو، ورتب الصحابة في هذا القسم أيضا، فذكر العشرة المبشرين بالجنة أولا:

·       أبو بكر الصديق

·       عثمان بن عفان

·       سعد بن أبي وقاص

·       طلحة بن عبيد الله

·       عبد الرحمان بن عوف

·       عمر بن الخطاب

·       علي بن أبي طالب

·       سعيد بن زيد

·       الزبير بن العوام

·       أبو عبيدة بن الجراح

ثم رتب بقية الصحابة على حروف المعجم في أسمائهم، ثم في كناهم، ثم ذكر المبهمات، ثم ذكر النساء على نفس الترتيب السابق للرجال، ثم ذكر الأحاديث المرسلة مرتبا رواتها (الذين أرسلوها) على حسب حروف المعجم في أسمائهم وكناهم، ه قلة([57]).

 ثالثا: رموز الكتاب

بعد أن يذكر الحديث سواء كان في قسم الأقوال أو في قسم الأفعال، يذكر بعده من أخرجه من الأئمة مستعملا رموزا لمن أكثر التخريج عنه، وهذه رموزه:

* (خ) للبخاري.

 * (م) لمسلم.

*(حب)لابن حبان.

* (ك) للحاكم فغن كان في مستدركه أطلق وإلاّ بيّنه.

* (ض) للضياء المقدسي في المختارة.

* (د) لأبي داوود السجستاني.

* (ت) للترمذي وينقل كلامه على الحديث.

* (ن) للنسائي.

* (ه) لابن ماجه.

* (ط) لأبي داود الطيالسي.

* (حم) أحمد بن حنبل في مسنده.

* (عم) لعبد الله بن الإمام أحمد في زياداته على المسند.

* (عب) لعبد الرزاق.

* (ص) لسعيد بن منصور.

* (ش) لابن أبي شيبة.

* (ع) لأبي يعلى.

* (طب) للطبراني في الكبير.

* (طس) له في الأوسط.

* (طص) له في الصغير.

* (قط) للدارقطني، فإن كان في السنن أطلق وإلاّ بيّن.

* (حل) لأبي نعيم في الحلية.

* (ق) للبيهقي، فإن كان في السنن أطلق وإلاّ بيّن.

* (هب) للبيهقي في شعب الإيمان.

* (عق) للعقيلي في الضعفاء.

* (عد) لابن عدي في الكامل.

* (خط) للخطيب، فإن كان في التاريخ أطلق وإلاّ بيّن.

* (كر) لابن عساكر في تاريخه.

وإذا عزا الحديث لابن جرير فالمراد في تهذيب الآثار، أما إذا كان في التفسير أو التاريخ فإنه يبيّن.

رابعا: التصحيح والتضعيف

لم تقتصر جهود الحافظ السيوطي في هذا الكتاب على جمع الأحاديث وعزوها إلى من أخرجها من الأئمة، ومن رواها من الصحابة، وإنما تعدت ذلك إلى قضية الحكم على الحديث بالصحة أو الحسن أو الضعف، وقد حرص الإمام جاهدا أن ينأى بكتابه عن الموضوع، فهو يذكر ما في الحديث من ضعف، وقد يبيّن سبب ذلك.

 ولقد نهج السيوطي، رحمه الله، في بيان صحة الحديث من ضعفه منهجا جمع بين الاختصار والفائدة، فذكر أن الكتب التي يخرّج منها ثلاثة أقسام، وهي:

القسم الأول: قسم إذا عزا إليه فهو معلم بالصحة ومن هذه الكتب:

1-              صحيح البخاري.

2-              صحيح مسلم.

3-              صحيح ابن حبان.

4-              مستدرك الحاكم وهو ينبه على ما تُعُقٌِبَ الحاكم فيه.

5-              المختارة للضياء المقدسي.

6-              موطأ مالك.

7-              صحيح ابن خزيمة.

8-              صحيح أبي عوانة.

9-              الصحاح لابن السكن.

10-        المنتقى لابن الجارود.

11-        المستخرجات.

القسم الثاني: قسم اشتمل على الحديث الصحيح والحسن والضعيف فبينه غالبا. ومن هذه الكتب:

·       سنن أبي داود.

·       جامع الترمذي.

·       سنن النسائي.

·       سنن ابن ماجه.

·       مسند أبي داود الطيالسي.

·       مسند أحمد بن حنبل وزيادات ابنه عبد الله عليه.

·       مصنف عبد الرزاق.

·       مصنف ابن أبي شيبة.

·       سنن سعيد بن منصور.

·       مسند أبي يعلى.

·       معاجم الطبراني الثلاثة الكبير والأوسط والصغير.

·       مؤلفات الدارقطني (السنن وغيرها).

·       الحلية لأبي نعيم.

·       السنن الكبرى للبيهقي.

·       شعب الإيمان للبيهقي.

قال:  "وكل ما في مسند أحمد فهو مقبول فإن الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن".

القسم الثالث: قسم ليس فيه إلاّ الحديث الضعيف وهذه الكتب هي:

1-              الضعفاء للعقيلي.

2-              تاريخ بغداد للبغدادي.

3-              نوادر الأصول للحكيم الترمذي.

4-              تاريخ ابن الجارود.

5-              الكامل في الضعفاء لابن عدي.

6-              تاريخ دمشق لابن عساكر.

7-              تاريخ نيسابور للحاكم.

8-              مسند الفردوس للديلمي.

فيستغني بالعزو إلى هذه الكتب أو بعضها عن بيان ضعف الحديث. وعليه فلقد اكتفى السيوطي في بعض المواطن عن الدلالة عن درجة الحديث من حيث الصحة والضعف، بالعزو إلى الكتب ذاكرا أن العزو إلى بعضها دليل الصحة، وإلى بعضها يحتاج لبيان، وإلى البعض الثالث دليل الضعف، وهكذا بيّن درجة الحديث مع الاختصار([58]).

