وزارة العليم العالي والبحث العلمي
جامعة الأمير عبد القادر
كلية أصول الدين
للعلوم
الإسلامية
قسم الكتاب والسنة
قسنطينة
إعداد
الدكتور
السنة
الدراسية: 1429 ـ 1430هـ
المــوافـق:
2008 ـ2009 م

المفـردات:
1 ـ إعجاز القرءان الكريم
2 ـ المحكم والمتشابه في القرءان الكريم
3 ـ ترجمة القرءان الكريم
4 ـ نزول القرءان الكريم على سبعة أحرف
5 ـ ترتيب آيات القرءان الكريم وسوره
6 ـ موهم الاختلاف والتناقض في القرءان الكريم
7 ـ غريب القرءان الكريم
8 ـ مبهمات القرءان الكريم
9 ـ الحقيقة والمجاز في القرءان الكريم
10 ـ الوجوه والنظائر في القرءان الكريم
المصـادر والمراجـع
1 ـ البرهان في علوم القرءان بدر الدين
الزركشي
2 ـ الإتقان في علوم القرءان جلال الدين
السيوطي
3 ـ التحبير في علم التفسير جلال الدين
السيوطي
4 ـ جامع البيان عن تأويل آي القرءان (المقدمة) محمد بن جرير الطبري
5 ـ الجامع لأحكام القرءان (المقدمة) محمد بن أحمد القرطبي
6 ـ تفسير التحرير والتنوير ( المقدمة) محمد الطاهر بن عاشور
7 ـ مناهل العرفان في علوم القرءان عبد العظيم
الزرقاني
8 ـ أصول التفسير وقواعده خالد عبد
الرحمن العك
9 ـ مباحث في علوم القرءان صبحي الصالح
10 ـ مباحث في علوم القرءان مناع القطان
1 ـ إعـجـاز القـرءان
تصميم المحاضرة:
1 ـ تعريف .
ـ القدر المعجز من
القرءان.
ـ في القرءان آلاف
المعجزات.
ـ معجزات القرءان
الكريم خالدة
ـ لغة الإعجاز كانت
عربية.
ـ منبع الإعجاز في
القرءان الكريم.
أولا : نظرية الصرفة .
ثانيا: نظرية النظم
(النحو).
ثالثا: نظرية النظم
الموسيقي.
رابعا: نظرية التصوير
الفني.
رأينا في الموضوع.
وجوه أخرى في الإعجاز
القرءاني:
الوجه الأول: طريقة
تأليفه.
الوجه الثاني: علومه
ومعارفه.
الوجه الثالث: وفاؤه
بحاجات البشر .
الوجه الرابع: العلوم
الكونية في القرءان الكريم.
الوجه الخامس: أنباء
الغيب.
الوجه السادس: آيات
العتاب ودلالاتها الإعجازية.
الوجه السابع: ما نزل
من القرءان بعد طول انتظار.
الوجه الثامن: آيات
التحدى والمباهلة.
خاتمة
تعريـف
تعرف المعجزة بأنها "الأمر
الخارق للعادة المقرون بالتحدي الـسالم من المعارضة"[1]
, أما إعجاز القران فهو مركب إضافي معناه في اللغة إثبات القرءان لعجز الخلائق عـن
الإتيان بما تحداهم به, وهذا التعجيز المذكور ليس مقصودا لذاته, بل المقصود لازمه,
وهو إظهار أن هذا الكتاب حق, وأن الرسول الذي جاء به رسول صدق, وكذلك الشأن
بالنسبة لكل معجزات الأنبياء ليس المقصود بها تعجيز الخلق لذات التعجيز, ولكن
للازمه وهو دلالتهم على أنهم صادقون فيما يبلغون عن الله تعالى، وفي هذا المعنى
جاء الحديث :(ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان
الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا)[2]
.
القدر المعجز من
القران:
كان أول ما تحدى به القرءان
الكريم معانديه أن يأتوا بمثله فقال:"أم يقولون تقوله بــل لا يؤمنون .
فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين"[3]
فلما عجزوا تنازل لهم عن التحدي بجميع القرءان إلى التحدي بعشر سورة من مثله
فقال:" أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم
من دون الله إن كنتم صادقين"[4]
فلما عجزوا في المرة الثانية أرخى لهم الجبل وطاولهم بالإتيان بسورة واحدة مثله
فقال:" وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا
شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين . فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي
وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين" سورة البقرة"[5]
فكان عجزهم في هذه الدرجة أشنع و أبشع, وسجل عليهم القران الهزيمة أبد الدهر
بالصيغة الدالة على المستقبل, وبهذا تبين لنا أن القدر المعجز من القران هو ما
يقدر بأقصر سورة منه, وأن الـقائلين بأن المعجز هو كل القرءان لا بعضه كالمعتزلة,
أو أن المعجز هو كل ما يصدق عليه أنه قرءان ولو آية, كل أولئك جانبوا الصواب, وهم
محجوبون بما بين أيدينا من الآيات.
في القرءان الكريم آلاف المعجزات
وإذا كان القرءان الكريم يزيد عن
مائتين وستة آلف آية، وعلمنا أن حبل التحدي قد ارتخى إلى حد المطالبة بمثل أقصر
سورة في القرءان وهي ثلاث آيات قصار، وأن مقدارها من آية أو آيات طويلة له حكم
السورة، فإننا ننتهي في ضوء هذه المقدمات إلى القول بأن القرءان يشتمـل على آلاف
المعجزات في جانبه البياني إلى جانب المعجزات الأخرى في وجوه الإعجاز التي
سنذكرها.
