جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية

كلية الشريعة وأصول الدين

والحضارة الإسلامية                                                          قسم الكتاب والسنة

مذكــرة في مصطلح الحديث

 

محاضرات لطلبة السنَة الثانية

قسم الكتاب والسُّنّـة

(LMD)

 

الدكتور

حـميـد قـوفــي

أستاذ محاضر بقسم الكتاب والسنة


besmele-small

 

الحمد لله ربّ العالمين، وبه ثقتي وأستعين، وصلّ اللّهم وسلّم على النبيّ الأسعد الكريم، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أمّا بعد:

فهذه مجموعة من المباحث المختارة في مادة "مصطلح الحديث" المقرّرة على طلبة السنة الثانية LMD، وهي مادّة علميّة منتقاة من كتب مصطلح الحديث المشهورة كالكفاية في علم الرواية للخطيب البغداديّ، ومقدّمة ابن الصلاح، والتبصرة والتذكرة للعراقيّ، وشرح النخبة لابن حجر، وتدريب الراوي للسيوطيّ وغيرها.

والمادّة العلمية المقرّرة لهذه السّنة هي مجموعة من الموضوعات المهمّة، لم تدرس في السّنة الأولى، فبعدما أخذ الطلاّب في السّنة الأولى مدخلاً عامّا في بيان بعض مصطلحات هذا الفنّ، وبعد ذلك تنالوا الخبر باعتبار وصوله إلينا، ثم الخبر باعتبار درجته من حيث الصّحّة والضعف، نتناول في هذه السّنة الخبر بحسب من ينسب إليه، أو باعتبار قائله، ثم بعدها نتناول مجموعة من الموضوعات العلميّة والعمليّة كزيادات الثقات، والمتابعات والشواهد، وغيرها.

وإذ نقدّم هذه الدروس ورجاؤنا أن تنفع طلاّبنا الأعزّاء، وأن تعطيهم صورة عن هذه المادّة، وبالتالي رغبة في الاستزادة من هذا العلم، سائلين الله جلّ وعلا لهم التوفيق والسداد.

ويمكن بعد كلّ ذلك أن نحدّد أهدافا أساسية لهذه المادّة أجملها في النقاط الآتية:

Ø        العلم بمباحث علم مصطلح الحديث والتفقه فيها.

Ø         القراءة في كتب المصطلح المختلفة والتعامل معها مباشرة.

Ø        الوقوف على الجوانب العمليّة لهذا العلم من خلال كتب الأئمّة الحفّاظ.

Ø        التأكيد على دقّـة منهج المحدّثين.

الدكتور

 

حميـد قـــوفي

تقسيم الخبر بالنسبة إلى

من أسند إليه ([1])

ينقسم الخبر بالنسبة إلى من أسند إليه إلى أربعة أقسام:

 الأول: الحديث القدسيّ.          

الثاني: الحديث المرفوع.          

الثالث: الحديث الموقوف.           

الثالث: الحديث لمقطوع.

الدرس النظريّ الأوّل

الحديـث القدسـيّ

تعريفه:

القدسيّ منسوب إلى القدس، والقدس: الطهارة والنـزاهة، ومنه اسمه تبارك وتعالى: "القدّوس" أي الطاهر المنـزّه عن العيوب والنقائص، وروح القدُس "جبريل"؛ لأنّه خلق من طهارة.

اصطلاحا:

الحديث القدسيّ ما أضافه الرسول صلى الله عليه وسلم وأسنده إلى ربّه عزّ وجلّ من غير القرآن([2]).

فهو حديث لكون الرسول صلى الله عليه وسلم هو المعبِّر به عن ربّه عزّ وجلّ، وقدسيّ؛ لأنّه منسوب إلى القدوس لصدوره عن الله تبارك وتعالى. والحديث القدسيّ ليس من القرآن بالإجماع.

الفرق بينه وبين القرآن الكريم

يفرَّق بين الحديث القدسيّ والقرآن الكريم من وجود كثيرة منها:

Ø  أنّ القرآن الكريم كلام الله تعالى بلفظه ومعناه، والحديث القدسيّ كلام الله بمعناه.

Ø        أنّ القرآن الكريم منقول بطريق التواتر، بخلاف الحديث القدسيّ.

Ø        أنّ القرآن الكريم معجزة باقية على مرّ الأزمان تكفّل الله بحفظه من التغيير والتبديل بخلاف الحديث القدسيّ فليس كذلك.

Ø        أنّ القرآن الكريم متعبّد بتلاوته، فمجرّد قراءته عبادة، وبكلّ حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، وهو المتعيّن للقراءة في الصلاة بخلاف الحديث القدسيّ.

Ø        أنّ القرآن الكريم منـزّل بواسطة جبريل عليه السلام، والحديث القدسيّ لا يشترط أن يكون  الواسطة هو جبريل؛ فقد يكون بواسطة جبريل أو بالإلهام أو غير ذلك.

Ø         أنّ القرآن الكريم يحرم مسّه للمحدِث، وقراءته للجنب، على الراجح من كلام أهل العلم. بخلاف الحديث القدسيّ فلا يشترط فيه الطهارة.

Ø        أنّ القرآن سور وآيات وأجزاء وأحزاب بخلاف الحديث القدسيّ فليس فيه هذا.

Ø        أنّ القرآن الكريم لا يجوز قراءته وتلاوته بالمعنى، بينما الحديث القدسيّ فعلى الخلاف في حكم رواية الحديث بالمعنى.

أسمـاؤه:

يسمى الحديث القدسيّ أو الحديث الإلهيّ، أو الحديث الربانيّ.

الفرق بينه وبين الحديث النبويّ (غير القدسيّ):

يفرّق بين الحديث القدسيّ وغيره من الأحاديث النبويّة بأنّ الحديث النبويّ نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وحكايته عنه، وأما الحديث القدسيّ فنسبته إلى الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم يحكيه ويرويه عن الله عزّ وجلّ، ولذلك قيّد بالقدسيّ أو الإلهيّ، وقيّدت الأخرى بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وإن كانت جميعها صادرة بوحي من الله تعالى؛ لأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا الحقّ، قال تعالى: )وما يَنطقُ عنِ الهَوى إنْ هو إلاّ وحْي يوحَى(. الآية. وقال صلى الله عليه وسلم: " ألا إنّي أوتيت القرآن ومثله معه".

 كما يلاحظ أنّ الأحاديث القدسيّة غالبا ما تتعلّق بالله سبحانه وتعالى ببيان عظمته أو بإظهار رحمته، أو بالتنبيه على سعة ملكه وكثرة عطائه، وهي في الجملة تدلّ على تقديس الله وتمجيده وتنـزيهه. ويلاحظ أنّ غيرها من الأحاديث تتكلّم غالبا على ما يصلح البلاد والعباد بذكر الحلال والحرام، والحثّ على الامتثال بذكر الوعد والوعيد.

ثم إنّ الأحاديث القدسية عددها قليل، بخلاف الأحاديث النبوية؛ فهي كثيرة جدّا. وإنّ الأحاديث القدسية قوليّة، بخلاف الأحاديث النبوية فهي قوليّة وفعلية وتقريرية.

عدد الأحاديث القدسيّة:

ذكر ابن حجر الهيتميّ أنّ مجموع الأحاديث القدسيّة المرويّة يتجاوز المائة، وذكر أنّه جمعها بعضهم في جزء كبير. والحقّ أنّ عددها - بغضّ النظر إلى درجتها- كثير، فهو يتجاوز الثمانمائة بل يقارب الألف؛ فقد ذكر الشيخ محمد المدنيّ في كتابه الاتحافات السُّنية في الأحاديث القدسيّة ثمانمائة وثلاثة وستين حديثا([3]).

صيغ أداء الحديث القدسيّ:

لأداء الحديث القدسيّ صيغتان:

إحداهما: أن يقول الراوي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربّه عزّ وجلّ. ومثال ذلك: ما روى الإمام مسلم عن أبي ذرّ رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربّه تبارك وتعالى قال: " يا عبادي إنّي حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالمـوا..." الحديث.

ثانيهما: أن يقول الراوي: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى أو : يقول الله عزّ وجلّ. ومثال ذلك ما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عزّ وجلّ: " إذا همّ عبدي بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبتها عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، وإذا همّ بسيّئة ولم يعملها لم أكتبها عليه، وإن عملها كتبتها سيئة واحدة".

 تنبيـه:

وصفُ الحديث بكونه قدسيّا لا يعني أنّه صحيح؛ إذ أنّ الصحّة والضعف مرجعها إلى السند، وهذا مرجعه إلى نسبة الكلام إلى الله سبحانه وتعالى، فعلى هذا قد يكون الحديث القدسيّ صحيحًا، وقد يكون حسَناً، وقد يكون ضعيفاً أو موضوعاً، لكنّه إذا صحّ تظهر الهيبة الربانيّة، والنفحة الإلهيّة.

أشهر المصنفات فيه:

ألّف في هذا النوع من الأحاديث الشريفة كتب كثيرة منها:

- "كتاب الأربعين الإلهيّة لأني الحسن عليّ بن المفضّل المقدسيّ (ت: 611هـ).

- "مشكاة الأنوار فيما روي عن الله سبحانه وتعالى من الأخبار لمحمد بن عليّ بن عربيّ الحاتمي (ت:638 هـ). ضمّنه الأحاديث القدسيّة المرويّة عن الله تعالى بأسانيده، فجاءت مائة حديث وحديث واحد.

- الاتحافات السنّيّة بالأحاديث القدسيّة للشيخ زين الدين عبد الرؤوف المناويّ (ت:1031هـ) وقد جمع فيه مائتي واثنين وسبعين حديثا، ورتبه على حروف المعجم، وشرحه الشيخ محمد منير الدمشقيّ في كتاب سماه" النفحات السلفية بشرح الأحاديث القدسيّة " وكلاهما مطبوع.

- "الاتحافات السنية في الأحاديث القدسيّة"، للشيخ محمد المدنيّ (ت:1200هـ)، جمع فيه ثمانمائة وثلاثة وستين حديثا، وقد قسمه ثلاثة أقسام: الأول: ما هو مبدوء بلفظ: "قال"، وعدد أحاديثه مائة وثمانية وستون حديثا" . الثاني: ما هو مبدوء بلفظ "يقول"، وعدد أحاديثه واحد وستّون حديثا. الثالث: ما ليس مبدوءا بواحد منها، وهو مرتّب على حروف الهجاء، وفي آخر الكتاب ذكر حديثا طويلا من مسند أبي بكر رضي الله عنه، وأربعة أحاديث من مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم ختم الكتاب بشرح لمعنى الحديث القدسي، والفرق بينه وبين القرآن، ويعدّ هذا الكتاب أجمع ما ألّف في هذا الموضوع، وهو مطبوع.

- "الأحاديـث"

كتاب أصدره المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر في جزأين، ويحتوي على أربعمائة حديث قدسيّ مشروحة شرحا مختصرا منتخبا من شرحي القسطلانـيّ على صحيح البخاريّ والنوويّ على صحيح مسلم  وغيرهما، وقد صدِّر الكتاب بمقدّمة اشتملت على مباحث تتعلق بالحديث القدسيّ وعلى تراجم الأئمة السبعة: مالك، البخاري، مسلم، أبو داود، النسائي، ابن ماجه، الذين استمدّ هذا الكتاب من مؤلفاتهم.

 

الدرس التطبيقي:

Ø   الوقوف على مصادر كلّ الأحاديث الواردة في الموضوع وتخريجها.

Ø  الوقوف على بعض الكتب المؤلّفة في الحديث القدسيّ، وإعداد تقارير عليها.

Ø   تكليف الطلاّب بتدوين طائفة من الأحاديث القدسيّة بالصيغتين المذكورتين قي الدرس.

الدرس النظريّ الثاني

الحـديث المرفـوع

تعريفه:

 لغة: اسم مفعول من "رفع" كأنه سمي بذلك لنسبته إلى صاحب المقام الرفيع ، وهو النبيّ صلى الله عليه وسلم.

اصطلاحا: هو ما أضيف إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو وصف، تصريحاً أو حكمًا، سواء أضافه إليه الصحابيّ أو التابعيّ أو من بعدهما، حتى يدخل فيه قول المصنفين ولو تأخروا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والمرفوع مصطلح خاص بما أضيف إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا يقع على غيره.

توضيح:

كلّ ما أضيف إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير يسمى مرفوعا سواء حكاه الصحابيّ أو التابعيّ أو من بعدهما، ولا يشترط أن يكون الإسناد متّصلا، وعلى هذا يدخل في المرفوع المتصل والمنقطع والمرسل ونحو ذلك.

وعرّفه الخطيب البغداديّ بأنّه ما أخبر فيه الصحابيّ عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم أو فعله. قال رحمه الله: (والمرفوع ما أخبر فيه الصحابيّ عن قول النبيّ صلى الله عليه وسلم أو فعله)([4])، فخصّه بالصحابة، فيخرج به مرسل التابعيّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكر ابن الصلاح([5])، لكن الحافظ ابن حجر أجاب عن قول الخطيب بغير ما ذكره ابن الصلاح فقال: (يجوز أن يكون الخطيب أورد ذلك على سبيل المثال لا على سبيل التقييد، فلا يخرج عنه شيء، وعلى تقدير أن يكون أراد جعل ذلك قيداً، فالذي يخرج عنه أعمّ من مرسل التابعيّ، بل يكون كلّ ما أضيف إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يسمى مرفوعا إلا إذا ذكر فيه الصحابيّ رضي الله عنه، والحقّ خلاف ذلك بل الرفع كما قررناه إنما ينظر فيه إلى المتن دون الإسناد، والله أعلم)([6]).