خامسا: طريقة التخريج بهذا الكتاب

إذا أردت تخريج حديث بهذا الكتاب تتأمل الحديث الذي معك أولا هل هو من الأحاديث القولية أو من الأحاديث الفعلية.

ـ فإن كان من القولية فاعرف بدايته وابحث عنه فيها تجده إن شاء الله تعالى.

ـ بعد وصولك إلى الحديث حاول فك رموزه، وذلك بالرجوع إلى مقدمة الكتاب، تأكد من مرتبة الكتب التي أشار إليها في التصنيف الذي أشار إليه في المقدمة للاستعانة بذلك في الحكم على الحديث.

ـ وإن كان من الأحاديث الفعلية فاعرف رواية الأعلى:

ـ فإن كان متصلا – بمعنى أن الذي رفعه إلى النبي-صلى الله عليه وسلم- صحابي، فاعرف اسم هذا الصحابي.

ـ فإن كان من العشرة المبشرين بالجنة فهو في أول قسم الأفعال.

ـ وإن كان من غيرهم، فأسماؤهم مرتبة على حروف المعجم وكذا كناهم ثم النساء.

ـ أما إذا كان الحديث مرسلا – بمعنى الذي أضافه إلى الرسول، صلى الله عليه وسلم، تابعي فمن دونه، فابحث عنه في المراسيل وهي في آخر الكتاب مرتبة على حروف المعجم في أسماء من رفع الحديث إلى الرسول، صلى الله عليه وسلم، وقد بينا ترتيب الكتاب.

فإذا عثرت على حديثك، فإنك ستجد بعده رموزا، فعليك فكّها أيضا([59]).

سادسا: مميزات الكتاب

1-              الكتاب موسوعة علمية ومرجع كبير قد حوى ما يقرب من مائة ألف حديث كما زعم البعض.

2-              أنه جمع أحاديث كتب وصول الباحث إليها صعب إن لم يكن مستحيلا.

3-              أنه رتّب هذه الأحاديث ترتيبا بديع.

4-              أنه تعرض لقضية تصحيح وتحسين وتضعيف الحديث، وهذا له ما له عند أصحاب الشأن والمتخصصين فيه.

5-              سهولة الانتفاع بالكتاب والاستفادة منه.

سابعا: عيوب الكتاب

1-              أن الاستفادة منه لا تحقق إلاّ لمن عرف متن الحديث خاصة أوله.

2-              أن من رام أحاديث موضوع فعليه أن يقلب كل الكتاب.

ثامنا: المؤلفات على الجامع الكبير([60]).

1-              فتح البصير في التعريف بالرجال المخرّج لهم في الجامع الكبير لبي العلاء إدريس العراقي (ت 1184 م) ترجم فيه للرواة المخرج لهم في الكتاب.

2-              الدرر اللوامع في الكلام على أحاديث جمع الجوامع، ولم يكتمل للمؤلف السابق، تكلم فيه عن أحاديثه بالأحكام المناسبة، لما رأى أن السيوطي في الجامع الكبير لم يحكم على أحاديثه.

ومن بين المؤلفات المساعدة على التخريج بهذه الطريقة، كتاب "صحيح الجامع الصغير وزيادته " للشيخ الألباني، وضعيف الجامع الصغير وزيادته" له أيضا.

التعريف بصحيح الجامع الصغير وزيادته (الفتح الكبير):

ألّف جلال الدين السيوطي جامعه الكبير الذي سمّاه جمع الجوامع قسّمه قسمين:

الأول منها في الأحاديث القولية وجعلها مرتبة على الحروف.

والثاني في الأحاديث الفعلية وجعلها مرتبة على مسانيد الصحابة.

وقبل أن تخترمه المنية، اختصر منه الجامع الصغير وسمّاه بهذا الاسم، وقد فرغ من تأليفه سنـة 907 هـ، كما صرّح به في آخره. ثم بدا له بعد ذلك، قبل وفاته بقليل، أن يذيّله من جامعه الكبير ومن غيره فذيّله بجامع صغير آخر يقرب حجمه من حجمه وقد قال السيوطي في خطبته ما نصّه: "هذا ذيل على كتابي المسمّى الجامع الصغير من حديث البشير النذير وسمّيته "زيادة الجامع" رموزه كرموزه والترتيب كالترتيب وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

ولما كان ترتيب الجامع الصغير وذيله واحدا وكذلك الحروف المرموز بها فيهما لكتب الحديث متحدة أيضا فما صنعه الشيخ يوسف النبهاني "رحمه الله" في الفتح الكبير، أنه خرجهما وجعلهما كتابا واحدا في غاية الحسن وغاية للنفع للخاصة والعامة.

ورغم كل الجهود لإخراج الجامع الكبير في صورة أكثر إفادة لطالب الحديث إلاّ أن فيه نقصا من ثلاثة وجوه:

1-  فاته قسم كبير من الأحاديث حتى ما كان منها في الكتب الستة ولذلك فإن الباحث لا يجد فيه بغيته من الحديث في كثير من الأحيان.

2-  أن أحاديثه لم ترتب ترتيبا دقيقا وإن كان نص في المقدمة: "أنه رتبته على حروف المعجم مراعيا أول الحديث فيما بعده، فإنه لم يلتزم بذلك.

3-  أنه وقع فيه ألوف من الأحاديث الضعيفة والمنكرة وفيه الحسنة والموضوعة والباطلة.

·       أما فيما يخص النقص 1 و 2 فقد قام باستدراكهما الشيخ جلال الدين السيوطي بنفسه وكذا النبهاني بضمه للزيادة للجامع.

أما الأمر الثالث، وهو من أهم الأمور كلها، فلم يقم به أحد سوى ما قام به العلامة المناوي في كتابه الكبير "فيض القدير في شرح الجامع الصغير" فإنه أطال النفس في نقد أحاديث الجامع وبيان مرتبتها من الصحة والضعف ولكنه لم يستوعب بالنقد جميع الأحاديث.