معجزات القرءان خالدة:
ولما كانت هذه المعجزات مرتبطة
ببقاء القرءان فهي إذن معجزات خالدة مادامت السماوات والأرض, فتبقى هذه المعجزات
تتحدى كل مكابر, وتخرس كل أفاك أو معاند، ومن هنا يظهر الفرق بين المعجزات التي
نزلت على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومعجزات غيره من الأنبياء, فمعجزة محمد ـ صلى الله
عليه وسلم ـ في القرءان وحده تربو عن الآلاف, وهي معجزات تتمتع
بالبقاء يوما بعد يوم، أما معجزات سائر الأنبياء فمحدودة العدد, قصيرة الأمد, ذهبت
بذهاب زمانهم وماتت بموتهم, ولا يسلم لهم شاهد عدل على ثبوتها إلا القرءان, وتلك
نعمة يمن بها القرءان على سائر الكتب والرسل السابقين.
لغة الإعجاز كانت
عربية:
لما قضت حكمة الله تعالى أن تكون
رسالة نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ آخر الرسالات وخاتمها، اختار أن تكون معجزة الإسلام صالحة للبقاء, فكانت
كلاما يتلى في أذن الدهر, وحديثا يقرأ على سمع الزمان, كما اختار الله تعالى اللغة
العربية لتكون أداة لهذا الإعجاز، لأن اللغة العربية حين بعث الرسول ـ
صلى الله عليه وسلم ـ كانت قد بلغت أوج عظمتها من
الاعتناء بها, و الاعتداد بالنابغين فيها. وكان العرب قد استكملوا حينئذ ملكة
النقد والمفاضلة التي تؤهلهم بسهولة للحكم على جيد الكلام وغثه. فكان الناس بعد
ذلك أجدر أن يتلقوا شهادة هؤلاء بالقبول في حق القرءان[6]،
كما يتلقى بالقبول شهادة لجان التحكيم في هذا العصر, ثقة منهم بأنهم فنيون يحسنون
الملاحظة و النقد و المفاضلة، واطمئنانا إلى أنهم عادلون لا يعرفون المحاباة, بل
شهادة هؤلاء العرب أولى و أزكى وأعدل, لأنها صدرت عن أعداء القرءان حين نزوله،
وبعد محاولات و منازلات, والفضل ما شهدت به الأعداء[7].
منبع الإعجاز في
القرءان الكريم
اتفق العلماء على أن القرءان
الكريم كتاب معجز ، وهو بذلك يمثل المعجزة القائمة التي تشهد على صدق نبوة محمد
الأمي، ولكنهم اختلفوا في تعيين سر هذا الإعجاز ومنبعه في القرءان الكريم، وهذا
راجع إلى عدة أسباب هي :
1 ـ أن القرءان الكريم قد صرح في أكثر من آية أنه معجز، وتحداهم الله تعالى
على أن يأتوا بمثله ، ولكنه لم يصرح بوجه هذا الإعجاز على سبيل الحصر والتعيين، بل
ترك إعجازه مطلقا .
2 ـ أن تعدد وجوه الإعجاز في القرءان الكريم وتنوعها جعل كل باحث يبلغ مناه
ويدرك بغيته، فيقف عنده، ويقول من هنا ينبع سر الإعجاز في القرءان الكريم.
3 ـ أن الدارسين لإعجاز القرءان قد انطلق كل واحد منهم من زاوية تخصصه، أو
من الفن الذي برز ونبغ فيه، ومن ثمة نجد كل دارس تمسك بالحقيقة من الزاوية التي
نظر إليها، وقال من هنا ينبع إعجاز القرءان وهنا يكمن سره، والحقيقة أن كل واحد من
هؤلاء يكون قد أمسك بجانب من جوانب الموضوع بحسب ما انكشف له، في حين أن القرءان
الكريم معجز بتلك الوجوه كلها، وهذا ما يقودنا إلى الحديث عن نظريات الإعجاز
القرءاني وهي كالآتي :
أولا : نظرية الصرفة
تنسب هذه النظرية إلى النظام
المعتزلي[8]،
حيث ذهب إلى أن إعجاز القرءان كان بالصرفة ، بمعنى أن الله تعالى صرف قلوب بلغاء
العرب عن المحاولة ، أو أن الإعجاز إنما يكمن في كون الله تعالى سلب قدراتهم في كل
محاولة لمعارضة القرءان ومحاكاته، ولو أن الله تعالى لم يحل بينهم وبين المحاولة
لاستطاعوا أن يأتوا بمثله، لأن القرءان خاطبهم بلسان يعرفونه، وبلغوا شأوا لا مزيد
عليه في فنون الخطاب شعرا ونثرا، وعليه يكون الإعجاز إنما هو واقع بقدرة الله على
صرف القلوب وسلب الإرادات عن المحاولة، وليس ببلاغة أسلوب القرءان وتميزه.
والحق أن هذه أضعف النظريات في
تعليل سر الإعجاز القرءاني[9]
، وهي ظاهرة الفساد بالأدلة النقلية والعقلية المتظاهرة ، ولذا نجد أن هذه النظرية
قد تكفل المعتزلة أنفسهم بنقضها والرد عليها وفي مقدمتهم الجاحظ(255هـ)في كتابه
نظم القرءان، لأنها تصادم صريح النص القرءاني "قل لئن اجتمعت الإنس والجن على
أن يأتوا بمثل هذا القرءان لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا "[10]
فما فائدة دعوة الإنس والجن للاجتماع والمحاولة إذا كانوا مسلوبي الإرادة؟
ويبدو أن هذه النظرية إنما ذهب
إليها بعض متكلمي المعتزلة متأثرين بأفكار خارجية وافدة عبر حركة الترجمة التي
عرفها ذلك العصر، فقد كان أتباع الديانة البرهمية يزعمون أن كتاب
"الفيدا" معجز ، وأن الإعجاز إنما هو واقع بصرف الآلهة للقلوب عن
المحاولة[11].
ومن باب قولهم"رب ضارة
نافعة" فقد كان القول بنظرية الصرفة في تعليل الإعجاز القرءاني أحد المحفزات
لكثير من الكتابات في الموضوع بعدئذ، وفي ظل تلك الكتابات والدراسات نشأت علوم
البلاغة العربية.
ثانيا:نظرية
النظم(النحو)
ولعل هذه النظرية التي تظاهر عدد
من العلماء في نصرتها وتجليتها حتى استوت على سوقها على يد الإمام عبد القاهر
الجرجاني[12]
هي أبرز ما قدمه القدماء من دراسات حول منبع الإعجاز وسره في القرءان الكريم.