والمشهور الأوّل، ويتأيّد بكون الرفع إنّما ينظر إلى المتن دون السند.

أنواعه:

يتنوع المرفوع أنواعا بحسب ما دلّ عليه التعريف:

الأول: المرفوع القوليّ: 

ومن ذلك قول الصحابيّ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كذا. أو حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا، أو أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا...

ومثاله: ما رواه البخاريّ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضّأ".

الثاني: المرفوع الفعليّ:

 ومن ذلك قول الصحابيّ: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل كذا، أو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل كذا.

ومثاله: ما رواه البخاريّ ّ من حديث عقبة بن عامر الجهنيّ قال: قسم النبيّ صلى الله عليه وسلم بين أصحابه ضحايا فصارت لعقبة جذعة ...الحديث".

الثالث: المرفوع التقريريّ:

ومن ذلك قول الصحابي: فعلت كذا بحضرة النبيّ صلى الله عليه وسلم ، أو أن يقول: فُعل بحضرة النبيّ صلى الله عليه وسلم كذا، ولم ينقل عنه إنكاره.

ومثاله: ما رواه البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (أقبلت راكبا على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بمنى إلى غير جدار ، ومررت بين يدي بعض الصفّ وأرسلت الأتان ترتع ، فدخلت في الصفّ، ولم ينكر عليّ).

الرابع: المرفوع الوصفيّ:

ومن ذلك قول الصحابيّ أو غيره واصفا خلق النبي صلى الله عليه وسلم أو خلقه: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم كذا .

ومثاله: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم، ولا بالجعد القطط، ولا بالسبط، ...الحديث).

مثال آخر: حديث أنس رضي الله عنه قال: (خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي: أفّ قطّ، وما قال لشيء صنعته لمَ صنعته، ولا لشيء تركته لمَ تركته، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً... الحديث).

 

الدرس التطبيقيّ:

Ø      تخريج الأحاديث المستشهد بها في الموضوع من مصادرها الأصليّة، والوقوف على تراجم الرواة المهملين في الأسانيد.

Ø    قراءة في كتاب "المقدمة" لابن الصلاح، و"تدريب الراويّ"  للسيوطيّ، وشرح النخبة لابن حجر العسقلانيّّ.


الدرس النظريّ الثالث

الموقـوف

تعريفه:

 لغة: اسم مفعول من الوقف، كأنّ الراوي وقف بالخبر عند الصحابيّ ولم يتابع سرد باقي سلسلة الإسناد.

اصطلاحا: هو ما يروى عن الصحابيّ قولاً له أو فعلا أو نحوه، متصلاً كان أو منقطعاً، ولا يتجاوز به إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم مما لا قرينة فيه للرفع. ويستعمل في غيرهم مقيّدا، فيقال مثلا: وقفه فلان على سعيد بن المسيّب أو على  الزهريّ ....الخ.

توضيح: كلّ ما جاء عن الصحابيّ من قوله أو فعله أو تقريره، يسمى "الموقوف"، سواء اتصل الإسناد إليه أم لم يتصل، فنقول: الموقوف الموصول، والموقوف غير الموصول، قال الإمام ابن الصلاح: (... ثمّ إنّ منه ما يتصل الإسناد فيه إلى الصحابيّ فيكون من الموقوف الموصول، ومنه ما لا يتصل إسناده ، فيكون من الموقوف غير الموصول..)([7]). فما اتصل إلى الصحابيّ فهو الموقوف الموصول، مثاله: ما رواه البخاريّ قال: حدثني محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر).

وما لم يتصل الإسناد إليه فهو الموقوف غير الموصول، ومثاله: ما أخرج الحاكم عن جابر قال: ( إذا صمت فليصم سمعك وبصرك من المحارم ، ولسانك من الكذب ، ودع أذى الخادم ، وليكن عليك وقار وسكينة، ولا تجعل يومك ويوم فطرك سواء). فالراوي عن جابر هو سليمان بن موسى الأشدق لم يسمع من جابر ولم يره، فهو منقطع.

اصطلاح فقهاء خراسان:

لفقهاء خراسان اصطلاح خاص بهم في الموقوف، فإنّهم يطلقون عليه اسم "الأثر". لكنّ المحدِّثين يطلقون الأثر على المرفوع والموقوف والمقطوع. ك قال الإمام النووي: وعند فقهاء خراسان تسمية الموقوف بالأثر، وعند المحدثين كل هذا يسمى أثرا)([8]).

 

أنواع الموقوف:

للموقوف أنواع ثلاثة:

1-                الموقوف القوليّ:

ومثاله: ما رواه البخاريّ بسنده عن عليّ بن أبي طالب رضي الله قال: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبّون أن يكذّب الله ورسوله؟"

2-                الموقوف الفعليّ:

ومثاله: ما رواه البخاريّ عن ابن أبي مليكة قال: ( أوتر معاوية بعد العشاء بركعة).

3-                الموقوف التقريريّ:

ومثاله: أن يفعل التابعيّ فعلا أو يقول قولا بحضرة صحابيّ ولا ينكر عليه.

الموقوف الذي له حكم الرفع:

إذا قال الصحابيّ الذي لم يعرف بالأخذ عن أهل الكتاب قولا أو فعل فعلا موقوفا عليه، لكنه مما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا تعلّق له ببيان لغة، أو شرح غريب؛ وذلك كالمواقيت، والمقادير الشرعية، وأحوال الآخرة، وقصص الماضين؛ فإنه يحكم له بالرفع، فيسمى بالمرفوع حكماً؛ لأنّ الظاهر فيه النقل عن صاحب الشرع تحسينا للظن بالصحابيّ.

الموقوف القوليّ الذي له حكم الرفع ومثاله:

 ما أخرج الحاكم وابن جرير في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (ما من عام بأكثر مطرا من عام، ولكن الله يصرفه بين خلقه حيث يشاء، ثم قرأ: )ولقد صرفناه بينهم ليذكّروا(. قال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبيّ، وقال الألبانيّ : وهو كما قالا.

الموقوف الفعليّ الذي له حكم الرفع ومثاله:

ما رواه ابن أبي شيبة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه صلى الكسوف عشر ركعات بأربع سجدات).

تفريعات تتعلق بالمرفوع حكما:

1-                قول الصحابيّ: من السُّنّـة كذا، وقوله: أمرنا بكذا أو نُـهينا عن كذا.

2-                قول الصحابيّ : كنا نرى كذا، أو نفعل كذا، أو نقول كذا.

3-                إذا قيل بعد ذكر الصحابيّ : يرفع الحديث، أو رفعه، أو يرفعه، أو مرفوعا، أو يبلغ به، أو رواية، أو ينميه.

4-                 تفسير الصحابيّ الذي شاهد الوحي والتنـزيل في آي القرآن الكريم.

توضيح:

-         إذا قال الصحابيّ: من السّنـّّة كذا، أو أُمِرنا بكذا، أو نُهِينا عن كذا

فهو من قبيل المرفوع على الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو مذهب الجمهور؛ لأنّ مطلق ذلك ينصرف ظاهره إلى من إليه الأمر والنهي وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر الإمام ابن الصلاح، وقال غيره: لأن مقصود الصحابيّ بيان الشرع لا اللغة ولا العادة، والشرع يتلقى من الكتاب والسّنّـة والإجماع والقياس، ولا يصحّ أن يريد أمر الكتاب لكون ما في الكتاب مشهور، ويعرفه الناس، ولا الإجماع لأنّ المتكلّم بهذا من أهل الإجماع يستحيل أمره لنفسه، ولا القياس إذ لا أمر فيه، فتعيّن كون المراد الرسول صلى الله عليه وسلم .

وقد حكى الحاكم الإجماع على أنّ قول الصحابيّ: "من السّـنّة كذا" حديث مسند، وقال أيضا: إذا قال الصحابيّ: أُمِرنا بكذا، أو نُهِينا عن كذا، أو كنا نفعل كذا، أو نتحدث بكذا"، فإني لا أعلم بين أهل النقل خلافا فيه أنّه مسند). وممّن جزم بنفي الخلاف عن أهل النقل فيهما البيهقيّ، أمّا ابن عبد البرّ فقد حكى الاتفاق لكن في السنّة فقط. والحقّ ثبوت الخلاف فيهما؛ فلقد خالف في ذلك أبو بكر الصيرفيّ من الشافعية، وأبو الحسن الكرخيّ من الحنفية، وخالف في السنّة الإمام الشافعيّ في أحد قوليه، ورجحه جماعة وحكاه إمام الحرمين في البرهان عن المحقّقين، وخالف في"أُمِرنا" فريق منهم أبو بكر الإسماعيليّ. قال الخطيب البغدادي: (قال أكثر أهل العلم يجب أن يحمل قول الصحابيّ : "أمرنا بكذا" على انه أمر الله ورسوله، وقال فريق منهم يجب الوقف في ذلك؛ لأنّه لا يؤمن أن يعني بذلك أمر الأئمّة والعلماء كما أنه يعني بذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، والقول الأول أولى بالصواب، والدليل عليه أنّ الصحابيّ إذا قال "أمرنا بكذا" فإنما يقصد الاحتجاج لإثبات شرع، وتحليل وتحريم وحكم يجب كونه مشروعا))([9]).

فالراجح إذن مذهب الجمهور، وذلك لأن مطلق الأمر والنهي لا ينصرف إلا من إليه الأمر والنهي وهو الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يريد الصحابيّ بقوله " من السّنـّة " إلا سنّة النبيّ صلى الله عليه وسلم.

قلت: ومما يشهد لهذا ما رواه البخاريّ بسنده عن ابن شهاب الزهريّ عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه في قصّته مع الحجاج حين قال له : (إن كنت تريد السنّة فهجّر بالصلاة) قال ابن شهاب: فقلت لسالم: أفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: (وهل يعنون بذلك إلا سنّته؟) قال السيوطي في تدريب الراوي: (فنقل سالم وهو أحد الفقهاء السّبعة من أهل المدينة، وأحد الحفاظ من التابعين عن الصحابة أنهم إذا أطلقوا السنّة لا يريدون بذلك إلا سنّة النبيّ صلى الله عليه وسلم).

تنبيه:

لا فرق أن يقول الصحابيّ ذلك- نهينا عن كذا، أو أمرنا بكذا، أو من السنّة كذا- في حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم أو بعده. قال الخطيب البغدادي: (فإن قيل: هل  تفصلون بين قول الصحابيّ ذلك في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم وبين قوله بعد وفاته؟ قيل: لا؛ لأنا لا نعرف أحدا فصل بين ذلك) ([10])

أمثلة عن هذه الصيغ:

- قول أنس رضي الله عنه: ( من السنـّة إذا  دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى). ومثله: قول أنس: (من السنّة إذا تزوّج البكر على الثيّب أقام عندها سبعا) أخرجاه. قال أبو قلابة – الراوي عن أنس- : (لو شئت لقلت إنّ أنسا رفعه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم) معناه لو قلت ذلك لما كذبتُ.

- وقول أنس رضي الله عنه: ( أمِر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة).

- وقول أمّ عطيّة رضي الله عنها: (نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا) متفق عليه، وجاء التصريح عنها في لفظ مسلم: (نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا). ومثل ذلك قول ابن عمر: (نهينا عن التكلف).

-         إذا قال الصحابيّ : كنا نرى كذا، أو نفعل كذا، أو نقول كذا

 فهذه العبارات لا يخلو الحال فيها من أن يضيفها إلى زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أو لا يضيفها، ففيها حالتان:

الأولى: إذا أضاف ذلك إلى زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم، كأن يقول: كنا نفعل كذا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم" ونحو هذا، فهذا له حكم الرفع، وهو الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو مذهب الجمهور وقطع به الخطيب البغداديّ والحاكم أبو عبد الله وغيرهما قال ابن الصلاح: (وهو الذي عليه الاعتماد؛ لأنّ ظاهر ذلك مشعر بأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك وقررهم عليه، وتقريره أحد وجوه السنن المرفوعة)([11]). 

قال الخطيب البغدادي: (قول الصحابيّ: "كنا نقول كذا" و"نفعل كذا " من ألفاظ التكثير ومما يفيد تكرار الفعل والقول واستمرارهم عليه، فمتى أضاف ذلك إلى زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على وجه كان يعلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فلا ينكره وجب القضاء به بكونه شرعا، وقام إقراره مقام نطقه بالأمر به، ويبعد فيما كان يتكرر قول الصحابة له وفعلهم إياه على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقوعه ولا يعلم به، ولا يجوز في صفة الصحابيّ ان يعلم إنكارا كان من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم في ذلك ولا يرويه؛ لأنّ الشرع والحجّة في إنكاره لا في فعلهم لما ينكره، وراوي ذلك إنما يحتجّ بمثل هذه الرواية في جعل الفعل شرعا ، ولا يمكن في صفته رواية الفعل الذي ليس بشرع وتركه رواية إنكاره له الذي هو الشرع، فوجب أن يكون المتكرر في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم مع إقراره شرعا ثابتا لما قلناه)([12]).

مثال: قول عبد الله بن عمر: (كان الرجال والنساء يتوضأون في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم جميعا) البخاريّ.

مثال آخر: قول أنس رضي الله عنه: -كنّا نصلي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، قيل: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاهما ؟ قال: كان يرانا نصليهما، فلم يأمرنا ولم ينهنا) مسلم.

الثانية: إذا لم يضف الصحابيّ قوله ذلك إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فالجمهور على أنه موقوف، قال ابن الصلاح: (إن لم يضفه إلى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو من قبيل الموقوف) لكن الذي رجحه الحاكم والرازي والآمدي والنووي والعراقي وابن حجر وغيرهم أنه من قبيل المرفوع. قال النووي: وهو قوي من حيث المعنى([13]).