·       ولهذا بادر الشيخ ناصر الدين الألباني بدراسته، وإخراجه من ميدان الفكر إلى عالم الوجود، ولقد طبع على قسمين، كل قسم في كتاب:

الأول، خاص بالحديث الثابت المحتج به عند العلماء ويشمل الصحيح والحسن منه، سمّاه "صحيح الجامع الصغير وزيادته".

الثاني، خاص بما لا يحتج به منه، ويشمل الضعيف والضعيف جدا والموضوع، وسمّاه "ضعيف الجامع الصغير وزيادته".

منهج الإمام في صحيح الجامع الصغير وزيادته:

أولا: قام بتحقيق الكتاب بأوجز الطرق، وذلك بان كتب تحت كل حديث مرتبته من الصحة والضعف وجعلها خمسة مراتب:

صحيح، حسن، ضعيف، ضعيف جدا، موضوع.

ثانيا: قام بتذييل المرتبة بذكر المصدر الذي حقق منه الكلام على الحديث ونقل منه المرتبة.

ثالثا: إذا عزى الحديث إلى أي مؤلف من مؤلفاته فلا يكون الحديث فيه قد صحّح أو ضعّف إلاّ بعد دراسة إسناده وتحقيق القول فيه.

رابعا: يذكر المصدر الذي أحيل عليه تحت الحديث الواحد أكثر من مصدر واحد.

خامسا: استدراكه على السيوطي بنفس طريقته بأن يرمز فيمن رمز له ويصرح فيمن صرح له ذلك عقب بيان درجة الحديث من الصحة أو الحسن مثاله ما يلي:

668-308" إذا صليتم الجمعة فصلوا بعدها أربعا"

(صحيح) (د. ه) عن أبي هريرة، صحيح أبي داوود 1036، الإرواء 618: م

فأنت ترى أنه عزاه لأبي داوود وابن ماجه دون مسلم فاستدركه عليه الألباني والأمثلة على ذلك كثيرة.

سادسا: وضع له فهرسا عاما شاملا لجميع أحاديثه مرتبا على الأبواب الفقهية مع ترتيب هذه الأبواب على حروف المعجم. كما صنع بأحاديث المجلد الأول من سلسلة الأحاديث الضعيفة.

سابعا: وقد اعتمد على نفس رموز الجامع الكبير للسيوطي ورموز الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير، وهو كالآتي:

* (خ) للبخاري

* (م) لمسلم

 * (ق) لهما

 * (د) لأبي داوود

 * (ت) للترمذي

* (ن) للنسائي

* (هـ) لابن ماجه

 * (ع) لهؤلاء الأربعة

* (3) لهم إلاّ ابن ماجه

 * (حم) أحمد في مسنده

 * (عم) لابنه عبد الله في مسنده

 * (ك) للحاكم فغن كان في مستدركه أطلق وإلاّ بيّنه

 * (خد) للبخاري في الأدب

 * (تخ) له في التاريخ

* (حب) لابن حبان في الصحيح

 * (طب) للطبراني في الكبير

 * (طس) له في الأوسط، (طص) له في الصغير

 * (ص) لسعيد بن منصور في سننه

 * (ش) لابن أبي شيبة

 * (عب) لعبد الرزاق في الجامع

* (ع) لأبي يعلى في مسنده

 * (قط) للدارقطني فإن كان في السنن أطلق وإلاّ يبيّن

 * (فر) للديلمي في مسند الفردوس

* (حل) لأبي نعيم في الحلية

* (هب) للبيهقي في شعب الإيمان

 * (هق) له في السنن

 * (عد) لابن عدي في الكامل

* (عق) للعقيلي في الضعفاء

* (خط) للخطيب، فإن كان في التاريخ أطلق وإلاّ يبيّن.

ومن هذه الطريقة كتاب فيض القدير للمناوي، وكتاب الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير للشيخ يوسف النبهاني، وكتاب موسوعة أطراف الحديث لمحمد السعيد بسيوني. وهناك فهارس معجمية مقيدة بأنواع خاصة من الأحاديث مثل المقاصد الحسنة للسخاوي، وكتاب أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب للبيروتي... وغيرها من المفاتيح.

ثالثا: إذا كان الباحث يعرف أي كلمة من متن الحديث أو بعض الكلمات

يستعين الباحث على التخريج بهذه الطريقة بكتاب "المعجم المفهرس"

المعجم المفهرس لألفاظ الحديث:

أولا: مؤلفه:

هو آرند جان ونسنك المتوفي سنـة 1939 م، ومعه مجموعة من المستشرقين، وقد شاركهم في هذا العمل الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله.

وقد وضع مؤلف الجزء الثامن مقدمة مفيدة تكلم فيها عن مشروع تأليف المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، وعرض فيها عرضا تاريخيا لمشروع الكتاب منذ الفكرة في إنشائه وحتى كملت أجزاؤه الثمانية، ثم ختم المقدمة بذكره قائمة تحتوي على أسماء المساهمين في مشروع المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، والذي استغرق اثنين وستين عاما من عام 1916 م وحتى عام 1987 م. ثم وضع إرشادات للقارئ بيّن فيها رموز الكتاب، والنسخ المطبوعة من دواوين السنة التي اعتمد عليها حين تأليف الكتاب.

وفات المؤلفين وضع مقدمة تبيّن طريقة الكتاب وتنظيمه حتى طبع الجزء الثامن، فاستدرك ذلك مؤلفه "ويم رافن ويان يوست وتكسام" فوضع مقدمة في أوله كما أشرت إلى ذلك آنفا.