وفحوى هذه النظرية أن أفراد
الكلام لا تظهر فيه فصاحة الكلام وبلاغته ، وإنما تظهر بالضم والترابط على طريقة
مخصوصة ، وإنما تكون هذه الأحوال من الترابط بترتيب الكلام إسما وفعلا وحرفا على
سبيل التقديم والتأخير والبسط والإيجاز والإظهار والإضمار، لأن معاني المفردات في
ذاتها لا تزيد ولا تنقص ، ولا تتجدد ولا تتبدل ، وإنما تكتسب هذه المفردات من
الزيادة والجدة في المعنى بالتراكيب المختلفة[13]،
ومثال ذلك قوله تعالى:"وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد
قدر"[14]
فهي أبلغ من قولنا "وفجرنا عيون الأرض" أو أي صيغة أخرى من الصيغ التي
تحتملها هذه الجملة، ومثل هذا كثير في القرءان لكريم ، ومن هنا رأى أصحاب ه
النظرية أن النظم النحوي هو أبرز جانب وأظهره في تعليل إعجاز القرءان الكريم..
ثالثا : نظرية النظم الموسيقي
ويمثل هذه النظرية في العصر
الحديث الأديب الناقد مصطفى صادق الرافعي[15]
، وقد انطلق الرافعي في نظريته هذه من الحروف وأصواتها، ثم من الحركة الصرفية
واللغوية للألفاظ القرءانية المشتملة على تلك الحروف.
يقول الرافعي (وحسبك بهذا
اعتبارا في إعجاز النظم الموسيقي في القرءان ، وأنه مما لا يتعلق به أحد ، ولا
يتفق على ذلك الوجه الذي هو فيه إلا فيه ـ أي القرءان ـ لترتيب حروفه باعتبار من
أصواتها ومخارجها ومناسبة بعض ذلك لبعض مناسبة طبيعية في الهمس والجهر والشدة
والرخاوة والتفخيم والترقيق والتفشي والتكرار ..)[16]
(وما هذه الفواصل التي تنتهي بها
آيات القرءان إلا صور تامة للأبعاد التي تنتهي بها جمل الموسيقى ، وهي متفقة مع
آياتها في قرار الصوت اتفاقا عجيبا يلائم نوع الصوت والوجه الذي يساق عليه بما ليس
وراءه في العجب مذهب ..
ولهذا كان النص القرءاني قابلا
للتلاوة على طريقة الترتيل ، وعلى طريقة الألحان والأوزان ، ولم تكن قطعة من نثر
فصحاء العرب أو غيرهم قابلة لذلك..)[17]
رابعا:نظرية التصوير الفني في القرءان الكريم
وتنسب هذه النظرية إلى الأديب
الناقد والمفكر الإسلامي سيد قطب (ت1966م) فكان يرى أن إعجاز القرءان وإن تجلى في
نظمه، فهو لا يقتصر عليه بل هناك جانب آخر أكثر تجليا لأهل البلاغة والحس الجمالي
، وهو التصوير الفني .
يقول سيد قطب :(التصوير هو
الأداة المفضلة في أسلوب القرءان، فهو يعبر بالصورة المحسوسة والحية عن المعنى
الذهني المجرد، ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة والحركة، فإذا المعنى
المجرد قائما للعيان حاضرا أمام الحواس، فإذا أضاف إليها الحوار استوت واكتملت
عناصر الجمال والإعجاب فيها، وانتقل قارئ القرءان من المعنى المجرد إلى الصورة
المشهودة ، فيزداد تأثرا واستجابة ، وهذا واضح في سور القرءان ، في أمثاله وقصصه وأخباره بكثرة ..)[18].
وقد أكد سيد قطب هذا الاتجاه في
تفسيره "في ظلال القرءان" ولما اكتملت النظرية في ذهنه أفردها بتأليف خاص
سماه "التصوير الفني في القرءان".
رأينا في الموضوع
إن المتأمل في موضوع الإعجاز
القرءاني بكل مظاهره المتنوعة والمتزايدة يوما بعد يوم يلحظ أن إعجاز القرءان أكبر
وأوسع بكثير من أن يحصر في جانب واحد من هذه الجوانب التي حاولوا أن يعللوه بها،
فالقرءان معجز بنظمه مثلما هو معجز بإيقاعه وموسيقاه ومثلما هو معجز بطريقته
المميزة والساحرة في التصوير والتعبير بالأساليب الحسية والمشهودة بطريقة لا قبل
لفصحاء العرب بها، ومن هنا نحسب أن كلا من هؤلاء قد تمسك بالجانب الذي انبهر به،
بحكم ما تخصص فيه من علوم وفنون التي مكنته من إدراك ذلك على وجه أكمل وأوضح من
غيره، مصداقا لقوله تعالى:"وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من
الدمع مما عرفوا من الحق.."[19]
والحق أن القرءان معجز بهذه الوجوه جميعا، وأن هذه الوجوه السابقة التي بنوا عليها
إعجاز القرءان مرجعها واحد هو الجانب البياني والبلاغي وإن اختلفت طريقة التسمية
والعرض، ولكنها تصب في مصب واحد، وأغفلوا وجوها نذكرها فيما يأتي:
الوجه الأول:طريقة
تأليفه
بحيث أن القرءان الكريم لم ينزل
جملة واحدة ، بل نزل مفرقا على أكثر من
عشرين سنة ، حسب الوقائع والدواعي المتجددة ، وكان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كلما نزل عليه شيء من القرءان قال
لأصحابه ضعوه في سورة كذا ومكان كذا ، وكانت سور كثيرة ظلت مفتوحة عددا من السنين
لتضاف إليها آيات أخرى في بدايتها ووسطها وآخرها، كسورة البقرة التي ظلت مفتوحة
تسع سنوات إلى جانب سورة آل عمران والنساء والنور وغيرها .