قال الخطيب البغداديّ: (ومتى جاءت رواية عن الصحابة بأنهم كانوا يقولون أو يفعلون شيئا، ولم يكن في الرواية ما يقتضي إضافة وقوع ذلك إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لم يكن حجّة، فلا دلالة على أنه حقّ إلا أن يعلم جواز ذلك من جهة الاجتهاد فيحكم به، وإن علم أنه مذهب لجميع الأئمّة وجب القطع على أنه شرع ثابت يحرم مخالفته، ويجب المصير إليه)([14]).

مثال ذلك: ما رواه البخاريّ من قول جابر رضي الله عنه: (كنا إذا صعدنا كبّرنا، وإذا هبطنا سبّحنا).

-         إذا قيل بعد ذكر الصحابيّ: يرفع الحديث، أو رفعه، أو يرفعه، أو مرفوعا، أو يبلغ به، أو رواية، أو ينميه.

كل هذه العبارات تدل على رفع الحديث، قال الخطيب البغدادي: (كل هذه الألفاظ كناية عن رفع الصحابيّ وروايته إياه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، ولا يختلف أهل العلم إن الحكم في هذه الأخبار وفيما صرّح برفعه سواء في وجوب القبول والتزام العمل)([15]).  وقال ابن الصلاح: (كلّ ذلك وأمثاله كناية عن رفع الصحابيّ الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكم ذلك عند أهل العلم حكم المرفوع صريحا). وقد صرّح الإمام النووي في تقريبه بنفي الخلاف في ذلك.

أمثلة:

- ما رواه البخاريّ عن ابن عباس قال: (الشفاء في ثلاثة: شربة عسل ، وشرطة محجم، وكيّة نار) رفع الحديث.

- حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة يبلغ به: (الناس تبع لقريش). متفق عليه. وبه عن أبي هريرة رواية: (تقاتلون قوما صغار الأعين). متفق عليه.

- ما رواه مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: ( كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة) قال أبو حازم: ( لا أعلم إلا أنه ينمي ذلك).

تنبيــه:

- إذا قال الصحابيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم يرفعه، فهو في حكم قوله عن الله عزّ وجلّ ، فهو من الأحاديث الإلهيّة، وقد تقدم الكلام عنها.

- إذا قال الراوي عن التابعيّ يرفع الحديث أو يبلغ به فذلك من قبيل المرفوع، لكنه مرفوع مرسل، كذا ذكر ابن الصلاح والنووي وغيرهما.

- أما تفسير الصحابي لآي القرآن، فإن كان مما يتعلّق بأسباب النـزول أو ممّا لا يمكن أن يؤخذ إلا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وليس للرأي فيه مجال، فهو من قبيل المرفوع، لكن الحاكم رحمه الله عدّ تفسير الصحابيّ من قبيل المرفوع مطلقا وعزاه للشيخين، لكن الصحيح أن يحمل ذلك على ما ذكر آنفا.

ومثال ذلك: قول جابر بن عبد الله: (كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله : )نساؤكم حرث لكم ...( الآية.

مظان الحديث الموقوف:

الأخبار الموقوفة نجدها في كتب الحديث المختلفة منها:

Ø   صحيح البخاريّ وباقي الكتب الستّة.

Ø   المصنفات كمصنف عبد الرزاق الصنعانيّ، ومصنف ابن أبي شيبة.

Ø   كتب التفسير كتفسير الطبريّ، وتفسير ابن أبي حاتم وغيرها .

 

الدرس التطبيقيّ

Ø    قراءة في تدريب الراوي، وشرح النخبة حول الموضوع.

Ø  بيان منهج "المصنفات" وقيمتها العلمية، وقراءة توضيحية في مصَنّفيْ ابن أبي شيبة وعبد الرزاق الصنعاني.

Ø  تكليف الطلاب باستخراج الأحاديث الموقوفة بحسب الصيغ المختلفة التي جاءت في الدرس.


الدرس النظريّ الرابع

المقطـوع

تعريفه:

لغة: اسم مفعول من "قطع"، ضد "وصل"، وجمعُه عند جمهور البصريّين من النحاة: المقاطيع، بإثبات الياء، وعن الكوفيّين والجرميّ([16]) تجويز إسقاط الياء هكذا: المقاطع، واختاره ابن مالك([17]).

اصطلاحا: هو ما جاء عن التابعين موقوفاً عليهم من أقوالهم أو أفعالهم حيث لا قرينة له في الرفع، وهو غير المنقطع؛ لأنّه من صفات المتن، أما المنقطع فهو من صفات الإسناد، وقد أطلقه على المنقطع- في مواضع-كلّ من الإمام الشافعيّ وأبي القاسم الطبرانـيّ وأبي بكر الحميديّ وأبي الحسن الدارقطنيّ([18])، على حين أنّ بعض أهل العلم ذهب إلى عكس ذلك فقال: المنقطع هو قول التابعي أو فعله موقوفا عليه. حكاه الخطيب في الكفاية ولم ينسبه([19])، واستغربه ابن الصلاح فقال: (وهذا غريب بعيد)([20]).

أنواع المقطوع:

 المقطوع على نوعين:

المقطوع القوليّ:

ومثاله: قول ربيعة الرأي: ( لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه)([21])

 

المقطوع الفعليّ

 ومثاله: ما رواه أبو نعيم في الحلية: قال: كان مسروق يرخي الستر بينه وبين أهله، ويقبل على صلاته، ويخلّيهم ودنياهم).

مظان الحديث المقطوع

يوجد الحديث المقطوع في المصنفات، وكتب التفسير، وسائر كتب الحديث، إلا أنّها تختلف في ذلك قلّة وكثرة.

حكم الأقسام السابقة

هذه الأقسام المذكورة يمكن أن تكون صحيحة كما يمكن أن تكون ضعيفة أو موضوعة؛ وذلك بحسب توفّـر شروط القبول أو عدم توفّـرها.

فائدة كتابة المقاطيع

ذكر الخطيب البغداديّ أنّ فائدة كتابة المقاطيع ليتخيرّ المجتهد من أقوالهم، ولا يخرج عن جملتهم، والله أعلم([22]).

 

الدرس التطبيقي:

- استخراج الأحاديث المقطوعة في صحيح البخاري مرتبة حسب الأبواب.

 


الدرس النظريّ الخامس

استطـراد

بعد الحديث عن الموقوف والمقطوع، استطرد في الحديث لبيان ما يتعلّق بمعرفة الصحابة والتابعين، وسيكون الكلام في ذلك في فصلين:

الأول: معرفة الصحابة. الثاني: معرفة التابعين.

الفصل الأول

معرفة الصحابة

تمهيد:

معرفة الصحابة علم جليل يقبح من طالب العلم المتخصص جهله، وهو ومعرفة التابعين أصل أصيل في معرفة المرسل والمسند، ذلك أنّه إذا لم يميّز الدارس للسنّة بين طبقات الرواة، ولم يعرف الصحابة من غيرهم فكيف يعرف المرسل من المسند؟.

والكلام في الصحابة أحرّره بإيجاز في عشر مسائل:

المسألة الأولى: من هو الصحابي؟

اختلفت عبارات العلماء في تحديد من هو الصحابيّ، وذهبوا في ذلك مذاهب شتّى، لكنّنا نقتصر على تعريف واحد سالم من الاعتراض، وهو الذي رجّحه الحافظ ابن حجر كما في "الإصابة"، قال: (وأصحّ ما وقفت عليه من ذلك أنّ الصحابيّ: من لقي النبيّ صلى الله عليه وسلم مؤمنا به، ومات على الإسلام، فيدخل فيمن  لقيه من طالت مجالسته أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى)([23]).

المسألة الثانية: كيف يعرف الصحابي؟

يعرف الرجل بكونه صحابيا بإحدى الأدلة الآتية:

1- بالخبر المتواتر؛ وذلك بأن يُنقل إثبات صحبته عن عدد كثير ، مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وباقي العشرة المبشرين بالجنة وغيرهم.

2- بالخبر المشهور أو المستفيض القاصر عن حدّ التواتر كعكاشة بن محصن وضمام بن ثعلبة.

3- بأن يخبر أحد من الصحابة أنّ فلانا صحابيّ، كشهادة أبي موسى الأشعري لحممة بن أبي حممة الدوسيّ الذي توفي بأصبهان مبطونا، فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: (إنّا والله ما سمعنا فيما سمعنا من نبيّكم صلى الله عليه وسلم، وما بلغ علمنا إلا أنّ حممة شهيد)

4- بأن يخبر أحد التابعين الثقات أنّ فلانا صحابيّ، بناء على قبول التزكية من واحد وهو الراجح.

5- بأن يخبر عن نفسه بأنه صحابيّ شريطة أن يكون ثابت العدالة، والمعاصرة للنبي صلى الله عليه وسلم وأنّ ذلك في المدة الممكنة، التي لا تتجاوز المائة سنة من موت النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد بشر بذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم حيث قال كما في حديث ابن عمر في الصحيحين: "أرأيتكم ليليكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها أحد". وصحّ عند مسلم من حديث جابر: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته: "أقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ"([24]).

ولهذا لم يقبل الأئمّة دعوى الصحبة بعد هذه المدّة، وحكموا على كلّ من زعم أنه صحابي بعد المائة الأولى بالكذب.

ملخص: (انظر الشكل)

كيف تثبت الصحبة



Rectangle à coins arrondis: بشهادة تابعي ثقة Rectangle à coins arrondis: بشهادة صحابيّ
Rectangle à coins arrondis: بشهادة نفسه بشروط
Rectangle à coins arrondis: بالشهرة Rectangle à coins arrondis: بالتواتر
 

 

 



المسألة الثالثة: طبقات الصحابة

اتفق العلماء على أنّ الصحابة طبقات متفاوتة، لكنّهم اختلفوا في تصنيفهم، فجعلهم الإمام ابن سعد خمس طبقات، وجعلهم الحاكم اثنتي عشرة طبقة، وبعضهم ذهب إلى أكثر من ذلك. وإليك ما جاء في معرفة علوم الحديث للحاكم:

فأوّلهم قوم أسلموا بمكة مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم.

والطبقة الثانية من الصحابة أصحاب دار الندوة، وذلك أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أسلم وأظهر إسلامه خمل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دار الندوة فبايعه جماعة من أهل مكة.

والطبقة الثالثة من الصحابة المهاجرة إلى الحبشة.

والطبقة الرابعة من الصحابة الذين بايعوا النبيّ صلى الله عليه وسلم عند العقبة يقال فلان عقبي.

والطبقة الخامسة أصحاب العقبة الثانية ، وأكثرهم من الأنصار.

والطبقة السادسة أوّل المهاجرين الذين وصلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء قبل أن يدخلوا المدينة ويبنى المسجد.

والطبقة السابعة أهل بدر الذين قال رسول الله صلى عليه وسلّم فيهم: "لعلّ الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكمّ.

والطبقة الثامنة المهاجرة الذين هاجروا بين بدر والحديبية.

والطبقة التاسعة أهل بيعة الرضوان الذين أنزل الله فيهم " )لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة( وكانت بيعة الرضوان بالحديبية لمّا صدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة، وصالح كفار قريش على أن يعتمر من العام المقبل.

والطبقة العاشرة من الصحابة المهاجرة بين الحديبية والفتح ، منهم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وأبو هريرة وغيرهم، وفيهم كثرة.

والطبقة الحادية عشرة فهم الذين أسلموا يوم الفتح وهم جماعة من قريش.

ثم الطبقة الثانية عشرة صبيان وأطفال رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، وفي حجّة الوداع وغيرها وعدادهم في الصحابة منهم السائب بن يزيد وعبد الله بن ثعلبة بن أبي صعير.. ومنهم الطفيل عامر بن واثلة وأبو جحيفة وهب بن عبد الله..([25]).

تنبيه: تقسيم الصحابة إلى طبقات لا يخرجهم عن كونهم صحابة، لهم من الفضل والقدر والمكانة ما أثبته الشرع لهم، فهذا التقسيم إنّما هو باعتبار تقدّم الإسلام والهجرة وطول الصحبة.

المسألة الرابعة: عدالة الصحابة

الصحابة كلّهم عدول، لا يسأل عن عدالة أحد منهم لكفاية تعديل القرآن لهم وتعديل النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال الإمام ابن الصلاح: (للصحابة بأسرهم خصيصة وهي أنّه لا يسأل عن عدالة أحد منهم بل ذلك أمر مفروغ منه لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتدّ به في الإجماع من الأمة)([26]).

توضيح: ليس معنى عدالة الصحابة أنّهم معصومون عن الخطأ والذنب، كلا، إنّما المراد أنّهم أمناء صادقون لا يكذبون في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا المعنى الذي خفي على أقوام، فراح بعضهم يطعن في بعض الصحابة الذين ارتكبوا بعض المعاصي، ثم عمّم الحكم على سائر الصحابة فأخرجهم عن العدالة وجرّحهم. والروافض ظنّوا كذباً وزوراً أنّ أهل السنّة يعتقدون عصمة جميع الصحابة-بلا استثناء- من الذنوب والمعاصي والخطأ، وهذا ما لم يقله أهل السنّة، ولا كان هذا معتقداً لهم، إنّما يعتقدون أنّ الصحابة جميعا عدول من جهة أمانتهم في نقل الوحي وصدقهم في الرواية عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأنّهم خير الناس، وأنّ  قرنهم أفضل القرون.