وقد جاء ترتيب المعجم على طريقة ترتيب المعاجم اللغوية إلاّ أن اهتمامه كان بترتيب الكلمات البارزة وكلما كانت الكلمة بارزة ونادرة كان الكشف عن حديثها أسهل وأيسر وترتيب هذه الكلمات على حروف المعجم.

ثانيا: دوافع تأليفه.

لعل من الدوافع الأساسية التي دعت إلى تأليف الكتاب، هي:

1-   ما رآه المؤلفون من عيوب ترتيب الأحاديث على حروف المعجم وهي أنه لابد من حفظ نصوص الحديث وعدم التمكن من جمع الأحاديث في موضوع معين.

2-   كذلك عيوب الترتيب على حسب الموضوعات والأبواب، فقد يعجز الباحث عن إدراك فقه الحديث فلا يستطيع الوصول إلى الحديث المراد تخريجه.

من أجل ذلك رأوا أن ينحوا نحوا آخر في التأليف وفهرسة الأحاديث حسب الكلمات الظاهرة والنادرة فيها، وكلما كانت مستغربة ونادرة كان الوصول إليها أيسر وأسهل مرتبين هذه الكلمات على حروف المعجم.

ثالثا: منهج المؤلفين في الكتاب:

1-  قاموا بوضع الأفعال المجردة أولا ورتبوها بحسب حروف المعجم.

2-  لم يهتموا فقط بترتيب الحروف الأولى في الكلمة بل رتبوها مع الحروف التالية فالهمزة مع الباء تسبق الهمزة مع التاء والثاء وهكذا.

3-   جعلوا الحرف المشدد حرفا واحدا ووضعوه في موضع الحرف الخاص به.

4-   تحت الكلمة المجردة تجد تصريفاتها مرتبة أيضا فالفعل ثم الاسم ثم اسم الفاعل وهكذا.

5-   وفي الفعل رتبه حسب الترتيب الماضي فالمضارع فالأمر([61]).

6-   يذكر طرف الحديث بادئا بالكتاب الذي تطابق روايته الجملة المذكورة حرفيا.

7-   طريقة الرمز:

(أ‌)                يرمز بجوار الحديث إلى الكتاب والباب.

(ب‌)           قد يرمز إلى الكتاب ورقم الحديث إن كانت أحاديث الكتاب مرقمة.

(ج) قد يرمز إلى الكتاب ورقم الجزء والصفحة.

8- جعل كشاف في أسفل كل صفحتين متقابلتين لهذه الرموز، وهي:

1-   صحيح البخاري........................................................................خ

2-   صحيح مسلم...........................................................................م

3-   سنن الترمذي ..........................................................................ت

4-   سنن أبي داود............................................................................د

5-   سنن النسائي............................................................................ن

6-   سنن ابن ماجه.........................................................................جه

7-   سنن الدارمي..........................................................................دي

8-   موطأ مالك.............................................................................ط

9-   مسند أحمد............................................................................حم

يلاحظ من هذه الرموز أن المؤلفين اعتمدوا في تخريج هذه الأحاديث على هذه الكتب التسعة فقط.

10-                   في كل من الكتب الآتية وضع الكتاب ورقم الباب، وهي:

·       البخاري.

·       الترمذي.

·       النسائي.

·       أبو داود.

·       ابن ماجه.

·       الدارمي.

وفي كل من صحيح مسلم وموطأ مالك وضع الكتاب ورقم الحديث؛ لأن أحاديثهما مرقمة، وفي مسند أحمد أشار إلى الجزء والصفحة.

(أ‌)                لفظ (جه) وهو ابن ماجه وفي غيره من الكتب رمزوا له ب (ه) أو (ق)، نعم هنا في الكتاب أشار في الصفحات الأولى وعلى وجه التحديد في الثلاث والعشرين صفحة الأولى أشار إلى ابن ماجه (ق) لكنه عدل عنه في بقية الكتاب إلى (جه) فتأمل.

(ب‌)            رمز إلى أحمد في مسنده برمز (حم) مع أنه في الثلاث والعشرين صفحة الأولى من الجزء الأول رمز له برمز (حل) ثم عدل عنه إلى (حم) فتأمل وهما إشارة لواحد وهو أحمد في مسنده.

11-                   أن الكتاب لم يتقيد بذكر الصحابي بل يذكر الحديث ويشير إلى رواياته كلها دون التقيد برواية معينة.

12-                   الطبعات للكتب التسعة التي اعتمد عليها المؤلفون هي:

ـ صحيح البخاري، ط، القاهرة سنـة 1345 هت والتي تقع في تسعة مجلدات، ويمكن الاستفادة بنسخة فتح الباري طبعة السلفية فإنها بتحقيق الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي الذي شاركهم في هذا العمل.

ـ صحيح مسلم، ط، القاهرة 1374/1955 م – 1956 م وهي طبعة عيسى البابي الحلبي، وتقع في خمسة أجزاء. الخامس منها كله فهارس ذات أهمية بالغة وهي بتحقيق فؤاد عبد الباقي أيضا([62]).

ـ (أ) سنن أبي داود، ط، القاهرة سنة 1935 م وتقع في أربعة مجلدات بتحقيق محمد محي الدين عبد الحميد.
(ب) المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود ويقع في عشرة مجلدات، ط، القاهرة وتكملته فتح الملك المعبود تكملة العذب المورود في ثلاثة مجلدات، ط، القاهرة أيضا (المنهل للشيخ محمود خطاب السبكي، والفتح لابنه أمين).

ـ الجامع الصحيح للترمذي شرح ابن العربي المالكي "عارضة الحوذي" ويقع في ثلاثة عشر مجلدا، ط، القاهرة.ويمكن الاستعانة بالطبعة المحققة التي تتكون من خمسة أجزاء. قام بتحقيق الجزء الأول والثاني منها الشيخ أحمد شاكر، والثالث حققه الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي، والرابع والخامس حققهما الشيخ إبراهيم عطوة عوض.