وهكذا ظلت سور القرءان تكتمل في
بنائها دفعة واحدة ، والرسول لا يدري ما سيحدث من الوقائع والدواعي ، فضلا عما
سينزل فيها من القرءان ، ومضى الأمر كله على هذه الحال، حتى إذا اكتمل نزول
القرءان كان غاية في الائتلاف والانسجام ، بحيث لا يستطيع القارئ بمحض اجتهاده أن
يعرف السور التي نزلت مفرقة أو تلك التي نزلت جملة واحدة.
وها نحن اليوم أمام مجموع
الأحاديث النبوية على الرغم من فصاحتها وارتباطها بمصدر الوحي، لو أردنا أن نربط
ونؤلف بينها لنكون مثل بعض سور القرءان ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، لأن الله تعالى
أبى أن يكتب الإعجاز والكمال إلا لكتابه الكريم.
الوجه الثاني:علومه ومعارفه
فبالإضافة إلى روعة أسلوبه
وتناسقه وتجانسه في عرض مواضيعه ، فهو بحر زاخر من العلوم والمعارف التي لم يحوها
كتاب فوق الأرض قط، فقد جمع بين دفتيه ما
يصلح به أمر الدنيا والآخرة بخطاب يفهمه البسطاء وينبهر أمامه العلماء والفلاسفة
والحكماء ، وبينما نراه يصلح ما أفسده أهل الأديان السابقة ، نراه يقده للإنسانية
عقيدة راشدة ترفع همة العبد ، وعبادة قويمة تطهر نفس الإنسان وتزكيها ، وأخلاقا
عالية تؤهل الخلق لحياة كريمة ، وأحكاما وقوانين تكفل حماية المجتمع من الفوضى
والفساد ، فهو يمثل منهجا قويما يلائم الفطرة ، ويشبع حاجات العقل والقلب معا ،
ويوفق بين مطالب الروح والجسد ، ومصالح الدنيا والآخرة ، كل ذلك في قصد واعتدال ،
وبراهين واضحة وبليغة.
وأكثر من هذا أنه حوى علم الماضي
والحاضر والمستقبل ، فتحدث عن الماضي والحاضر والمستقبل ، فصحح أخطاء الأفاكين
والمفترين على التاريخ من اليهود والنصارى والمشركين ـ وهو أحد أغراض القرءان
الأساسية[20]
ـ لقوله تعالى:"إن هذا القرءان يقص على بني إسرائيل أكثر الذين هم فيه
يختلفون"[21]
وتحدث عن المستقبل من حيث الإشارة إلى سنن الله الماضية في الكون والتي تحكم
المجتمعات من حيث النجاح والفشل والسعادة والشقاء والقوة والضعف وغيرها .
الوجه الثالث: وفاؤه
بحاجات البشر
ومعنى هذا أن القرءان الكريم قد
جاء بهدايات كاملة تفي بحاجات البشر المتجددة في كل عصر ومصر، وفاء لا تظفر به في
أي نظرية أو تشريع آخر ، ويتجلى في المقاصد النبيلة التي يرمي إليها القرءان في
هدايته وهي :
أولا:إصلاح العقائد عن طريق إرشاد الخلق
إلى حقائق المبدأ والمعاد تحت عنوان "الإيمان بالله واليوم الآخر".
ثانيا:إصلاح العبادات عن طريق إرشاد
الخلق إلى ما يزكي النفوس ويغذي الأرواح وينمي الإرادة والرقابة على الذات.
ثالثا:إصلاح الأخلاق بإرشاد الخلق إلى
فضائلها والتنفير من رذائلها في قصد واعتدال .
رابعا:إصلاح الاجتماع بالدعوة إلى توحيد
الصفوف ومحو العصبيات وإزالة الفوارق بإشعارهم بأنهم من جنس واحد ، وأبناء عائلة
واحدة ..
خامسا:إصلاح السياسة العالمية والعلاقات
الدولية عن طريق تقرير العدل والمساواة بين الناس والوفاء بالعهود والرحمة في
المعاملة والشعور بالمسِئولية .
سادسا:الإصلاح المالي بالدعوة إلى
الاقتصاد وحماية المال من التلف والضياع ، والإرشاد إلى الوجوه الصحيحة للإنفاق
والحقوق المتعلقة به.
سابعا:إصلاح النظام الاجتماعي بتنظيم
العلاقة بين الرجل والمرأة وبيان الوظيفة التكاملية بين الطرفين بالتفصيل وبعيدا
عن كل ألوان الصراع والمغالبة
ثامنا:الإصلاح الحربي عن طريق تهذيب
الحرب ووضعها على قواعد سليمة لخير الإنسانية في مبدئها وغايتها ، ووجوب التزام
الرحمة فيها ، والوفاء بمعاهداتها ، وإيثار السلم عليها في إطار الحق والعدل ،
والاكتفاء بالجزية عند النصر والظفر فيها .
تاسعا:محاربة الاسترقاق بطرق شتى وبأشكال
كلها حكمة[22]
، حتى تخلصت البشرية منه وبدون أدنى زغزغة لبنية المجتمع ، وذلك بتقليل مصادره
ومنابعه وتكثير طرق التخلص منه بالترغيب في تحرير الرقاب والكفارات المختلفة
والتدبير والمكاتبة وغيرها ، فاختفى بالتدريج وفي هدوء وصمت .
عاشرا:تحرير العقول والأفكار ومنع
الإكراه والاضطهاد في الدين[23].
ولا يزال الضمير العالمي ينادي
يوما بعد يوم بما دعا إليه الإسلام من تحريم للخمر وأكل الخنزير ومنع الفواحش وحضر
الربا وإباحة الطلاق ورفع الحضر عن تعدد الزوجات ، وغيرها من الحلول التي دعا
إليها القرءان، وقرر أنها الحلول الوحيدة التي لا بديل عنها.