ومن أدلّـة عدالة الصحابة من القرآن:

قوله تعالى: )كنتم خير أمّة أخرجت للناس(. قال الإمام ابن الصلاح: اتفق المفسرون على أنّه وارد في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقوله تعالى: )وكذلك جعلناكم أمّة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا(

وقوله عزّ وجلّ :)محمّد رسول الله والذين معه أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم تراهم ركّعا سجّدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود([الفتح:29]

وقوله سبحانه: )لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريبا(

وقوله جلّ وعلا: )والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار والذين اتّبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدّ لهم جنّات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها(

وقوله تبارك وتعالى: )يا أيّها النبيّ حسبك الله ومن اتّبعك من المؤمنين(

وقوله سبحانه: )للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون(.

ومن أدلّـة عدالة الصحابة من السنّة

1- حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تسبّوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه" .

1-  قوله صلى الله عليه وسلم: "النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمّتي ما توعد".

2-  وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا ، وإذا ذكر القدر فأمسكوا".

     ومن أدلّـة عدالة الصحابة: الإجماع

    نقل الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء. قال الحافظ ابن عبد البرّ: (قد كفينا البحث عن أحوالهم لإجماع أهل الحقّ من المسلمين، وهم أهل السنّة والجماعة على أنهم كلهم عدول)([27]).

   وقال الخطيب البغدادي بعد ذكر لأدلة على عدالتهم: (هذا مذهب كافة العلماء ومَن يعتدّ بقوله من الفقهاء)([28]).

وقال ابن الصلاح: (ثمّ إنّ الأمّة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، ومن لابس الفتن منهم فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتدّ بهم في الإجماع...)([29]).

ومن أدلّـة عدالة الصحابة من أقوال الصحابة

1- عن أبن عباس رضي الله عنهما قال: (لا تسبّوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فلمقام أحدهم ساعة - يعني مع النبي صلى الله عليه وسلم- خيرٌ من عمل أحدكم أربعين سنة)([30]).

2- وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ( إنّ الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمّد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيّه، يقاتلون على دينه، فما رآه المسلون حسنا، فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئا فهو عند الله سيء)([31]).

ومن الأدلّـة على عدالتهم: العقل

قال الخطيب البغدادي: (لو أنّه لم يرِدْ من الله عزّ وجلّ ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوّة الإيمان واليقين، القطع بعدالتهم، والاعتقاد لنـزاهتهم، وأنّهم أفضل من جميع المعدّلين والمزكّين الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين. هذا مذهب كافة العلماء ومَن يعتدّ بقوله من الفقهاء))([32]).

تذكيـر: مذهبنا في صحابة رسول الله صلى الله عيه وسلم

نقول ما قاله الأئمّة الأخيار من أهل السنّة والجماعة ملخَّصا في كلام الإمام الطحاويّ رحمه الله: (ونحبّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نفرّط في حبّ أحد منهم، ولا نتبرّأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبّهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان)([33]).

المسألة الخامسة: كيف يعرف علم الصحابي؟

قال الإمام ابن حزم : (..لأحد وجهين لا ثالث لهما: (أحدهما): كثرة روايته وفتاويه. (والثاني): كثرة استعمال النبيّ صلى الله عليه وسلم له. فمن المحال الباطل أن يستعمل النبيّ صلى الله عليه وسلم من لا علم له، وهذا أكبر شهادات على العلم وسعته)([34]).

قلت: ويعرف أيضا بشهادة الصحابيّ-خاصة العالم منهم- لغيره بالعلم كمثل ما ثبت في الصحيحين من حديث عروة بن الزبير قال: قالت عائشة: (يا ابن أختي بلغني أنّ عبد الله بن عمرو مارّ بنا إلى الحجّ، فالقَهُ فاسأله؛ فإنّه قد حمل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم علماً كثيراً).

وكمثل شهادة عمر رضي الله عنه لابن مسعود بالعلم كذلك، فعن زيد بن وهب قال: إني لجالس مع عمر بن الخطاب، إذ جاء ابن مسعود، فكاد الجلوس يوارونه من قصره، فضحك عمر حين رآه، فجعل عمر يكلمه، ويتهلل وجهه، ويضاحكه، وهو قائم عليه، ثم ولّى، فأتبعه عمر بصره حتى توارى، فقال: كُنَيْف مُلِئ علما([35]).

المسألة السادسة: المكثرون من الرواية

والمراد بالمكثرين جماعة من الصحابة أكثروا من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فمنهم من نقل أكثر من ألف حديث عنه صلى الله عليه وسلم، وعددهم سبعة، وهم: أبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وعائشة، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدريّ. وهؤلاء يطلق عليهم اسم المكثرين لروايتهم أكثر من ألف حديث. قال الإمام أحمد: (ستّة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أكثروا الرواية عنه وعمّروا: أبو هريرة ، وابن عمر، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، وأنس. وأبو هريرة أكثرهم حديثا وحمل عنه الثقات)([36]). وزاد آخرون أبا سعيد الخدريّ.

وقد جمعهم بعضهم بقوله:

سبعٌ من الصحب فوق الألف قد نقلوا          من الحديث عن المختار خيرِ  مضر

 أبو هريرة ، سعد([37]) ، جابر ، أنس،            صدّيقة، وابن عباس، كذا ابن عمر

 

وإليك جدول يبين عدد مرويات كلّ واحد منهم:-


 

اسم الصحابي

سنة وفاتـه

عدد مرويـاتـه

عبد الرحمن بن صخر،  أبو هريرة

59 هـ وقيل غير ذلك

5374

عبد الله بن عمر

72هـ

2630

أنس بن مالك

93 هـ

2286

عائشة

 58 هـ وقيل 57

2210

عبد الله بن عباس

68 هـ

1660

جابر بن عبد الله

78هـ

1540

سعد بن مالك أبو سعيد الخدريّ

74هـ

1170

 

تنبيه:

إنّ عدد الأحاديث المذكور في الجدول هو العدد الذي حكاه الإمام ابن الجوزي في "تنقيح فهوم أهل الأثر" المطبوع بالهند، وهو حساب تقريبي، والله أعلم.

المسألة السابعة: العبادلة من الصحابة

هذا اللقب أطلق على أربعة من الصحابة، كلّ واحد منهم اسمه عبد الله، وهو لقب خاص بهم، وهؤلاء الأربعة هم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو. وشاهدُ ذلك ما جاء عن الإمام أحمد بن حنبل أنّه (قيل له: من العبادلة؟ فقال: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو. قيل له: فابن مسعود؟ قال: لا، ليس عبد الله بن مسعود من العبادلة)([38]).

قال ابن الصلاح: (قال الحافظ البيهقي فيما رويناه عنه وقرأته بخطه: وهذا لأنّ ابن مسعود تقدّم موته، وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم، فإذا اجتمعوا على شيء قيل هذا قول العبادلة، أو هذا فعلهم. قال: قلت: ويلتحق بابن مسعود في ذلك سائر العبادلة المسمين بعيد الله من الصحابة، وهم نحو مائة وعشرين نفسا. والله أعلم)([39]).

المسألة الثامنة: أوّل الصحابة إسلامًا

اختلف علماء السلف في أوّل الصحابة إسلامًا، فقيل خديجة، وقيل أبو بكر، وقيل عليّ، وقيل زيد بن حارثة، قال ابن الصلاح بعد ذكر هذه الأقوال وأصحابها من الصحابة والتابعين وأئمة الحديث: (والأورع أن يقال: أوّل من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان أو الأحداث عليّ، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن العبيد بلال، والله أعلم)([40]).

المسألة التاسعة: آخر الصحابة موتا

آخر الصحابة موتا على الإطلاق أبو الطفيل عامر بن واثلة، مات سنة 100هـ.

أما بالنسبة لآخر الصحابة موتًا بحسب الأمصار، فآخر من مات بالمدينة جابر بن عبد الله فيما رواه أحمد عن قتادة، وقيل سهل بن سعد الساعدي، وقيل السائب بن يزيد.

وآخرهم موتًا بمكة عبد الله بن عمر، وقيل جابر، وذكر عليّ بن المديني أنّ أبا الطفيل مات بمكة، فهو إذن آخرهم.

وآخرهم موتًا بالبصرة أنس بن مالك .

وآخرهم موتًا بالكوفة عبد الله بن أبي أوفى.

وآخرهم موتًا بالشام عبد الله بن بسر، وقيل أبو أمامة.

وآخرهم موتًا بمصر عبد الله بن الحارث بم جزء الزبيدي([41]).

فائدة: قال السيوطيّ في ألفيّته:

واعْنَ بمن قد عدّ من رواته       مع كونه قد مات في حياته

                     يدرى به الإرسال نحو جعفر     وحمزة  ، خديجة في أخـر

فيجب الاعتناء بمعرفة الصحابة الذين ماتوا في حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فإنّه قد يروى عنهم أحاديث، فإن كان الراوي تابعيا تبيّـن أنّ روايته مرسلة؛ لأنّ التابعيّ لم يدرك النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأولى أن لا يدرك من توفي قبله مثل جعفر بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب وخديجة أمّ المؤمنين رضي الله عنهم جميعا([42]).

المسألة العاشرة: المصنفات في الصحابة

المصنفات في الصحابة كثيرة، نذكر أشهرها:

1- "الاستيعاب في معرفة الأصحاب"، لابن عبد البَـرّ القرطبيّ (ت:463هـ).

2- "أسد الغابة في معرفة الصحابة"، لعز الدين بن الأثير الجزريّ (ت:630هـ).

3- "الإصابة في تمييز الصحابة"، للحافظ ابن حجر (ت:852هـ).

 

الدرس التطبيقي:

قراءة في منهج الحافظ ابن حجر في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة


الدرس النظريّ السابع

الفصل الثاني

معرفـة التابعيـن

تعريف التابعي

ويقال:" تابع"، وهو من لقي الصحابي، سواء صحبه أم لم يصحبه، وسواء روى عنه أم لم يرو عنه، وهذا اختيار الحاكم ورجحه ابن الصلاح وقال النووي: وهو الأظهر.

فائدة معرفة التابعي:

معرفة التابعين والباب الذي قبله مهمٌّ جدًّا، ومن فوائده التفريق بين المرسل والمسند، وقد سبق ذكر هذا، قال السيوطيّ ملخّصا:

ومن مفاد علم ذا والأولِ       معرفة المرسل والمتصلِ

طبقات التابعين

اختلف العلماء في بيان طبقات التابعين، فذهب مسلم رحمه الله إلى أنّهم ثلاث طبقات، وذهب ابن سعد إلى تصنيفهم أربع طبقات، بينما الحاكم عدّهم خمس عشرة طبقة. والأولى تقسيمهم ثلاث طبقات على النحو الآتي:

كبار التابعين: وهم الذين رووا عن كبار الصحابة، وأكثر حديثهم عن الصحابة، كسعيد بن المسيّب وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد وغيرهم.

أوساط التابعين: وهم دون الأولى، وهم الذين أدركوا هؤلاء الأئمّة، وروايتهم عن الصحابة تقارب روايتهم عن التابعين.

صغار التابعين: وهم الذين أدركوا صغار الصحابة، وقد كبر سنّهم وتأخرت وفاتهم، ورووا عنهم، إلا أنّ روايتهم عنهم قليلة([43]).

المخضرمون من التابعين

وهم الذين أدركوا الجاهلية وحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلموا، ولا صحبة لهم، وأحدهم "مخضرم" بفتح الراء، كأنه خضرم أي قطع عن نظرائه الذين أدركوا الصحبة وغيرها([44]).

وعدد المخضرمين قليل، عدّهم الإمام مسلم عشرين نفساً، والحقّ أنّ عددهم أكثر من هذا، وقد جمعهم برهان الدين الحلبيّ (ت:841هـ) في كتاب: "تذكرة الطالب المعلم بمن يقال إنه مخضرم"([45]) فزاد عددهم على خمسين ومائة.

ومن المخضرمين: سويد بن غفلة، وعبد الرحمن بن مل، وزرّ بن حبيش، وعمرو بن ميمون الأوديّ، وأبو عمرو الشيبانـي، وغيرهم.

مسألـة:

من سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو كافر ثم أسلم، فهو تابعيّ اتفاقا، وحديثه ليس بمرسل بل موصول لا خلاف في الاحتجاج به كالتنوخي رسول هرقل وفي رواية قيصر، فقد أخرج أحمد وأبو يعلى حديثه في مسنديهما، وساقاه مساق الأحاديث المسندة([46]).

فقد أخرج أحمد عن التنوخي أنه قال: (..فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوك، فإذا هو جلس بين ظهراني أصحابه محتبيا..الحديث)([47]).

من أكابر التابعين الفقهاء السبعة

وهم جماعة من أفاضل التابعين من أهل المدينة. كان الناس في عصرهم يعملون بأقوالهم، وهؤلاء السبعة هم: سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير، وخارجة بن زيد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار.

قال الإمام عبد الله بن المبارك: (كان فقهاء أهل المدينة الذين يصدرون عن رأيهم سبعة)- فذكرهم إلاّ أنّه لم يذكر أبا سلمة بن عبد الرحمن، وذكر بدله سالم بن عبد الله بن عمر، وعن أبي الزناد أنّه ذكر هؤلاء غير أنّه ذكر أبا بكر بن عبد الرحمن بدل أبي سلمة وسالم([48]).

وقد جمعهم أحدهم بقوله: إذا قيل مَن في العلم سبعة أبحر       روايتهم  ليست عن العلم خار

                       فقل: عبيد الله، عروة، قاسم      سعيد، أبو بكر، سليمان، خارجه

 

أنواع أخرى

مشتركة بين المقبول والمردود

 

                                   1  - المسند

                                   2  - المتصل

                                   3  - زيادة الثقة

                                   4  - العالي والنازل

                                   5 - الحديث المسلسل


الدرس النظريّ الثامن

المسنَـد

تعريفه:

لغة: اسم مفعول من أسند، أسنده إذا رفعه، والأصل في هذا  الحرف أي هذه المادة راجع إلى "المسند"، وهو الدهر، يقال: لا أفعله آخر المسند، يريد آخر الدهر، فيكون معنى إسناد الحديث اتصاله في الرواية اتصال أزمنة الدهر بعضها ببعض. وجمعه المساند، ويجوز أن تثبت فيه الياء، قال البلقينيّ: والأولى ألاّ تذكر([49]).