ـ سنن النسائي مع شرحها زهر الربى، ط، الشيخ حسن محمد المسعودي في ثمانية مجلدات.

ـ سنن ابن ماجه بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ط، القاهرة.

ـ سنن الدارمي:
(أ) ط، كان بور (سنـة 1293 هـ، ط، حجرية).

(ب) ط، دار إحياء السنة النبوية، بيروت "بتحقيق السيد عبد الله هاشم اليماني".

ـ موطأ الإمام مالك بتحقيق الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي في مجلدين، ط، القاهرة.

ـ مسند الإمام أحمد:
(أ) في ستة مجلدات، ط، القاهرة.

        (ب) تحقيق أحمد شاكر، ط، القاهرة وهي غير كاملة([63]).

     10- والكتاب مطبوع في ثمانية أجزاء، السبعة الأولى رتبت الكلمات على حروف الهجاء من الهمزة إلى الياء، وأما الجزء الثامن وهو خاص بالفهارس، وهي فهارس للأعلام، وفهارس للأسماء الجغرافية، وفهارس لأسماء سور القرآن الكريم وآياته.

هذا وإن سقط من الكتاب تخريج بعض الأحاديث ـ وجل من لا يسهوـ إلاّ أنه كتاب مفيد جدا.

رابعا: مميزاته وعيوبه:

1-   انه سهّل على الكثير ممن لا يعرف طرف الحديث ولا راويه الوصول إلى الأحاديث في بطون كتب السنة.

2-   عن طريقه يمكن جمع النصوص الحديثية الواردة في موضوع معين.

3-   لقد حل الكتاب مشكلة مسند الإمام أحمد فقد كان الباحث قبل تأليف المعجم إذا قيل له هذا حديث في مسند الإمام أحمد عن ابن عباس، فما عليه إلاّ أن يقلّب صفحات مسند ابن عباس وهي تعد بالمئات حتى يصل إلى ما يريد، فلو لم يكن من المميزات إلاّ حل هذه المشكلة لكفى، لأنه يضع يد الباحث على الحديث، ورقم الجزء والصفحة.

وأما عيوبه:

1-  أن الكتاب غير شامل لكل الأحاديث النبوية فهو مخرّج من الكتب التسعة فقط، وليست التسعة كل السنة.

2-   أنه لا يتسنى الاستفادة بالكتاب إلاّ لمن كان على دراية بطرق الكشف في المعاجم ليعرف الكلمة ومشتقاتها، والحروف الأصلية والزائدة فيها وغير ذلك.

3-   أن الكتاب لا يهتم بذكر الصحابي أو الراوي الأعلى للحديث، فربما أراد الباحث رواية معينة عن راو محدد.

4-  أن عمل الكتاب موزع على لجان، فلجنة اختصت بحرف، وثانية بآخر، وعمل البشر معرض للنقصان، فربما أخفقت لجنة في تتبع الحديث فاستخرجته من كتابين فقط، فتأتي اللجنة الأخرى يكون عملها أدق، فتستخرج الحديث وتستوعبه، ومن هذا لزم الباحث أن لا يقتصر في تخريجه للحديث على كلمة واحدة أو موضع واحد، وهذا يعرفه من تمرّس العمل بالكتاب.

خامسا: طريقة التخريج بكتاب المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي:

إذا أردت تخريج حديث بواسطة هذا الكتاب:

ـ فخذ أظهر كلمة من الحديث المراد تخريجه وأبرزها، وكلما كانت الكلمة غريبة ونادرة كان الوصول إلى الحديث أسهل وأيسر.

ـ ثم جرد الكلمة من حروف الزيادة وابحث عنها في المعجم واعرف من أي أنواع الكلمة هي.

ـ ثم تتبع الكلمة ومشتقاتها حتى تضع يدك على هذه الكلمة، فتجد الحديث تحتها إن شاء الله تعالى.

مثال:

حديث: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" رواه البخاري.

بتتبع كلمات الحديث بلغت أربعا وثلاثين كلمة, ونتيجتها كالتالي:

1-ذكر الحديث في اثني عشر حديثا من كلماته.

2- أحال على مواد أخرى من كلماته في موضعين.

3- لم يذكر الحديث أبدا في عشرين كلمة من كلماته وذلك لعدم بروز تلك الكلمات إما لان حروف أو أفعال ناقصة أو كلمات يكثر تردادها.

أما المواضع التي ذكر فيها فهي:

1- (ثلاث) وهي في 1/296 من المعجم قال:

ثلاث من كن فيه وجد... م إيمان 66,67,,خ إيمان 9, 14, إكراه1.

2- (وجد) وهي في 7/141 من المعجم قال:

ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان..... ن الإيمان 2, 3.

3- (الإيمان) في 1/110 من المعجم قال:

ثلاث منكن فيه وجد طعم الإيمان

م إيمان67,وزكاة5,,ت علم10,,ن إيمان

2, 3,,جه فتن 23,,حم2/228,520([64]).

وقال في موضع آخر في نفس الصفحة:

..........وجد حلاوة الإيمان.

خ إيمان9, 14, إكراه1, أدب42, م إيمان

66,,ن إيمان2-24,,جه فتن 23,, حم

3/103, 114 و 172, 174, 230, 247, 285, 288.

4- (الله) 1/80 من المعجم قال:

من كان الله ورسوله أحب اليه....

م إيمان66, 67(),,خ إيمان9, 14,,حم4/11.

5- (أحب) في 1/410من المعجم قال:

أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما...

ن إيمان2-4,, جه فتن23,,حم4/11.

وقال في موضع آخر في نفس الصفحة:

من كان الله ورسوله أحب إليه.

م إيمان66, 67,,خ إيمان9, 14,,ت إيمان10.

وفي موضع ثالث من نفس الصفحة قال:

من كان أن يلقى في النار أحب إليه

م إيمان 67,,جه فتن 23.