الوجه الرابع : العلوم الكونية
وإلى جانب ما دعا إليه القرءان
الكريم من توحيد وعبادة وتشريع حكيم، فقد تضمن القرءان الكريم إشارات دقيقة في
العلوم الكونية أبهرت الدارسين والراسخين في العلم حتى ظنوا أن الكشف عن هذه العلوم
من مقاصد القرءان الكريم ، والحق أن مقاصد القرءان أكبر وأوسع من ذلك ، ولذا نجد
منهج القرءان الكريم في عرضه للعلوم الكونية قام على الأسس الآتية :
1 ـ أن القرءان الكريم لم يجعل تلك العلوم الكونية موضوعه الأساسي ، لأن هذه العلوم خاضعة لقانون النشوء والارتقاء
والنسبية ، وفي تفاصيلها من الدقة والخفاء ما يعلو على أفهام العامة من الناس ، ثم
إن عظمة القرءان لا تتوقف على أن ننتحل له وظيفة جديدة ، بل إن وظيفته في هداية العالم هي أسمى وظيفة .
2 ـ أن القرءان الكريم حين عرض لهذه الكونيات كان يرمي إلى إشعارنا بأنها
مربوبة مقهورة لإرادته، مسخرة لخلقه ، فليست متروكة عبثا ، ولا هي في صراع مع خلقه
كما تريد أن توهمنا بعض الفلسفات والديانات الوثنية.
3 ـ أن القرءان الكريم دعا إلى التعرف إلى هذه العلوم في جملة ما دعا إليه
من النظر والاعتبار.
4 ـ أن القرءان الكريم حين عرض لبعض الظاهر الكونية تحدث عنها حديث من أحاط
بكل شيء علما ، والذي لا تخفى عليه خافية
في البر والبحر، مما أدهش الدارسين وأوقعهم في الإسراف في الحكم ، واعتبار هذه
المعارف الكونية مرادة لذاتها .
5 ـ أن الأسلوب الذي اختاره القرءان الكريم في التعبير عن آيات الله الكونية
أسلوب بارع جمع بين روعة البيان وإبراز مظهر القدرة الإلهية وموضع العبرة
الإيمانية[24]
.
إلا أن هذا لا يمنع من القول بأن
في القرءان الكريم إشارات علمية دقيقة وعميقة تنفي أن يكون هذا القرءان عصارة فكر
رجل أمي ونشأ في بيئة أمية وصفها القرءان
الكريم بأنها كانت في ضلال مبين .
الوجه الخامس:أنباء
الغيب
ومعنى ذلك أن القرءان الكريم قد
اشتمل على أخبار كثيرة من الغيوب التي لا علم لمحمد بها ، ولا سبيل لمثله أن
يعلمها ، مما يدل دلالة قاطعة على أن هذا القرءان لا يمكن أن يكون صادرا عن محمد
أو غيره من البشر.
فمن غيب الماضي تفصيل قصص الأمم
البائدة والرسل السابقين تفصيلا يلم بأجواء الأحداث وملابساتها ، فمن ذلك قوله
تعالى بعد عرض قصة مريم عليها السلام مع قومها:"ذلك من أنباء الغيب نوحيه
إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون"[25]
وأما غيب الحاضر فكثير أيضا ونقصد
به ما كان يطلع الله عليه نبيه عن طريق الوحي مما يجري حوله من هداية وإضلال ونفاق
وخيانة وموت وحياة، وكذلك عالم الغيب من ملائكة وجن وحياة برزخية وغيرها.
وأما غيب المستقبل فليس بالقليل،
فقد أخبر القرءان عن موت أناس على الكفر مثل أبي لهب[26]
، وقال عن آخر "سنسمه على الخرطوم"[27]
فمات بضربة على أنفه في غزوة بدر كما أخبر القرءان ، وتحدت القرءان الكريم عن
نهاية الحرب بين الفرس والروم، وعن فتح مكة، وعاقبة غدر اليهود بالمدينة ، فتحقق
كل ما أنبأ به القرءان الكريم ، وإن الدارس ليندهش وهو يلحظ أن هذه النبوءات على
كثرتها وتنوعها لم تتخلف منها واحدة ، ولو تخلف منها شيء لنقله الأعداء بالخبر
المستفيض والمتواتر ، ولكن تمت كلمات ربك صدقا وعدلا ل مبدل لكلماته وهو السميع
العليم.
الوجه السادس : آيات العتاب
وذلك أن الرسول ـ
صلى الله عليه وسلم ـ سجل عليه القرءان الكريم بعض
الأخطاء في الرأي والاجتهاد ، ووجه إليه بسببها عتابا نشعر بلطفه تارة وبعنفه تارة
أخرى ، ولا شك أن العقل المنصف يقضي بعد هذه الألوان من العتاب بأن هذا القرءان لا
يمكن أن يكون نابعا من ذات محمد ، وإلا لما سجل على نفسه هذه الأخطاء وهذا العتاب
، يتلوها الناس أبد الدهر ، ويتقربون إلى الله تعلى بتلاوتها إلى يوم القيامة .
فمن ذلك مثلا قوله
تعالى:"وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله
وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ..وكفى بالله حسيبا"[28].
قالت عائشة رضي الله عنها ( لو
كتم محمد شيئا مما أوحي إليه من كتاب الله
لكتم قوله تعالى:"وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق
أن تخشاه"[29]
ومنها قوله تعالى:"إنا
أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما ،
واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما . ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن
الله لا يحب من كان خوانا أثيما"[30]
كما ورد في كثير من الآيات عتاب
لأصحابه رضوان الله عليهم ، في سورة الأنفال والتوبة والنور والصف وغيرها من السور
، علما بأن في هذه الآيات جميعا إشارة إلى إحدى وسائل التربية في المنهج القرءاني
لما في أسلوب العتاب من تأثير عميق في ردع النفس البشرية، وهو بعد ذلك كله مظهر من
مظاهر إعجاز هذا الكتاب الخالد.
الوجه السابع: ما نزل بعد طول انتظار
ومعنى ذلك أن أحداثا كثيرة ومهمة
كانت تقع وتحتاج إلى إيضاح حكم الشرع فيها ، أو كشف غموض يكتنفها ، وكان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجد مشقة كبيرة في هذا الانتظار ،
ولكنه لا يملك غير ذلك.