اصطلاحا: ذهب العلماء في تعريفه مذاهب مختلفة أشهرها:

المذهب الأول: مذهب الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله:

ذهب الحافظ ابن عبد البرّ إلى أنّ كلّ ما جاء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فهو مسند سواء اتصل السند إليه أم انقطع. قال رحمه الله: (وأمّا المسند فهو ما رفع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصّة)([50]) ثم فصل في ذلك بأمثلة، ذكر المتصل من المسند، ثم المنقطع من المسند، فهو- إذن- لا يشترط الاتصال في تعريف المسند، وإنما الشرط عنده أن يكون عن النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصّة. وعلى هذا يمكن تصنيف المسند عنده في صورتين:

الأولى: المتصل من المسند إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم.

الثانية: المنقطع من المسند.

مثال الصورة الأولى: ما مثّل به الحافظ ابن عبد البرّ وهو: مالك عن نافع عن ابن عمر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. ومالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم....الخ([51]).

مثال الصورة الثانية: ما مثّل به ابن عبد البرّ وهو مالك عن يحيى بن سعيد عن عائشة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وعن عبد الرحمن بن القاسم عن عائشة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ...الخ قال الحافظ ابن عبد البرّ بعد ذكر هذه الأمثلة من المنقطع المسند: (فهذا وما كان مثله مسند ؛ لأنه أسند إلى النبيذ صلى الله عليه وسلم ورفع إليه وهو مع ذلك منقطع؛ لأنّ يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن القاسم لم يسمعا من عائشة..)([52]).

المذهب الثاني: مذهب الخطيب البغداديّ رحمه الله:

ذهب الخطيب البغداديّ رحمه الله إلى أنّ المسند هو المتّصل إلى المرويّ عنه سواء كان إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم أم إلى غيره من الصحابة والتابعين، إلا أنّ الأغلب في الاستعمال فيما أسند عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله: (وصفُهم الحديث بأنّه "مسند" يريدون أنّ إسناده متصل بين راويه وبين من أسند عنه، إلاّ أن أكثر استعمالهم هذه العبارة هو فيما أسند عن النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصّة، واتصال الإسناد فيه أن يكون كلّ واحد من رواته سمعه من فوقه حتى ينتهي ذلك إلى آخره وإن لم يبيّن فيه السماع بل اقتصر على العنعنة)([53]).

المذهب الثالث: مذهب الحاكم النيسابوريّ رحمه الله:

ذهب الحاكم إلى أنّ "المسند" هو ما اتصل سنده إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فهو المرفوع المتصل. قال رحمه الله: (والمسند من الحديث؛ أن يرويه المحدّث عن شيخ يظهر سماعه منه لسنٍّ يحتمِله، وكذلك سماع شيخه من شيخه، إلى أن يصل الإسناد إلى صحابيٍّ مشهور إلى رسول اللّه، صلى الله عليه وسلم»([54]).

وهو مذهب ابن حجر وغيره، قال الحافظ ابن حجر: (وأما المسند فينظر إلى الحالين معاً، فيجتمع شرطا الاتصال والرفع، فيكون بينه وبين كلّ من الرفع والاتصال عموم وخصوص مطلق، فكلّ مسند مرفوع، وكلّ مسند متصل، ولا عكس فيهما)([55]).

وعلى هذا لا يدخل في "المسند الموقوف والمقطوع ولو اتصل إسنادهما، ولا المنقطع ولو كان مرفوعا، وهذا هو المعتمد المشهور في تعريف"المسند"([56]).

ملخص: ويمكن أن نلخّص مذاهب العلماء في دلالة "المسند" في ثلاث معان:

الأول: هو المرفوع ظاهر الاتصال، وهذا قول الحاكم، وعليه استقر الاصطلاح([57]).

الثاني: هو المرفوع إلى النّبي صلى الله عليه وسلم خاصّة، اتصل أم لم يتصل، هذا قول الحافظ ابن عبد البرّ([58]).

الثالث: هو ما اتصل سنده إلى منتهاه، حكاه الخطيب البغداديّ([59]). (انظر الشكل).

المسند

 

هو المرفوع المتصل                           هو المرفوع                    هو المتصل إلى منتهاه

(الحاكم النيسابوريّ)                        (اتصل أم لم يتصل)                 (الخطيب البغداديّ)

(ابن عبد البرّ)

 

 (وإذا وازنّا بين هذه المعانـي وبين الأحكام الجزئية في كتب أئمّة الحديث، وإطلاقهم لهذا المصطلح "المسند"، وكيفية تناولهم واستعمالهم له، تبيّـن لنا المعنى القريب من المعاني المذكورة آنفا، وحينئذ يصحّ حملُ كلام النّقّاد عليه، والجزم بأنّه هو المرادُ لهم، وأنّ ذلك هو اصطلاحهم.

فكثيرا ما نقرأ في كتب علل الحديث- خاصّة- عبارة المسند في مقابلة المرسل في معرِض التّرجيح بين الروايات، ممّا يدلّ على أنّ من شرط المسند الاتِّصال، لكنّهم-كذلك- يستعملون عبارة المسند في مقابلة الموقوف في معرِض بيان الصّواب في نسبة المروي إلى مصدره، ممّا يدلّ على أنّ المسند غير الموقوف من هذه الجهة، ومن هنا نذهب إلى القول بأنّ تعريفَ الحاكم أدقّ ممّا ذُكر من التعريفات، وأصوبَ في التّعبير عن منهج النّقاد في إطلاقهم لمصطلح المسند.

 والخطيب البغداديّ حين ذكر المسند بيّن معه ما جرى به العمل عند الحفّاظ؛ حيث قال: «وصفُهم الحديث بأنّه مسند، يريدون أنّ إسناده متّصل بين راويه وبين من أسند عنه، إلاّ أنّ أكثر استعمالهم هذه العبارة هو فيما أسند عن النّبي صلى الله عليه وسلم خاصّة واتّصال الإسناد فيه»([60]).

وهذا ما قرّره الحافظ ابن حجر باستقراء كلام أئمّة الحديث فيما ذَكَر)([61]).

الدرس التطبيقيّ

1- قراءة في كناب معرفة علوم الحديث للحاكم، والنكت على كتاب ابن الصلاح للحافظ ابن حجر، والتبصرة والتذكرة للعراقيّ.

2- استخراج مصطلح "المسند"من كلام أئمّة الحديث في كتب العلل، وبيان استعمالاتهم له وتحليل ذلك.


الدرس النظريّ التاسع

المتصل أو الموصول

تعريفه:

لغة: اسم فاعل من اتصل ضد انقطع، ويقال له: المؤتصل بالفكّ والهمز، وهي عبارة الإمام الشافعيّ في مواضع من الأم([62])، وقال ابن الحاجب: "هي لغة الشافعيّ"، كما يقال له الموصول ضد المقطوع.

اصطلاحا: هو الذي اتصل إسناده، فكان كلّ واحد من رواته قد سمعه([63]) ممّن فوقه حتى ينتهي إلى منتهاه([64]).

توضيح:

ظاهر كلام ابن الصلاح أفاد أنّ المتصل - سمى الموصول- ند الإطلاق يقع على المرفوع والموقوف، أي يختصّ بما اتصل سنده إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم أو إلى الصحابيّ دون التابعيّ بدليل أنه مثّل للمتصل بمثالين؛ حيث قال: مثال المتصل المرفوع، ثم مثال للمتصل الموقوف، أمّا الإمام النووي فأدخل أقوال التابعين ومن بعدهم في التعريف؛ فقال: (هو ما اتصل إسناده مرفوعا كان أو موقوفا على من كان)، غير أنّ الحافظ العراقيّ أوضح كلام ابن الصلاح بأنّ أقوال التابعين إذا اتصلت الأسانيد إليهم فلا يسمونها متصلة في حالة الإطلاق، أمّا مع التقييد فجائز، وواقع في كلامهم، كقولهم: هذا متصل إلى سعيد بن المسيب أو إلى الزهريّ أو إلى مالك ونحو ذلك) ، قيل: والنكتة في ذلك أنها تسمى مقاطيع، فإطلاق المتصل عليها كالوصف لشيء واحد بمتضادين).

فالحاصل أنّ الجمهور من العلماء لا يرون إدخال المقطوع وإن اتصل سنده إلى قائله للتنافر بين لفظي القطع والوصل، وهذا عند الإطلاق، أمّا مع التقييد فجائز([65]).

 

قال الحافظ العراقيّ في ألفيته:

وإن تصل بسند منقولا         فسمّه متصـلا موصـولا

سواء الموقوف والمرفوع       ولم يروا  أن يدخل المقطوعا

أنواع المتّصـل:

مما سبق يمكن تقسيم المتصل إلى متصل مرفوع، ومتصل موقوف.

مثال المتّصل المرفوع:

قال البخاريّ ثنا الحميديّ عبد الله بنُ الزبير قال حدثنا سفيان قال حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاريّ قال أخبرني محمدُ بن إبراهيم التيميّ أنه سمع علقمة بنَ وقاص الليثيّ يقول: سمعت عمر بنَ الخطاب رضي الله عنه على المنبر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى... الحديث ".

مثال المتصل الموقوف:

قال البخاريّ حدّثَني محمدُ بن كثير أخبرنا سفيان عن إسماعيل بنِ أبي خالد عن قيسِ بنِ أبي حازم عن عبد الله بنِ مسعود قال: (ما زلنا أعزّةً منذ أسلم عمر).

 

الدرس التطبيقي

- قراءة في كتاب التبصرة والتذكرة للعراقيّ، مع شرح زكريا الأنصاريّ، وفي كتاب معرفة علوم الحديث للحاكم، وتدريب الراوي للسيوطيّ.


الدرس النظريّ العاشر

زيادات الثقـات

تعريف:

الزيادات جمع زيادة، وهي مصدر، يقال: زاد الشيء، يزيد زيدا وزيادة، فهو زائد، وزدته أنا، فهو يستعمل لازما ومتعديا.

والثقات جمع: ثقة، مصدر قوله وثقت به، فأنا أثق به ثقة، وأنا واثق به، وهو موثوق به، ويقال فلان ثقة، وهي ثقة، وهم ثقة، وقد تجمع فيقال: ثقات في جماعة الرجال والنساء. ووثق به وثوقا: ائتمنه، ووثّقت فلانا إذا قلت إنه ثقة، فهو موثّق.

وفي الاصطلاح: هو من جمع صفتي العدالة والضبط.

وأمّا المراد بزيادة الثقة فأحسن من وقفتُ له على تعريف هو الحافظ ابن رجب الحنبليّ، قال رحمه الله: (وأمّا زيادة الثّقة الّتي نتكلّم فيها ههنا، فصورتُها أنْ يرويَ جماعةٌ حديثًا واحدًا بإسنادٍ واحدٍ ومتنٍ واحدٍ، فيزيد بعضُ الرواة فيه زيادةً لم يذكرْها بقيـّةُ الرواةِ»([66]).

أهمية معرفة زيادات الثقات وعناية العلماء به:

زيادة الثقة علم من علوم الحديث المهمّة، عني به العلماء كثيراً، وله فوائد جمّة خاصة ما يتعلّق بالزيادات في المتون لما لها من أثار فقهية عمليّة ونحو ذلك، ولذا وجدنا الأئمّة يشيدون بمن حظي بمعرفة هذا العلم كالحافظ ابن خزيمة، فقد قال عنه الإمام ابن حبان: (ما رأيت على أديم الأرض من كان يحسن صناعة السنن ويحفظ الصحاح بألفاظها، ويقوم بزيادة كل لفظة تزاد في الخبر ثقة، حتى كأنّ السنن كلّها نصب عينيه إلا محمد بن خزيمة فقط)([67]). ولا شكّ أنّ ابن حبان يتكلّم عن أهل زمانه.

وقال ابن الصلاح: (وقد كان أبو بكر النيسابوريّ وأبو نعيم الجرجانيّ وأبو الوليد القرشيّ الأئمّة مذكورين بمعرفة زيادات الألفاظ الفقهيّة في الأحاديث)([68]).

أنواع الزيادة في الحديث:

من خلال التعريف نقول إن الزيادة في الحديث تنقسم إلى قسمين:

1- زيادة تقع في السند، وأكثر صورها أن يرفع الراوي الموقوف، أو يصل المرسل([69]).

2- زيادة تقع في المتن، وصورتها أن يزيد الراوي في روايته لفظة أو جملة لا يرويها غيره من الثقات.

أمثلة على ذلك:

مثال للزيادة في السند:

ما رواه الترمذيّ قال:حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا آدم بن أبي إياس حدثنا شيبان أبو معاوية حدثنا عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة قال: خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم في ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحد فأتاه أبو بكر فقال: ما جاء بك يا أبا بكر ؟ فقال: خرجت ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنظر في وجهه والتسليم عليه، فلم يلبث أن جاء عمر، قال : ما جاء بك يا عمر؟ قال: الجوع يا رسول الله، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأنا قد وجدت بعض ذلك....الحديث.

قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح غريب، ثم قال: حدثنا صالح بن عبد الله حدثنا أبو عوانة عن عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوما وأبو بكر وعمر..."، فذكر هذا الحديث، ولم يذكر فيه عن أبي هريرة، فهو مرسل والأول متصل، وراوي الوصل شيبان بن عبد الرحمن التميمي أبو معاوية البصريّ، وهو ثقة احتجّ به الجماعة، ولذلك صحح الترمذي الرواية الموصولة.