6- (سواهما) في3/43من المعجم قال:

الله ورسوله أحب إليه مما سواهما                 حم4/11..

7- (يحب) في 470 من المعجم قال:

.....وأن يحب المرء لا يحبه لله.

خ إيمان9, أدب42,,م إيمان66,,ت إيمان 10,,حم3/103, 140, 141, 150, 156, 230, 241, 248, 272, 275, 278, 288.   

8- (لا يحبه) في 1/406 من المعجم قال:

 ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله.             

خ إيمان 14,,م إيمان67,,ت إيمان10,

ن إيمان2-4,, جه فتن 22,, حم2/298, 590, 5/145, 173, 3/230.

9- (يعود) في 4/11 من المعجم قال:

.... أن يعود في الكفر

خ إيمان 9، 14،، م إيمان 66،، حم 3/103، 207، 248،278.

10- (الكفر) في 6/37 من المعجم قال:
... أحب إليه من أن يرجع إلى،

في الكفر .... خ أدب 42،، م إيمان 67،، ن إيمان 3،، جه فتن 33.

وقال في موضع آخر في نفس الصفحة:

وأن، باب من كره أن يعود في الكفر

خ إيمان 9، 14، إكراه 1، م 66،، ت إيمان 10،، حم 3/103.

11- (يقذف) في 5/331 من المعجم قالك

... أن، حتى يقذف في النار...

خ إيمان  9، أدب 42، إكراه 1،، م إيمان 66،، ت إيمان 3،، حم 3/174، 207، 230، 248، 278، 288.

وقال في موضع آخر في نفس الصفحة:

كما يكره أن يوقد له نار فيقذف فيها      قم 3/103.

12- (النار) في 7/37 من المعجم قال:

كما يكره أن يقذف، يلقى في النار

خ إيمان 9، 14،، م إيمان 66،، ن إيمان 4.

وقال في موضع آخر في نفس الصفحة:

حتى، ومن كان يقذف، يلقى في النار أحب إليه من...

خ أدب 42،، م إيمان 67،، جه فتن 23،، حم 3/114، 172، 230، 248، 275، 278، 288.

وأما الموضعان اللذان أحال فيهما، فهما:

1- (حلاوة) في 1/505 من المعجم قال:

... حلاوة الإيمان [راجع أمن].

2- (ورسوله) في 2/258 من المعجم قال:

من كان الله ورسوله أحب غليه [راجع أحب].

وأما الكلمات التي لم يذكر الحديث فيها فهي:

من، كان، فيه، أن، يكون، إليه، مما، وأن، المرء، لا، إلا، لله، وأن، يكره، أن، في، كما، يكره، أن، في، وجملتها عشرون.

رابعا: إذا كان الباحث يعرف راوي الحديث

يلجأ إلى طريقة التخريج بالمسانيد، وهي كتب مرتبة على أسماء الصحابة، ويضع مؤلفها تحت اسم كل اسم صحابي رواياته بأسانيده إليه. تختلف مناهج المسانيد في ترتيب أسماء الصحابة، فمنها ما كان ترتيبه على الفضل والشرف، أو على القبائل، ومنها ما كان ترتيبه على حروف المعجم، كالمعجم الكبير للطبراني، ومنها ما كان ترتيبه على قدر سابقة  الصحابي في الإسلام مثل مسند الإمام أحمد بن حنبل، الذي بدأه بمسانيد الخلفاء الراشدين، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة، ثم مسانيد عبد الرحمن بن أبي بكر، وزيد بن خارجة، والحارث بن خزيمة، وسعد مولى أبي بكر، ثم مسانيد أهل البيت، ثم مسانيد بني هاشم وهكذا.

وعلى هذا النوع من الترتيب وضع بعض اللاحقين فهارس علمية جديدة للأحاديث عرفت باسم كتب الأطراف، وهي كتب تذكر جزءا من الحديث يدل على بقيته، ولا يشترط أن يكون الطرف أول الحديث. من أشهر هذه الكتب "أطراف الصحيحين لأبي مسعود إبراهيم بن محمد الدمشقي" (تـ 401 هـ)، و "الإشراف على معرفة الأطراف لابن عساكر"، و "تحفة الأشراف لمعرفة الأطراف للحافظ المزي"، إليك تعريفه.

    منهج الإمام المزي في تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف

أولا: ترجمة الحافظ المزي

اسمه ومولده وحياته:

هو الإمام العلامة شيخ المحدثين محدث الشام: جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمان بن يوسف بن علي بن عبد المالك بن علي بن أبي الزهر القضاعي الكلبي المزي الدمشقي الشافعي. ولد بظاهر حلب ليلة العاشر من شهر ربيع الآخر سنـة 654 هـ الموافق ل 8 يوليو 1256 م.

نشا بالمزة، قرية دحية الكلبي الصحابي غرب دمشق وحفظ القرآن. وقرا شيئا من الفقه الشافعي. وحصّل طرفا من العربية وبرع في التصريف واللغة. ثم شرع في طلب الحديث بنفسه سنـة 674 هـ وله عشرون سنـة. سمع المسند للإمام أحمد والكتب الستة ومعجم الطبراني. سمع صحيح مسلم من القاسم بن أبي بكر بن غيمة الإربلي راوي الصحيح. رحل سنـة 683 هـ وسمع بالشام والحرمين ومصر والإسكندرية وغيرها.

مشايخه:

كان عدد مشايخه نحو ألف شيخ نذكر منهم:

الإمام النووي، وأقر له الحفاظ من مشايخه وغيرهم بالتقدم. سمع منه الكبار والحفاظ (ابن تيمية، البرزالي، الذهبي، والسبكي...).