ومن ذلك حادثة تحويل القبلة،
والمخلفون في غزوة تبوك، وحادثة الإفك، وقصة أصحاب الكهف وغيرها ، فكان يتوقف في
الأمر، ويسأل فلا يجيب بشيء حتى ينزل الوحي بعد طول انتظار.
الوجه الثامن:آيات التحدي
والمباهلة
وذلك أن القرءان قد دعا إلى
المباهلة[31]ـ
وهي مفاعلة من الابتهال والضراعة إلى الله بحرارة واجتهاد ـ بأن يهلك أهل الباطل
والكذب على الله، وينجي أحل الحق والصدق ، فأبى المدعوون وهم بعض نصارى نجران أن
يستجيبوا لها ، وخافوها ولاذوا بالفرار منها، وقال أعلمهم (لقد علمتم أيها النصارى
أن محمدا نبي مرسل ، وما باهل نبي قوما قط فعاش كبيرهم أو نبت صغيرهم ، ولئن فعلتم
لتهلكن ، فإن أبيتم إلا إلف دينكم فواعدوا الرجل وانصرفوا إلى دياركم ، فأتوا
الرسول ـ صلى الله عليه
وسلم ـ وقد غدا محتضنا للحسين أخذا بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه
وعلي خلفها وهو يقول:(إذا أنا دعوت فأمنوا) فقال أسقف نجران يا معشر النصارى ، إني
لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله من مكانه بها، فلا تباهلوا
فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني ، فقالوا: يا أبا القاسم رأينا ألا نباهلك
، فصالحهم على ألفي حلة كل سنة ، وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:(والذي نفسي بيده إن الهلاك تدلى على أهل نجران ، ولو باهلوا ولاعنوا
لمسخوا قردة وخنازير)[32].
كما تحدى القرءان اليهود الذين
ادعوا محبة الله وولاءهم له أن يتمنوا لقاء الله بالموت في سورتي البقرة[33]
والجمعة فامتنعوا وقال الرسول :(والذي نفسي بيده لا يتمنى أحد منهم الموت إلا غص
بريقه)[34].
خـاتمـة
وخلاصة القول أن مظاهر الإعجاز القرءاني أكثر
من أن يحاط بها في هذه السطور وأن ما ذكرناه لا يعدو أن يكون مجرد نماذج ظاهرة
وقريبة من أفهامنا وما خفي منها أكثر، ولكن نحسبها كافية في الإلمام بعظمة هذا
الكتاب واليقين من مصدره مصداقا لقوله تعالى:"وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي
لهم وما يستطيعون.."[35]
2 ـ المحكم
والمتشابه في القرءان الكريم
تصميم المحاضرة
ـ تعريف المحكم والمتشابه
ـ أنواع المتشابه في القرءان الكريم.
ـ مذاهب أهل العلم في معرفة معنى
المتشابه.
ـ التوفيق والجمع بين المذهبين.
ـ الحكمة من ورود المتشابه في
القرءان الكريم.
ـ الموقف من متشابه آيات الصفات.
ـ خاتمة .
تعريف
المحكم والمتشابه:
في موضوع المحكم والمتشابه نقرأ الآيات الكريمة كقوله تعالى: "هو الذي
أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات " سورة آل عمران:7 وقوله أيضاً :" كتاب أحكمت
آياته ثم فُصِّلت من لدن حكيم خبير
" سورة
هود:1.
و المحكم والمتشابه لفظان متقابلان، إذا ذُكِرَ أحدهما استدعى ذكر الآخر ضرورة. وهما بحثان رئيسان من أبحاث
علوم القرآن، أفاض العلماء
القول
فيهما، وتفاوتت أنظارهم في تعريفهما وحقيقتهما، وهما كذلك بحثان مهمان من أبحاث أصول
الفقه .
و المحكم من حيث اللغة مأخوذ من حَكَمْتُ الدابة
وأحكمتها، بمعنى أحكمت وثاقها، ومنعتها من التفلُّت والهرب، وإحكام الكلام إتقانه
وتمييز الصدق فيه من الكذب
.
أما المحكم اصطلاحًا فقد اختلفت أنظار أهل العلم في
تعريفه، فقال بعضهم: هو ما عُرِفَ المراد منه؛ وقال آخرون: هو ما لا يحتمل إلا وجهاً
واحداً؛ وعرَّفه قوم بأنه: ما استقلَّ بنفسه، ولم يحتج إلى بيان، ويمكن إرجاع هذه
التعريفات إلى معنى واحد، هو معنى البيان والوضوح
.
و المتشابه لغة مأخوذ من الشبه
والتشابه، تقول: فلان يشبه فلانًا، أي يماثله، وله من الصفات ما للآخر، وعلى هذا، فتشابه الكلام
تماثله وتناسبه، بحيث
يصدِّق
بعضه بعضًا.
أما تعريف المتشابه اصطلاحًا، فعرفه بعضهم بأنه: ما استأثر الله بعلمه، وعرفه آخرون بأنه: ما احتمل أكثر من
وجه، وقال قوم: ما احتاج
إلى
بيان، بردِّه إلى غيره[36] .
وبناءً على التعريف اللغوي لكلٍ من المحكم و المتشابه يتضح أنه لا تنافي بين المحكم و المتشابه من جهة المعنى
اللغوي؛ فالقرآن كله محكم، بمعنى أنه متقن غاية الإتقان، وهو كذلك متماثل ومتشابه، بمعنى أنه يصدِّق بعضه
بعضًا .