 مثال للزيادة في المتن:

ما رواه مسلم عن أبي مالك الأشجعيّ عن ربعيّ عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فضّلت على الناس بثلاث؛ جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء" ؛ فقد تفرّد أبو مالك الأشجعيّ برواية الحديث بهذه الزيادة "تربتها".

حكم زيادة الثقـة:

اختلف العلماء في قبول الزيادة من الثقة؛ فمنهم من قبلها مطلقاً وهو مذهب الفقهاء وأصحاب  الحديث حكاه عنهم الخطيب البغداديّ واختاره في الكفاية فقال: ( قال الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث: زيادة الثقة مقبولة إذا انفرد بها) ثم ذكر مذاهب أخرى، وقال: (والذي نختاره من هذه الأقوال أنّ الزيادة الواردة مقبولة على كلّ الوجوه، ومعمول بها إذا كان راويها عدلا حافظا ومتقنا ضابطا)([70]).

لكن تعقّبه الحافظ ابن رجب الحنبلي فقال: (ثم إنّ الخطيب تناقض، فذكر في كتاب الكفاية للناس مذاهب في اختلاف الرواة في إرسال الحديث ووصله، كلّها لا تعرف عن أحد من متقدّمي الحفّاظ، إنّما هي مأخوذة من كتب المتكلّمين. ثم إنّه اختار أنّ الزيادة من الثقة تقبل مطلقا كما نصره المتكلّمون وكثير من الفقهاء، وهذا يخالف تصرفه في كتاب تمييز المزيد([71])، وقد عاب تصرفه في كتاب تمييز المزيد بعض محدثي الفقهاء، وطمع فيه لموافقته لهم في كتاب الكفاية)([72]).

وما ذهب إليه الخطيب في الكفاية لم يجر على طريقة الأئمّة الحفّاظ، كما بيّنه طائفة من العلماء المحقّقين كابن دقيق العيد والعلائيّ والزيلعيّ وابن حجر وغيرهم.

قال الإمام ابن دقيق العيد: ( مَن حكى عن أهلِ الحديثِ أو أكثرِهم، أنّه إذا تعارض روايةُ مرسِل ومسنِد، أو رافع وواقف، أو ناقص وزائدٍ، أنّ الحكمَ للزائد، فلم يُصبْ في هذا الإطلاقِ؛ فإنّ ذلك ليس قانونًا مطّرِدا، وبمراجعة أحكامهم الجزئيةِ يعرف صوابَ ما نقول»([73]).

وقال الحافظ العلائيّ: (وأما أئمّةُ الحديثِ، فالمتقدّمون منهم كيحيى ابنِ سعيد القطّان، وعبدِ الرحمن بنِ مهديّ، ومن بعدهم كعليّ بنِ المدينيّ، وأحمدَ بنِ حنبل، ويحيى بنِ معينٍ، وهذه الطبقة، وكذلك من بعدهم كالبخاريّ وأبي حاتمٍ وأبي زرعةَ الرازييـْن، ومسلمٍ والنسائيِّ والترمذيِّ، وأمثالهِم، ثم الدارقطنيّ والخليليِّ، كلُّ هؤلاء يقتضي تصرّفُهم في الزيادة قبولاً وردّا الترجيحَ بالنسبةِ إلى ما يقوى عند الواحدِ منهم في كلِّ حديثٍ، ولا يحكمون في المسألةِ بحكمٍ كلِّيٍّ يعُمّ جميع الأحاديثِ، وهذا هو الحقُّ الصوابُ»([74]).

وقال الإمام الزيلعيّ: (فمن النّاس من يقبل زيادة الثّقة مطلقًا، ومنهم من لا يقبلها، والصّحيح التّفصيل؛ وهو أنّها تقبل في موضعٍ دون موضع، فتُقبل إذا كان الرّاوي الذي رواها حافظًا ثبْـتا، والذي لم يذكرها مثله، أو دونه في الثّقة، كما قبل النّاس زيادة مالك بن أنس، قوله: "من المسلمين"، في صدقة الفطر، واحتجّ بها أكثر العلماء، وتقبل في موضع آخر لقرائنَ تخصُّها، ومَن حَكم في ذلك حُكمًا عاما فقد غَلِط، بل كلّ زيادة لها حكمٌ يخصُّها، ففي موضع يجزم بصحّتها.. وفي موضع يغلب على الظّنّ صحّتها...وفي موضع يجزم بخطأ الزيادة... وفي موضع يغلب على الظنّ خطأها.. وفي موضع يتوقّف عن الزيادة...»([75]).

وقال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة: (واشتهر عند جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقًا من غير تفصيل، ولا يتأتّى ذلك على طريق المحدّثين الذين يشترطون في الصّحيح أن لا يكون شاذّا، ثم يفسِّرون الشّذوذ بمخالفة الثّقة لمن هو أوثق، والعجب ممّن أغفل ذلك منهم، مع اعترافه باشتراط انتفاء الشّذوذ في حدّ الصّحيح، وكذا الحسن. والمنقول عن أئمّة الحديث المتقدّمين كعبد الرحمن بن مهدي ويحيى القطان وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعليّ بن المدينيّ والبخاريّ وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائيّ والدارقطنيّ وغيرهم اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة»([76]).

وقال البقاعيّ- تلميذ ابن حجر-: «إنّ ابن الصلاح خلط هنا طريقة المحدّثين بطريقة الأصوليّين، فإنّ للحذّاق من المحدّثين في هذه المسألة نظرًا لم يحْكِهِ، وهو الذي لا ينبغي أن يعدل عنه، وذلك أنّهم لا يحكُمون فيها بحكم مطّرد، وإنّما يديرون ذلك على القرائن»([77]).

وهناك مذاهب أعرضنا عن ذكرها إذ ليس في شيء منها ما يعتمد، والصحيح ما عليه الأئمّة الحفّاظ المتقدّمين كما سبق في كلام ابن دقيق العيد والعلائيّ وغيرهما ممّن ذُكر، وهو الذي عليه العمل عندهم.

دواعي الزيادة من الثقة

أعني بذلك بيان كيفية حصول الزّيادة من الرّاوي، أو بيان أسباب زيادة الرّاوي في الحديث. وهذا أمر مهمّ في فهْمِ كلام أئمّةِ النّقد في تعليلِهم كثيرا من الزّيادات.

فلا شكّ أنّه لم يسلمْ كبير أحد من الوهَم في الرّواية، ولم ينج ثقةٌ من السّهو والنّسيانِ،  مهْما علا شأنه في درجة الحفظ والإتقانِ. فقد يهِم الثّقة برواية حديث يتفرّد به، كما أنّه قد يهِم في رواية زيادة على أصل حديثٍ، وإذا ثبت هذا فإنّه لا يجوز أن يُقالَ حينئذٍ إنّ زيادة الثّقةِ مقبولةٌ، ما دام قد ثبت وهَمُه في الرّواية، ولا اعتداد- بعد ذاك- بحاله من حيث توثيقُه. ومعلوم أنّ ثبوتَ الوهَم في الرّواية كعدم ورودها أصلاً.

ولكن قد يكون تفرّدُ الثقةِ بحديثٍ أو بجملةٍ منه عن علمٍ وحفظٍ، فيحمَل حديثُه أو زيادتُـه على الصّحّة، وهذا الأصل فيما لم يثبت وهَمُه في الرواية.

ويمكن تقرير أمرٍ مهمٍّ في هذا الموضوع، وهو أنّ كلَّ ما زاده الثقةُ ينبغي أن نسأل لِمَ زاد؟ فقد يكون زاد لخطأٍ ووهَمٍ حصل له، وقد يكون لزيادة حفظٍ وعِلمٍ. وبناءً على هذا السّؤال نستطيع فهْم كلام النّقاد في تصحيحهم لزيادات رواها ثقاتٌ أو تعليلهم لها.

وبناء عليه؛ فليس كلُّ ما نجده من زيادات الرّواة الثّقات يكون مقبولاً على الإطلاق، أو مردودًا على الإطلاق، بل يلزم النظرُ في أسبابِ تلك الزّيادةِ، فقد تكون-كما ذكرتُ- عن وهَمٍ، وقد تكون عن علمٍ وزيادة حفظٍ.

زيادة الثقة وأثرها في الاختلاف الفقهي:

والمعنى أنّ الاختلاف في الحكم بوهم الراوي الثقة أو إصابته في زيادة لفظة أو جملة في الحديث ونحو ذلك قد يرتّب اختلافاً في الحكم العمليّ بلا شك، والأمثلة على ذلك كثيرة، يترك للدرس التطبيقيّ إيراد الأمثلة على ذلك.

الدرس التطبيقيّ

Ø              قراءة في كتاب الكفاية في علم الرواية للخطيب البغداديّ، و في كتاب فتح المغيث للسخاويّ.

Ø              توضيح أقسام ما ينفرد به الثقة كما جاء في كتاب المقدمة لابن الصلاح، وبيان ذلك.

Ø             استخراج بعض الأمثلة على زيادة الثقة من كتب العلل- المقبول منها والمردود-، وشرحها.

Ø            بيان أثر الاختلاف في الحكم على زيادة الثقة في الاختلاف الفقهي ببعض الأمثلة.


الدرس النظريّ الحادي عشر

المتابعات والشواهد

أولا

المتابعة

تعريف:

المتابعات جمع متابعة، ويقال المتابِع وهو لغة: اسم فاعل من تابع يتابع متابعة فهو متابع، وتبيع، ويطلق على الناصر، ويقال: ما وجدت لي على فلان تبيعا، أي ناصرا. قال تعالى : )ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا(. كما يطلق على الموافق، يقال: تابعه على كذا إذا وافقه عليه.

اصطلاحا: هو الحديث الذي يشارك فيه رواته رواة الحديث الفرد لفظاً ومعنى، أو معنى فقط مع الاتحاد في الصحابيّ، وقيل: هو الحديث الذي يشارك فيه رواته رواة الحديث الفرد باللفظ سواء اتحد الصحابيّ أو اختلف.

ثانيا

 الشـاهد

تعريفه:

لغة: اسم فاعل من الشهادة، وهي الإخبار بما قد شوهد لتقوية دعوى المشهود له، سمي بذلك لأنه يشهد أنّ للحديث الفرد أصلاً ، ويقوّيه كما يقوّي الشاهد قول المدّعي ويدعّمه.

اصطلاحا: هو الحديث الذي يشارك فيه رواته رواة الحديث الفرد لفظاً ومعنى أو معنى فقط مع الاختلاف في الصحابيّ. وقيل: هو أن تحصل المشاركة لرواة الحديث الفرد بالمعنى سواء اتحد الصحابيّ أو اختلف.

قال الحافظ ابن حجر: (وخصّ قوم المتابعة بما حصل باللفظ سواء كان من رواية ذلك الصحابيّ أم لا، والشاهد بما حصل بالمعنى فقط. وقد تطلق المتابعة على الشاهد وبالعكس، والأمر فيه سهل)([78]). أي من حيث إنّ الفائدة من أيّ منهما هي تقويّة الحديث، وهي حاصلة سواء سمي شاهداً أو تابعاً.

تنبيـه:

جاء في مقدمة ابن الصلاح قوله رحمه الله في النوع الخامس عشر:"معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد"، هكذا، وظاهره يوهِم بأنّ الاعتبار قسيم للمتابع والشاهد، وليس كذلك، وإنّما الاعتبار هو البحث عن التابع والشاهد، ولذا علّق الحافظ ابن حجر عليه، فقال: (واعلم أنّ تتبّع الطرق من الجوامع والمسانيد والأجزاء لذلك الحديث الذي يظنّ أنه فرد ليعلم هل له متابع أم لا هو الاعتبار، وقول ابن الصلاح: "معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد" قد يوهم أنّ الاعتبار قسيم لهما، وليس كذلك بل هو هيئة التوصل إليهما). وعلّق الصنعانيّ بقوله: (حقّ العبارة أن يقول: معرفة الاعتبار للمتابع والشاهد).

زيادة إيضاح:

(الاعتبار هو أن نأتي إلى حديث لبعض الرواة، فنتتبّع الطرق والأسانيد لنعرف هل شاركه في رواية ذلك الحديث راو غيره من الرواة، بأن يرويه بلفظه أو بمعناه، من نفس السند أو من طريق صحابيّ آخر، أو لم يشاركه في روايته أحد، لا في اللفظ ولا في المعنى، فالاعتبار إذن ليس قسماً مقابلاً للمتابعات والشواهد كما قد يتوهّم، إنّما هو البحث في الأسانيد لمعرفة وجود المتابعات والشواهد أو عدم وجودها، أي لمعرفة تعدّد إسناد الحديث أو عدم تعدّده، ولمعرفة ورود حديث آخر أو عدم ذلك)([79]).

صورة الاعتبار

ذكر الحافظ ابن حبان مثالا لطريق الاعتبار في الأخبار وذلك أن يروي حماد بن سلمة حديثاً لم يُتابَع عليهِ ، عن أيوب، عن ابن سيرينَ ، عن أبي هريرة ، عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فيُنظر هل روى ذلك ثقة غيرُ أيّوب، عن ابن سيرين؟ فإن وُجد علم أنّ للخبر أصلاً يُرجع إليه، وإن لم يوجد ذلك، فثقة غيرُ ابن سيرين رواه عن أبي هريرة ، وإلاّ فصحابي غيرُ أبي هريرة رواه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فأيّ ذلك وُجد ، يُعلم بهِ أنّ للحديثِ أصلاً يرجع إليهِ وإلا فلا)[80].