حفظه وإتقانه:

قال ابن العماد والسبكي: قال الذهبي في "المعجم المختصر": "فيؤدي الحديث كما في النفس متناولا إسنادا وإليه المنتهى في معرفة الرجال وطبقاتهم، ومن نظر في كتاب "تهذيب الكمال علا محلّه من الحفظ، فما رأيت مثله ولا رأي هو مثل نفسه".

قال التاج السبكي: سمعت شيخنا الذهبي يقول: "ما رأيت أحدا في هذا الشأن أحفظ من الإمام ابن الحجاج المزي، وبلغني عنه أنه قال: ما رأيت أحفظ من أربعة: ابن دقيق العيد، والدمياطي، وابن تيمية والمزي"([65]).

تأثره بالفكر السلفي

اتصل المزي اتصالا وثيقا بثلاثة من نبوغ ذلك العصر، وترافق معصم، وهم:

·       شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم المعرف بابن تيمية الحراني.

·       المؤرخ المحدث علم الدين أبو محمد القاسم بن محمد البرزالي.

·       مؤرخ الإسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي.

فكان المزي أكبرهم سنا وكان بعضهم يقرأ على بعض، فهم نبوغ وأقران في الوقت نفسه. قرأ الثلاثة على المزي واعترفوا بأستاذيته وافتخروا بها.

وقد جذبت الشخصية العظيمة لشيخ الإسلام ابن تيمية المزي إليها. فقد أعجب المزي بابن تيمية الإعجاب كله وترافق مع طيلة حياته. وبهذه الصحبة تكوّن فكر الحافظ المزي. فهو شافعي المذهب، سلفي العقيدة. أخلص كل الإخلاص لرفيقه ابن تيمية وآرائه التجديدية، وجعله مثله الأعلى. يظهر ذلك من خلال  دراسة سيرتهما، فقد أوذي المزي كثيرا.

تلاميذه:

أصبح الإمام المزي حافظ العصر وفضله الإمام الذهبي في الحفظ على جميع من لقي من الحفاظ طيلة حياته، وأتاحت له معرفته الفذة في علم الرجال منزلة مميزة بين أسانيد العصر، وهم:

·       شيخ الإسلام ابن تيمية.

·       الذهبي.

·       تقي الدين السبكي.

·       علم الدين البرزالي.

·       شمس الدين بن عبد الهادي.

·       العلائي.

·       تقي الدين السلامي...الخ

مؤلفاته:

·       تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف.

·       تهذيب الكمال.

وفاته:

توفي عن عمر يناهز التسعين سنـة من يوم السبت 12 صفر 842 هـ ([66]).

ثانيا: التعريف بالكتاب ومنهج المؤلف فيه:

التعريف بالكتاب:

هو كتاب "تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف" لمؤلفه محدث الشام جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمان بن يوسف بن علي بن عبد الملك بن علي بن أبي الزهر القضاعي الكلبي المزي الدمشقي الشافعي (تـ 742 هـ) الذي جمع فيه أطراف الكتب الستة وألحق بها بعضا من الكتب الأخرى.

أما الكتب الستة، فهي:

·       صحيح البخاري.

·       صحيح مسلم.

·       سنن أبي داود.

·       جامع الترمذي.

·       سنن النسائي.

·       سنن ابن ماجه.

أما اللواحق، فهي:

·       مقدمة صحيح مسلم.

·       كتاب المراسيل لأبي داود.

·       كتاب العلل للترمذي.

·       كتاب الشمائل للترمذي.

·       كتاب عمل اليوم والليلة للنسائي.

وقد قام بإلحاق هذه الكتب إلى سابقتها لأن مؤلفيها هم أصحاب الكتب الستة.

وقد ألّف هذا الكتاب من أجل جمع أحاديث الكتب الستة بطريق يسهل على القارئ معرفة أسانيدها المختلفة مجتمعة في موضع واحد([67]). 

وجاء هذا الكتاب محققا في ثلاثة عشر مجلدا حققه الأستاذ عبد الحميد شرف الدين. وألحق به المجلد الرابع عشر من صنعه وسمّاه "الكشاف"، وهو عبارة عن مجموعة فهارس الكتب والأبواب للأمهات الستة رتبها لمراجعة أطراف الحديث.

وفائدة هذا الكشاف مهمة جدا لمن أراد التخريج عن طريق التحفة، وذلك لأن صاحب التحفة يحيلك على اسم الكتاب ورقم الباب والكشاف يذكر اسم الباب([68]).

ومعرفة اسم الباب مهمة أيضا وذلك لاختلاف الطبعات فغنه يؤدي إلى تغيير الأرقام. أما أسماء الأبواب فلا تتغير.

يضاف إلى ذلك أن الفهارس موجودة مع كل كتاب من كتب السنة، لكن وضعها في كتاب مستقل يسهل على القارئ الاستفادة منها، زيادة على ذلك فغنه قد فهرس للسنن الكبرى التي لا زالت مخطوطة، فالإحالة إليها جعلها في صورة الواقع الموجود([69]).

وهذا الكتاب موجود في مكتبة جامعة الأمير عبد القادر، من الطبعة الثانية ببيروت (1403 هـ - 1983) لمن أراد الإطلاع عليه.

منهج المؤَلف في التحفة:

كتاب "تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف" معجم مرتب على تراجم أسماء الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وأحيانا أتباع أتباع التابعين، فدونت جميع أحاديث الكتب الستة تحت هذه الطبقات من رجالها، فجاء على نسق منتظم علمي بديع يقبل الطبع وينشرح له الخاطر مع سهولة التناول وكمال الإفادة.

فقد كان هذا الترتيب مصاحبا لإيراد الحديث الواحد مرارا بقدر تعدد طرفه حتى لا يفقد في موضع من مواضعه المعنون بها وأن لا يرجع الباحث عن مطلوبه خائبا.