أنواع المتشابه:
ثم إن المتشابه أنواع، فهناك متشابه من جهة اللفظ، وهناك
متشابه من جهة المعنى، وهناك متشابه من جهة اللفظ والمعنى مع,ً وتفصيل هذه
الأنواع باختصار وفق الآتي:
ـ أن المتشابه من جهة
اللفظ هو الذي أصابه
الغموض بسبب اللفظ، وهو نوعان:
أحدهما: يرجع إلى
الألفاظ المفردة؛
إما
لغرابة ذلك اللفظ، كلفظ ( الأبّ ) في قوله تعالى:" وفاكهة وأبًّا " سورة
عبس:31 ولفظ الكلالة في قوله سبحانه:" وإن كان رجل
يورث كلالة " سورة النساء:12 فلفظ "الأبّ
" في الآية الأولى، ولفظ " الكلالة " في الآية الثانية من الألفاظ
المتشابهة التي تحتاج إلى
بيان وتوضيح، إما لاشتراك ذلك اللفظ في عدة معان، كلفظ " اليمين " في قوله
سبحانه:" فراغ عليهم ضربا باليمين " سورة الصافات:93 أي: فأقبل إبراهيم
على أصنام قومه
ضاربًا لها باليمين من يديه لا بالشمال، أو ضاربًا لها ضربًا شديدًا بالقوة؛ لأن
اليمين أقوى الجارحتين، أو ضاربًا لها بسبب اليمين التي حلفها، ونوه بها القرآن، إذ
قال:"وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين " سورة الأنبياء:57
كل ذلك جائز، ولفظ ( اليمين ) مشترك بينها.
ومثل ذلك يقال في الألفاظ المشتركة مثل " العين "
و" القرء " فلفظ العين يطلق على
العين الباصرة، ويطلق على العين
الجارية،
ويطلق على الجاسوس؛ وكذلك لفظ القرء يطلق على الحيض، ويطلق على الطُّهر، وكل
هذه الألفاظ وما شاكلها من المتشابه، الذي لا يُعرف معناها إلا من خلال السياق
الذي وردت فيه، أو عن طريق القرائن التي حُفت بها.
والثاني: يرجع إلى جملة الكلام وتركيبه، من
بسط واختصار ونظم؛ نحو قوله تعالى:" وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم.. " سورة
النساء:3 وقوله سبحانه:" الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا " سورة
الكهف:1 ففي الآية الأولى خفاء في
المراد،
جاء من ناحية إيجاز اللفظ، والأصل: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى لو تزوجتموهن،
فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم من النساء. ومعناه: أنكم إذا تحرجتم من زواج اليتامى؛
مخافة أن تظلموهن، فأمامكم غيرهن، فتزوجوا منهن ما طاب لكم؛ وفي الآية الثانية
وقع التشابه في ترتيب الآية ونظمها؛ فإن الخفاء هنا جاء من جهة الترتيب بين
لفظ " قيمًا " وما قبله، ومعنى الآية: أنزل على عبده الكتاب قيمًا، ولم يجعل له عوجًا .
ـ و المتشابه من
جهة المعنى
يُمثَّل
له بأوصاف القيامة
وأحوالها مما لا نستطيع تصوره[37]؛ لأن
فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فإن العقل البشري لا يمكن أن يحيط بحقائق
أحوال وأهوال القيامة،
ولا
بنعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار، وكيف السبيل إلى أن يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه، وما
لم يكن فينا مثله ولا جنسه.
ـ و المتشابه من
جهة اللفظ والمعنى معًا
على
أنواع، لن نقف على تفصيلها هنا، وحسبنا أن نمثل لهذا النوع من المتشابه بقوله
تعالى: " إنما النسيء زيادة في الكفر" سورة التوبة:37 فإن من لا يعرف عادة العرب في
جاهليتهم وما كانوا عليه، فإنه يتعذر عليه تفسير هذه الآية ومعرفة المراد منها .
ولا
بد من الوقوف في هذا المقام عند مسألة طالما بحثها العلماء، تتعلق بقوله تعالى:" وما يعلم تأويله إلا
الله والراسخون في العلم " سورة آل عمران:7 ومنشأ النظر في هذه الآية منصب على قوله تعـالى:
"والراسخون في العلم " هل
هو
كلام مبتدأ ومستأنَف، أم هو معطوف على قوله تعالى:"وما يعلم تأويله إلا
الله"
ومعلوم
أن الوقف والابتداء في القرآن له دور مهم وأساس في تحديد معنى الآية، وبيان وجهتها ومقصدها .
مذاهب
أهل العلم في معرفة معنى المتشابه
وحسبنا في هذا المقام أن نعلم أن المفسرين قد
ذهبوا في تفسير الآية
مذهبين:
المذهب
الأول:
يرى أن الوقف يكون على قوله تعالى:" وما يعلم تأويله إلا الله "، وبالتالي فإن قوله تعالى:" والراسخون
في العلم " كلام مبتدأ ومستأنف، والمعنى على هذا: أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله،
والراسخون في العلم يؤمنون
به
كما جاء، ويكِلُون علمه إلى الله سبحانه[38] .
وقد أيَّد أصحاب هذا المذهب ما ذهبوا إليه،
بما رواه البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: تلا رسول صلى الله عليه وسلم
هذه الآية:" فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء
تأويله " آل عمران:7 قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمَّى
الله، فاحذرهم .
أما المذهب الثاني: فيرى أن قوله
تعالى:" والراسخون في العلم"
معطوف على
قوله:
"وما يعلم تأويله إلا الله" وعلى هذا يكون تفسير الآية: أن الراسخين في العلم يعلمون
تفسير المتشابه من القرآن. وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: أنا من الراسخين في
العلم، الذين يعلمون تأويله. ولقد صدق رضي الله عنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم
دعا له، فقال: ( اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل ) رواه أحمد . قال مجاهد : عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره،
أقفه عند كل آية، وأسأله
عنها.
وقد تواترت النقول عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه تكلم في جميع معاني القرآن، ولم
يقل عن آية إنها من المتشابه الذي لا يعلم أحد تأويله إلا الله. وقد صحح الإمام
النووي هذا القول، مستدلاً على صحته، بأنه يبعد أن يخاطب سبحانه عباده بما لا سبيل
لأحد من الخلق إلى معرفته
.