فائدة:

قال ابن الصلاح: (وإذا قالوا في مثلِ هذا: "تفرّد بهِ أبو هريرة، وتفرّد بهِ عن أبي هريرة ابن سيرين، وتفرّد بهِ عن ابن سيرين أيّوب، وتفرّد بهِ عن أيوب حمّاد بنُ سلمة"، كان في ذلك إشعارٌ بانتفاء وجوه المتابعات فيه)([81]).

أنواع المتابعات:

اختصر الحافظ ابن حجر ذلك في قوله: (والمتابعة على مراتب: إن حصلت للراوي نفسه فهي تامّة، وإن حصلت لشيخه فمن فوقه فهي قاصرة)([82]).

زيادة توضيح:

من خلال كلام الحافظ ابن حجر يمكن تصنيف المتابعة إلى نوعين أو مرتبتين:

المتابعة التامّة: وهي التي تحصل للراوي نفسه بأن يروي حديثه راو آخر عن شيخه.

المتابعة القاصرة (أي الناقصة): وهي التي تحصل لشيخ الراوي بأن يروي الراوي الآخر الحديث عن شيخ شيخه، وكذا التي تحصل لمن فوق شيخ الراوي)([83]).

مثال يجمع بين المتابعة التامّة والقاصرة والشاهد

ما رواه الشافعيّ في "كتاب الأمّ " عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الشهر تسع وعشرون، لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين".

فهذا الحديث ظنّ قوم أنّ الشافعيّ تفرّد به عن مالك، فعدّوه من غرائبه؛ لأنّ أصحاب مالك رووه بهذا الإسناد بلفظ: "فإن غمّ عليكم فاقدروا له". لكن وجدنا للشافعيّ متابعاً وهو عبد الله بن مسلمة القعنبيّ، كذلك أخرجه البخاريّ عه عن مالك، وهذه متابعة تامة.

وله أيضا متابعة قاصرة في صحيح ابن خزيمة من رواية عاصم بن محمد عن أبيه محمد بن زيد عن جدّه عبد الله بن عمر بلفظ: "فكمّلوا ثلاثين"، وفي صحيح مسلم من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بلفظ: "فاقدروا ثلاثين".

وله متابعة قاصرة أخرى وذلك فيما رواه مسلم في صحيحه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر... الحديث بلفظ: "فاقدروا ثلاثين".

فهذه متابعة قاصرة؛ لأنّ الموافقة للشافعيّ وقعت في رواية الحديث عمن فوق شيخه وهو منا الصحابيّ.

أما الشاهد لهذا الحديث فما رواه النسائيّ  أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد قال حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن محمد بن حنين عن ابن عباس قال: (عجبت ممن يتقدم الشهر، وقد قال رسول الله   صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا. فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين"([84]).

ورواه البخاريّ قال: حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم أو قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه سلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غبّي عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين".

فهذان يوافقان حديث الشافعيّ لكنّهما من حديث صحابيّ آخر، فكلّ منهما شاهد لحديث الشافعيّ رحمه الله([85]).


رسم توضيحي لطرق هذا الحديث:

(متابعاته وشواهده)

(النبيّ r)

 


                      عبد الله بن عمر               أبو هريرة              ابن عباس

 

                                                                                     نافع

                                                                                                        

                    عبد الله بن دينار              محمد بن زيد                 عبيد الله بن عمر      محمد بن زياد               محمد بن حنين

                                                                             

                          مالك                   عاصم بن محمد                  أبو أسامة                شعبة                 عمرو بن دينار

                                                                            

الشافعيّ        عبد الله بن مسلمة                ابن خزيمة                     أبو بكر بن أبي شيبة        آدم                     سفيان      

                                                                

                                                                                مسلم               البخاريّ               محمد بن عبد الله

 


                                                                             النسائيّ  

 

 


   متابعة تامة                                                  متابعة قاصرة                         الشاهد 1                 الشاهد 2

 

 

 

 

متى يتقوّى الحديث بالمتابعات (شروط ذلك)

والمعنى: متى يعتدّ بالمتابع في تقوية الخبر؟ هل كلّ حديث ضعيف جاء من طريق آخر- غير متروك- يعتبر به، فينجبـر به ذلك الخبر الضعيف؟ الجواب: ليس كلّ متابع يصلح أن يعتبر به، إنّما يشترط لذلك شروط:

1- أن يكون ضعف الحديثين ضعفاً يسيراً كسوء حفظ في الراوي، أو إرسال ونحو ذلك، ولا يكون الضعف شديداً كفسق الراوي أو كذبه وغير ذلك.

قال الحافظ ابن حجر: (ومتى توبع السيئ الحفظ بمعتبر، كأن يكون فوقه أو مثله لا دونه، وكذا المختلط الذي لم يتميز والمستور والإسناد المرسل وكذا المدلس، إذا لم يعرف المحذوف منه صار حديثهم حسنا لا لذاته، بل وصفه بذلك باعتبار المجموع من المتابِع والمتابَع؛ لأنّ كلّ واحد منهم احتمال كون روايته صوابا أو غير صواب على حدّ سواء، فإذا جاءت من المعتبرين رواية موافقة لأحدهم رجح أحد الجانبين من الاحتمالين المذكورين، ودلّ ذلك على أنّ الحديث محفوظ، فارتقى من درجة التوقف إلى درجة القبول، والله أعلم. ومع ارتقائه إلى درجة القبول فهو منحط عن رتبة الحسن لذاته، وربما توقف بعضهم عن إطلاق اسم الحسن عليه)([86]).

2- أن لا يكون في الطريق المتابِع أو والمتابَع وهَمٌ وخطأ من بعض الرواة، فإنّ الوهَم والخطأ من الراوي يجعل الرواية كعدم ورودها.

3- أن لا يكون متن الحديث منكراً، فالمنكر منكر لا ينجبر، كما قال الإمام أحمد بن حنبل: «الحديث عن الضعفاء قد يحتاج إليه في وقت، والمنكر أبدًا منكر»([87]).

4- أن لا يكون في أحد الحديثين زيادة في المتن، فتكون المتابعة على أصل الحديث، فأمّا الزيادة فتحتاج إلى متابعة أخرى مع السلامة من الخطأ في كلّ ذلك.

 

أهمية معرفة المتابعات والشواهد

يستفاد من المتابعات والشواهد تقوية الأخبار، قال الحافظ ابن حجر: (صحّة الحديث وحسنه ليس تابعاً لحال الراوي فقط، بل لأمور تنضم إلى ذلك من المتابعات والشواهد وعدم الشذوذ والنكارة)([88]).

قلت: فإن كان الحديث صحيحاً بنقل الثقات زادته متابعاته وشواهده قوّةً، مع التنبيه على أنّه لا يضرّ الثقة عدم متابعته.

مثال ذلك:

ما رواه البخاريّ في صحيحه، قال: حدثنا الحميديّ عبد الله بن الزبير، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاريّ، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم التيميّ أنّه سمع علقمة بن وقّاص الليثيّ يقول: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنّما الأعمال بالنيات... الحديث".

ورواه من وجه آخر قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة بن وقّاص عن عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الأعمال بالنية...الحديث".

ومن وجه آخر عن حماد بن زيد عن يحيى به ...الخ

 (ب)- وإن كان الحديث حسنا زادته المتابعات أو الشواهد قوّة وصيّرته صحيحا لغيره كما هو مقرّر في علم المصطلح.

مثال ذلك:

حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسواك عند كلّ صلاة".

قال ابن الصلاح: (فمحمد بن عمرو بن علقمة من المشهورين بالصدق والصيانة لكنه لم يكن من أهل الإتقان حتى ضعفه بعضهم من جهة سوء حفظه ووثقه بعضهم لصدقه وجلالته، فحديثه من هذه الجهة حسن. فلما انضم إلى ذلك كونه روي من أوجه أخر زال بذلك ما كنّا نخشاه عليه من جهة سوء حفظه، وانجبر به ذلك النقص اليسير، فصحّ هذا الإسناد، والتحق بدرجة الصحيح)([89]).

قال الإمام الترمذيّ بعد إخراج هذا الحديث: (‏ ‏وقد‏ ‏روى هذا الحديث‏ ‏محمد بن إسحق‏ ‏عن ‏ ‏محمد بن إبراهيم عن ‏‏أبي سلمة‏ ‏عن ‏زيد بن خالد ‏عن النبي ‏صلى الله عليه وسلم‏ وحديث‏ ‏أبي سلمة‏ ‏عن أبي هريرة، ‏ ‏وزيد بن خالد ‏عن النبي ‏صلى الله عليه وسلم كلاهما عندي صحيح؛ لأنه قد روي من غير وجه عن ‏ ‏أبي هريرة ‏‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏هذا الحديث، وحديث‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏إنما صح لأنه قد روي من غير وجه، ‏ ‏وأما ‏ ‏محمد بن إسمعيل ‏‏فزعم أنّ حديث ‏أبي سلمة ‏عن ‏زيد بن خالد ‏‏أصحّ. ‏ ‏قال‏ ‏أبو عيسى:‏ ‏وفي ‏‏الباب ‏عن ‏أبي بكر الصديق ‏ ‏وعليّ ‏ ‏وعائشة، ‏وابن عباس،‏ ‏وحذيفة، ‏وزيد بن خالد، ‏ ‏وأنس، ‏وعبد الله بن عمرو، ‏ ‏وابن عمر، ‏‏وأم حبيبة، ‏وأبي أمامة، ‏وأبي أيوب، ‏‏وتمام بن عباس، ‏ ‏وعبد الله بن حنظلة، ‏‏وأم سلمة،  ‏وواثلة بن الأسقع، ‏‏وأبي موسى)([90]).‏

(ج) - وإن كان ضعيفاً ضعفاً يسيراً- مع عدم الوهَم والخطأ من بعض رواته-، زادته قوّة وجبرته، وصار بها حسَناً لغيره كما هو مقرّر في مصطلح الحديث.

مثال ذلك:

ما رواه الترمذيّ من طريق شعبة عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: (إنّ امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟" قالت: نعم. قال: فأجازه النبيّ صلى الله عليه وسلم). قال الترمذيّ : (هذا حديث حسن. وفي الباب عن عمر، وأبي هريرة، وعائشة، وأبي حدرد، رضي الله عنهم...

قال الحافظ ابن حجر: وعاصم بن عبيد الله قد ضعفه الجمهور، ووصفوه بسوء الحفظ، وعاب ابن عيينة على شعبة الرواية عنه. وقد حسن الترمذي حديثه لمجيئه من غير وجه كما شرط)([91]).

تتمـّة:

(لما كان المقصود بالمتابعات والشواهد التقوية، فإنّ المحدّثين يتساهلون فيقبلون فيها رواية من لا يحتجّ بحديثه وحده، بل يكون معدودا في الضعفاء، وفي كتابي البخاري ومسلم جماعة من الضعفاء ذكراهم في المتابعات والشواهد وليس كل ضعيف يصلح لذلك، ولهذا يقول الدارقطنيّ وغيره: فلان يعتبر به، وفلان لا يعتبر به)([92]).

الدرس التطبيقي

Ø        قراءة في كتاب "منهج النقد في علوم الحديث" للدكتور نور الدين عتر، و"شرح النخبة" للحافظ ابن حجر.

Ø        قراءة في كتاب النكت للحافظ ابن حجر في الحديث الحسن عند الترمذيّ والوقوف على الأمثلة التي ذكرها الحافظ في منهج تقوية الحسن بالمتابعات والشواهد عند الترمذيّ.

Ø        قراءة في طريقة الشّيخ ناصر الدين الألبانـيّ رحمه الله في تقوية الأحاديث بالمتابعات والشواهد.

Ø        تخريج حديث: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" بالطرق التي أحال عليها الإمام الترمذيّ.

 

        


الدرس النظريّ الثاني عشر

 

الإسناد العالي والنازل

أولا:

الإسناد العالي

تعريف الإسناد العالي

 (هو الذي قلّ عدد رجاله بالنسبة إلى سند آخر يرد به ذلك الحديث بعدد أقل)[93]، ومنه إذا تقدم سماع راويه، أو تقدمت وفاة شيخه([94]).

توضيح:

الإسناد الذي تقلّ الوسائط بين الراوي وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم يسمى الإسناد العالي، مع اشترط الاتصال فيه؛ فإنّ مثل إسناد هشيم عن حميد عن أنس هكذا بالعنعنة من غير تصريح بالسماع مما يتوقف فيه لما علم من تدليس هشيم وحميد، فهذا الإسناد فيه مظنة الانقطاع.

والإسناد الذي تكثر الوسائط بين الراوي وبين النبي صلى الله عليه وسلم يسمى الإسناد النازل.

(والقلة والكثرة المذكورة ليست مطلقة، بل هي بالنسبة إلى سند آخر للحديث نفسه، فإن رواه راو بأربعة حلقات حتى يصل به إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، ورواه آخر بخمسة حلقات، فرواية الأوّل أعلى من الثاني. (انظر الشكل)          النبيّ صلّى الله عليه وسلم

 

 

 


                                                                                                                                       

                                             

                                                                                                                               

 

                                         1                                2                          3

فالسند الأوّل عال بالنسبة إلى الثاني والثالث؛ لأنّ عدد حلقاته أقلّ منهما. والسند الثالث نازل بالنسبة إلى الأول والثاني؛ لأنّ عدد حلقاته أكثر منهما)([95]).

- والعلوّ بتقدم سماع الراوي من الشيخ، أو بتقدّم وفاة الشيخ، سيأتي بيانه-     

وطلب علوّ الإسناد سنّةُ مَن مضى من السلف، ولذلك استحبّوا الرحلة من أجله، قال الإمام أحمد رحمه الله: (طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف)، وقيل للإمام يحيى بن معين في مرضه الذي مات فيه: ما تشتهي؟ قال: "بيت خالي، وإسناد عالي".