تقسيمات المصنف للأحاديث:

1-              التقسيم العمودي:

قسّم المصنف جميع أحاديث الكتب الستة مسندها ومرسلها – وعددها 19595 مع المكرر إلى 1390 مسندا منسوبا إلى الصحابة رجالا ونساء، رضي الله عنهم، مرتبا أسماؤهم على حروف المعجم عن النبي، صلى الله عليه وسلم، والباقي المراسيل وعددها  أربعمائة منسوبا إلى أئمة التابعين ومن بعدهم على نسق حروف المعجم أيضا.

2-              تقسيم المكثرين من الصحابة:

وذلك بتقسيم مروياتهم على تراجم جميع من يروي عنهم من التابعين وبعض الصحابة. كل ذلك على نسق حروف المعجم.

3-              تقسيم مرويات كل تابعي تحت كل صحابي مكثر:

إذا كثرت الروايات عن ذاك التابعي حيث يقسمها على تراجم من يروي عنه من أتباع التابعين. وإذا وجد أحد من هؤلاء الأتباع من له عدة تلاميذ يروون عنه قسّم مروياته تقسيما رابعا على تراجم أتباع أتباع التابعين([70]).

منهجه في إبراز الأحاديث:

قام باختصار أسماء مؤلفي الأمهات وغيرها إلى حروف واستعملها كرموز لها كالآتي:

·       (خ) للبخاري.

·       (خت) له تعليقا.

·       (م) لمسلم.

·       (د) لأبي داود.

·       (مد) له في المراسيل.

·       (ت) للترمذي.

·       (تم) له في الشمائل.

·       (س) للنسائي.

·       (سي) له عمل اليوم والليلة.

·       (ق) لابن ماجه.

·       (ع) يرمز بها للجماعة.

وزاد رمزين آخرين هما (:)، و (ز) ويقصد بالأول ما استدركه المزي على من سبقه ممن كتب في الأطراف كابن عساكر في أطراف السنن الأربعة.

أما (ز)، فيقصد به ما زاده من الكلام على الأحاديث.

* يبدأ المصنف كل رواية بلفظ "حديث" جليا مكتوبة فوقه بالحمرة رموز مخرّجيها في نسق معيّن. وكتبت الروايات في أصلة متصلة بغير فصل بينها، وأما في المطبوعة (المتوفرة كل رواية مبدوءة من سطر جديد مع رقمها المسلسل ورموزها على اليمين بالهامش).

* يقدم ما كثر عدد مخرّجيه على ما قلّ عددهم فيه ولا عبرة بموضوع الأحاديث او لفظها.

* يقدم ما رواه الستة على ما رواه الخمسة، وما رواه الخمسة يسبق ما رواه الأربعة، وهكذا إلى ما رواه الواحد مراعيا في كل ذلك النسق الآتي:

* أولية مرويات البخاري ثم مسلم ثم أبو داود فالترمذي فالنسائي فابن ماجه([71]).

*بعد كتابة لفظ "حديث" ينقل طرفا من أول الحديث بقدر ما يدل على لفظه، والقطعة المنقولة إما من قوله، صلى الله عليه وسلم، إن كان الحديث قوليا، أو من كلام الصحابي، إن كان فعليا، أو بالإضافة كقوله "حديث العرنيين، ويتلوه في الغالب لفظ "الحديث.

 طرق إيراد الأسانيد في التحفة:

*بعد إيراده طرف من الحديث يأخذ في بيان أسانيده عن جميع من خرّجه فردا فردا في نسق الرموز التي رمز بها في الابتداء. فيبدأ الكتاب أول تلك الرموز بالهمزة عبارة عن اسم أول مخرّجيه ويتبعه باسم الكتاب الذي ورد فيه ذلك الحديث من أصل ذلك المخرّج، متلوا بإسناده عن فلان عن فلان منتهيا إلى اسم المترجم بقوله "عنه به" أي بهذا الإسناد.

*إن تكرر الحديث في أكثر من "كتاب" من أصل المخرّج ذكر جميع تلك الكتب مع أسانيدها.

*فإن تكررت طرق حديث واجتمع بعض رواة الحديث على شيخ مشترك بينهم ساق الأسانيد إلى أولئك الرواة المشتركين فقط، ثم قال في الأخير "ثلاثتهم" أو "أربعتهم" عن فلان أي عن الشيخ المشترك([72]).

زيادات المحقق على أصل المصنف:

قام مصنف التحفة الأستاذ عبد الصمد شرف الدين بزيادات على أصل المصنف، اختصرها في بداية الجزء الأول من التحفة في النقاط الآتية:

·       وضع علامة الوقف بين كل اسمين من رواة الأسانيد تمييزا لبعضهم عن بعض.

·       ضبط حركات كل ما أشكل من أسماء الرجال والأعلام والنسب والألقاب وغريب اللغة والشاذ والإعراب اللازم.

·       إكمال أسماء الأعلام غير الرواة مهما أمكن مع بيان سنين وفاتهم ونبذ من تراجمهم إمّا بين قوسين أو في الهوامش.

·       وضع الأرقام المسلسلة لأحاديث الكتاب بأجمعه وإحالة كل حديث إلى رقمه المسلسل من الكتاب، كما قال المصنف عنه "وقد مضى" أو "تقدم" أو "سيأتي".

·       وضعنا حرف "ك" في الهامش حيال كل رواية مما علّم عليه المصنف بهذا الحرف مما استدركه على أبي القاسم ابن عساكر مع وضع نجمة في صلب المتن عند بدايتها ثم إعادة حرف "ك" في الصلب.

·       إضافة في المتن ما سقط من الروايات في أصل المسند مما استدركه عليه ابن حجر([73]).

فوائد كتاب التحفة:

- أنه فهرس دقيق لأحاديث الكتب الستة وما يجري مجراها.

- نستطيع عن طريقه جمع أحاديث كل راو في تلك الكتب.

- أشار إلى الطرائق في الإسناد ذات أهمية.