أمثلة عن الإسناد العالي

المثال الأول: من موطأ الإمام مالك

مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الذي تفوته صلاة العصر كأنما وُتر أهله وماله".

فهذا الإسناد ثنائي، بينه مالك وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم راويان وهما: نافع وابن عمر. وأعلى ما في الموطأ ثنائيّ.

المثال الثاني: من مسند أحمد بن حنبل:

قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان قال: قلت لعمر: سمعت جابراً يقول: مرّ رجل في المسجد معه سهام، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: "أمسك بنصلها؟" قال: نعم.

فهذا إسناد ثلاثيّ([96])، رواه أحمد بثلاث وسائط، وهم سفيان وعمر وجابر. وفي المسند اثنان وثلاثون وثلاثمائة حديث ثلاثيّ. وأعلى ما في المسند ثلاثيّ. وقد جمع العلاّمة الشيخ محمد بن أحمد السفاريني الحنبليّ (ت: 1188هـ) ثلاثيات المسند في كتاب سماه: "نفثات صدر المكمد، وقرّة عين الأرمد، لشرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد". طبع عدّة طبعات.

المثال الثالث: من صحيح البخاريّ

قال البخاريّ: حدثنا مكيّ بن إبراهيم قال: حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة قال : سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: "من يقل عليَّ ما لم أقل، فليتبوّأ مقعده من النار".

فهذا إسناد ثلاثيّ عال، رواه البخاريّ بثلاث وسائط بينه وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهم مكيّ بن إبراهيم ويزيد بن عبيد وسلمة بن الأكوع.

وفي صحيح البخاريّ اثنان وعشرون حديثًا ثلاثيـًّا، وهي على التفصيل الآتـي:

أحد عشر حديثًا عن المكيّ بن إبراهيم عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع. وستّة أحاديث عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد النبيل عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع. وثلاثة أحاديث عن محمد بن عبد الله الأنصاري عن حميد عن أنس. وحديث واحد عن عصام بن خالد عن حريز بن عثمان عن عبد الله بن بسر. وحديث واحد عن خلاد بن يحيى الكوفيّ عن عيسى بن طهمان عن أنس.

وقد جمعها الشيخ عبد الصبور بن الشيخ عبد التواب الملتانـي (1349هـ) في جزء سماه : "إنعام المنعم الباري بشرح ثلاثيات البخاري" ([97]).

وأعلى ما في صحيح البخاري ثلاثيّ.

دليل استحباب طلب العلوّ:

ما رواه مسلم رحمه الله من حديث ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يأتيه الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع. فأتاه رجل منهم فقال: يا محمد ، أتانا رسولك فزعم أنّ الله أرسلك. قال: ّصدق". قال: فمن خلق السماء؟ قال: "الله". قال: فمن خلق الأرض قال: "الله". قال: فمن نصب هذه الجبال؟ قال: "الله". قال: فمن جعل فيها هذه المنافع؟ قال: "الله". قال: فبالذي خلق السماء والأرض ونصب الجبال وجعل فيها هذه المنافع، آلله أرسلك؟ قال: "نعم". قال: وزعم رسولك أنّ علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا. قال : "صدق". قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم". قال: وزعم رسولك أنّ علينا صدقة في أموالنا. قال: "صدق". قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم".قال: وزعم رسولك أنّ علينا صوم شهر في سنتنا. قال: "صدق". قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم". قال: وزعم رسولك أنّ علينا حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا. قال: "صدق". قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم". قال: والذي بعثك بالحقّ لا أزيد عليهنّ ولا أنقص منهنّ. فلما مضى، قال: "لئن صدق ليدخلن الجنّة".

قال الحاكم النيسابوريّ في المعرفة بعد رواية هذا الحديث: (...وفيه دليل على إجازة طلب المرء العلو من الإسناد على النزول فيه، وإن كان سماعه عن الثقة إذ البدوي لما جاءه رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما فرض الله عليهم لم يقنعه ذلك حتى رحل بنفسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع منه ما بلّغه الرسول عنه. ولو كان طلب العلوّ في الإسناد غير مستحبّ  لأنكر عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم سؤاله إياه عمّا أخبره رسوله عنه ولأمره بالاقتصار على ما أخبره الرسول عنه)([98]).

ما العلّة في استحباب طلب العلو في الإسناد

بيّن ذلك الإمام ابن الصلاح فقال: (العلوّ يبعد الإسناد عن الخلل؛ لأنّ كلّ رجل من رجاله يحتمل أن يقع الخلل من جهته سهواً أو عمداً، ففي قلّتهم قلّة جهات الخلل، وفي كثرتهم كثرة جهات الخلل، وهذا جليّ واضح)([99]).

وقال الحافظ ابن حجر: (وإنما كان العلو مرغوبا فيه لكونه أقرب إلى الصحّة وقلّة الخطأ؛ لأنّه ما من راو من رجال الإسناد إلا والخطأ عليه، فكلما كثرت الوسائط وطال السند كثرت مظان التجويز، وكلما قلّت قلّت)([100]).

أقسام العلـوّ

العلو في الإسناد على خمسة أقسام:

الأول: القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسناد نظيف غير ضعيف، وذلك من أجلّ أنواع العلو([101])، وهذا العلوّ المطلق.

الثاني: القرب من إمام من أئمّة الحديث كشعبة ومالك والثوريّ والأعمش ونحوهم أي يقلّ العدد فيه إلى ذلك الإمام ولو كثر العدد من ذلك الإمام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلى منتهاه، قال الحاكم في المعرفة: (وكذلك كلّ إسناد من الإمام المذكور فيه- يعني الأعمش-، فإذا صحّت الرواية إلى ذلك الإمام بالعدد اليسير فإنّه عال)([102]). وهذا علوّ نسبيّ.

الثالث: العلوّ بالنسبة إلى كتاب من كتب الحديث المشهورة والمعتمدة كالصحيحين وغيرهما. ويتفرّع عن هذا القسم أربعة فروع:

الأول: الموافقة. الثاني: البدل أو الإبدال. الثالث: المساواة. الرابع: المصافحة.

فأما الموافقة: فهي الوصول إلى شيخ أحد المصنّفين من غير طريقه، ومثّل لذلك الحافظ ابن حجر بأن يروي البخاريّ عن قتيبة عن مالك حديثا، قال: (فلو رويناه من طريقه كان بيننا وبين قتيبة ثمانية، ولو رويناه من طريق أبي العباس السراج عن قتيبة مثلا لكان بيننا وبين قتيبة فيه سبعة، فقد حصلت لنا الموافقة مع البخاريّ في شيخه بعينه مع علوّ الإسناد على الإسناد إليه)([103]).

والبدل أو الإبدال: (هو الوصول إلى شيخ شيخه كذلك، كأن يقع لنا ذلك الإسناد بعينه من طريق أخرى إلى القعنبيّ عن مالك، فيكون القعنبيّ بدلا من قتيبة)([104]).

والمساواة: (هي استواء عدد الإسناد من الراوي إلى آخره- أي الإسناد- مع إسناد أحد المصنّفين؛ كأن يروي النسائيّ مثلا حديثا يقع بينه وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم فيه أحد عشر نفسا، فيقع لنا ذلك الحديث بعينه بإسناد آخر إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يقع فيه بيننا وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم أحد عشر نفسا، فنساوي النسائيّ من حيث العدد مع قطع النظر عن ملاحظة ذلك الإسناد الخاص)([105]).

والمصافحة: (وهي الاستواء مع تلميذ ذلك المصنف على الوجه المشروح أولا([106])، وسميت مصافحة لأنّ العادة جرت في الغالب بالمصافحة بين من تلاقيا، فنحن في هذه الصورة كأنا لاقينا النسائيّ ، فكأنا صافحناه)([107]).

 

فائدة:

قال ابن الصلاح: (اعلم أنّ هذا النوع من العلوّ علوٌّ تابع لنـزول؛ إذ لولا نزول ذلك الإمام في إسناده لم تعلُ أنت في إسنادك). ثم حكى عن أبي المظفر السمعانيّ أنّه روى عن الفراويّ حديثاً ادعى فيه أنه كأنّه سمعه هو أو شيخه من البخاريّ، فقال أبو المظفر: ليس لك بعالٍ، ولكنه للبخاريّ نازل. ثم قال ابن الصلاح: وهذا حسن لطيف يخدش وجه هذا النوع من العلو، والله أعلم)([108]).

الرابع: ومن أنواع العلو العلوّ بتقدّم وفاة الراوي: وذلك بأن يتقدّم موت الراوي في هذا السند على موت الراوي الذي في السند الآخر، وإن كان الإسنادان متساويين في العدد([109])، ومن ذلك قول النووي في التقريب: (فما أرويه عن ثلاثة عن البيهقي عن الحاكم أعلى مما أرويه عن ثلاثة عن أبي بكر بن خلف عن الحاكم، لتقدّم وفاة البيهقي على ابن خلف)([110]).

الخامس: العلوّ بتقدّم السّماع من الشّيخ، بأن يسمع الراوي من الشّيخ قبل غيره. قال النوويّ: (ويمتاز بأن يسمع شخصان من شيخ، وسماع أحدهما من ستين سنة مثلا، والآخر من أربعين، وتساوى العدد إليهما، فالأول أعلى)([111]).

وذهب بعضهم إلى جعل الأخيرين قسما واحدا.


ثانيا

الإسناد النازل

والنازل من النـزول وهو ضد العلو، و(الإسناد النازل هو الذي كثر عدد رجاله بالنسبة إلى سند آخر يرد به ذلك الحديث بعدد أقلّ)[112].

مثالـه: ما رواه البخاريّ بتسعة رجال، فقال: حدثنا إسماعيل([113]) حدثني أخي عن سليمان([114]) عن محمد بن أبي عتيق عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير أنّ زينب ابنة أبي سلمة حدثته عن أمّ حبيبة بنت أبي سفيان عن زينب ابنة جحش أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوماً فزعاً يقول: لا إله إلا الله ، ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه- وحلّق بإصبعيه الإبهام والتي تليها- قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال : نعم، إذا كثر الخبَث".

فهذا الإسناد نازل، (ويقال إنّه أطول سندا في البخاريّ؛ فإنّه تساعيّ)([115]).

ورواه بأقل من هذا- بثمانية رجال-، فقال: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير: أن زينب بنت أبي سلمة حدثته، عن أم حبيبة بنت أبي سفيان، عن زينب بنت جحش رضي الله عنهن: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعًا يقول: "...الحديث".

بل قد رواه من وجهٍ آخر بسبعة رجال فقال: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهريّ به.." ومن وجه آخر بسبعة كذلك، قال: حدثنا مالك بن إسماعيل: حدثنا ابن عيينة أنه سمع الزهريّ  عن عروة ... به"

 (انظر الشكل)


النبي صلى الله عليه وسلم

زينب بنت جحش

أمّ حبيبة ابنة أبي سفيان

زنيب ابنة أبي سلمة

    عروة  بن  الزبير

 

   الزهـريّ

 

محمد بن أبي عتيق                       عقيل                   ابن عيينة               شعيب بن أبي حمزة

 

سليمان بن بلال                   الليث بن سعد           مالك بن إسماعيل               أبو اليمان

 

                                   

                                            عبد الحميد بن أبي أويس            يحيى بن بكير

 

                                     

                                           إسماعيل بن أبي أويس

(إسناد تساعي)               (إسناد ثماني)              (إسناد سباعي)           (إسناد سباعي)


أقسام النـزول:

وهو خمسة أقسام، تفصيلها يُدرك من تفصيل أقسام العلوّ، وهو مرغوب عنه، قال الإمام عليّ بن المدينيّ: (النـزول شؤم)، وقال يحيى بن معين: ( الإسناد النازل قرحة في الوحه). 

تنبيــه:

استثنى المحدّثون من تفضيل العلوّ ما إذا كان مع النـزول ما يجبره، ويجعل له مزيّة على الإسناد العالي؛ كأن يوجد في النازل زيادة يرويها ثقة، أو يكون رجال الإسناد النازل أحفظ أو أفقه، قال وكيع بن الجرّاح لتلامذته: "أيّهما أحبّ إليكم أن أحدّثكم: عن سليمان الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أو أحدّثكم عن سفيان الثوريّ عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود؟". قالوا: نحبّ الأعمش؛ فإنّه أقرب إسنادا"، قال: "ويْحكم!، الأعمش شيخ ولكن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة فقيه عن فقيه عن فقيه")([116]).

 

الدرس التطبيقي

1 - قراءة في كتاب مقدمة ابن الصلاح وغيره، والبحث في العلوّ النسبيّ وفروعه: الموافقة، والبدل، والمساواة، والمصافحة.

2 - الوقوف على ثلاثيات الإمام أحمد واستخراجها من المسند، وكذلك ثلاثيات الإمام البخاريّ واستخراجها من صحيحه.

 


الدرس النظريّ الثالث عشر

 

الحديث المسلسل

تعريفه:

لغة: (اسم مفعول من السلسلة وهي اتصال الشيء بالشيء، ومنه سلسلة الحديد، وكأنه سمي بذلك لشبهه بالسلسلة من ناحية الاتصال والتماثل بين الأجزاء)([117]).

واصطلاحا: هو تتابع رجال الإسناد وتواردهم فيه واحدا بعد واحد على صفة واحدة أو حالة واحدة للرواة تارة و للرواية تارة([118]).

توضيح: والمعنى أنّ المسلسل هو توالي رواة إسناده على الاشتراك في حالة واحدة أو الاشتراك في صفة واحدة لهم. أو الاشتراك في صفة واحدة للرواية.

ومن خلال هذا التوضيح يمكن تقسيم أنواع المسلسل إلى ثلاثة أنواع:

النوع الأول: المسلسل بأحوال الرواة