التوفيق
والجمع بين المذهبين
والحق، فإنه لا يوجد تعارض بين هذين المذهبين،
والتوفيق بينهما أمر ممكن ومتيسر، وذلك إذا علمنا المقصود من لفظ ( التأويل ) الوارد في قوله تعالى:"وما يعلم تأويله إلا
الله " وبالرجوع إلى معنى التأويل يتبين لنا أن هذا اللفظ
يُطلق على معنيين:
الأول: التأويل بمعنى
التفسير، فتأويل الكلام
تفسيره، وتوضيح معناه. والتأويل في
كلام
كثير من المفسرين، وخاصة المتقدمين منهم كابن جرير الطبري وغيره يُطلق بهذا المعنى، وهم
يريدون به تفسير الكلام، وبيان معناه؛ فهو إذن اصطلاح معروف ومشهور عند أهل التفسير .
و(
التأويل ) في كلام المتأخرين من الفقهاء والمتكلمين: هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، لدلالة
توجب ذلك. وهذا هو
التأويل
الذي تنازع الناس فيه. فالتأويل الصحيح منه ما وافق نصوص الكتاب والسنة ولم يخالفها.
والتأويل الفاسد منه ما خالف ذلك
.
والمعنى الثاني من معاني التأويل يأتي
بمعنى: الحقيقة،
فتأويل
الكلام الحقيقة التي يؤول إليها. وعلى هذا المعنى جاء قول عائشة رضي الله عنها[39]:كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده:
سبحانك
اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأوَّل القرآن، تعني قوله تعالى :" فسبح بحمد ربك
واستغفره " سورة النصر:3.
وبناءً على ذلك، نستطيع أن نقول: إن الذين ذهبوا إلى حصر علم التأويل في
حقِّ الله تعالى، إنما
يقصدون
بذلك التأويل بالمعنى الثاني، أي: الحقيقة التي يؤول إليها الغيب، وهذا أمر لا يختلف عليه
اثنان؛ لأن حقيقة الغيب لا يعلمها إلا الله
.
أما الذين ذهبوا إلى أنه يمكن للعلماء العلم بالتأويل، فإنهم يقصدون بذلك
التأويل بالمعنى الأول،
أي:
معنى التفسير، وهذا أيضاً لا يختلف فيه اثنان
.
ويمكن أن نمثِّل لهذا بمثال يزيد الأمر وضوحاً وجلاءً، فنقول: إن صفة العلم التي
وَصَفَ الله بها نفسه،
وكذلك
باقي الصفات، يمكن للعلماء تأويلها، بمعنى تفسيرها، أما تأويلها بمعنى معرفة حقيقة هذه
الصفة، أو معرفة حقيقة باقي صفاته سبحانه، فهذا ما لا سبيل لأحدٍ إليه، كما سنبين ذلك
لاحقًا .
الحكمة
من ورود المتشابله في القرءان الكريم
إذا تبين ما تقدم، نضيف إليه أمرًا آخر، وهو أن
وجود المتشابه في
القرآن له فوائد عدة، ذكرها العلماء، من تلك الفوائد:
ـ
الحث على النظر
والبحث
والتأمل في آيات الله سبحانه.
[40]
ـ
ومنها إثبات التفاضل والتفاوت في
العلم
بين العباد؛ إذ لو كان القرآن الكريم كله محكمًا لاستوت منازل الخلق في فهمه، ولم يظهر فضل
العالم على الجاهل، ولم يتبين فضل الذي يعلم حقيقة القول على الذي يعلم ظاهره،
وقد جعل الله بعض القرآن محكمًا؛ ليكون أصلاً للرجوع إليه، وجعل بعضه متشابهًا يحتاج
إلى الاستنباط وإعمال العقل، ورده إلى المحكم
.
ـ
ومنها أيضًا ابتلاء
العباد بالوقوف عند المتشابه من الآيات دون الخوض في تأويلها، بما لا تحتمله من وجوه
التأويل، وتسليم الأمر فيها إلى الله تعالى. وقد ذكر الشيخ الزرقاني فوائد أخرى،
يمكن تتبعها في كتابه مناهل العرفان[41].
الموقف
من متشابه آيات الصفات
ثم إن الثمرة العلمية والعملية لهذا البحث، تتجلى في بيان موقف المسلم من موضوع (
المتشابه ) الذي كان - ولا يزال -
مزلة أقدام كثيرة، وموضع أخذ ورد. وكان من أهم المسائل التي دار الخلاف حولها مسألة
صفات الخالق سبحانه، الواردة في العديد من الآيات والأحاديث؛ كقوله تعالى:
"وتوكل على الحي الذي لا يموت" سورة الفرقان:58 وقوله سبحانه:" وهو
بكل شيء عليم "
البقرة:29 وقوله سبحانه:" وهو على كل شيء قدير " سورة المائدة:120 وقوله تعالى:"
وهو السميع البصير " الشورى:11 وقوله سبحانه:" فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه
" المائدة:54 وقوله تعالى:" رضي الله عنهم ورضوا عنهم" سورة المائدة:119
وقوله سبحانه:" ولكن كره الله انبعاثهم " سورة التوبة:46 وقوله تعالى "وغضب
الله عليه ولعنه " النساء:93 وقوله سبحانه:" ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام
" سورة الرحمن:27 وقوله تعالى:"
بل يداه مبسوطتان" سورة المائدة:64 ونحو ذلك من الآيات؛ ومن الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: ( ينـزل
ربنا تبارك وتعالى كل
ليلة
إلى السماء الدنيا )[42]
وقوله: ( إذا تقرب العبد إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإذا تقرب إلي ذراعًا تقربت منه باعًا، وإذا أتاني
يمشي أتيته هرولة )[43]
وقوله: ( لله أشد فرحًا بتوبة أحدكم من أحدكم بضالته إذا وجدها ) رواه مسلم ونحو ذلك من
الأحاديث
فالواجب في مثل هذه الآيات والأحاديث الداخلة
في باب الصفات إثبات
ما أثبته الله ورسوله، ونفي ما نفاه الله ورسوله، والألفاظ التي ورد بها النص
يُعتصم بها في إثبات الصفات ونفيها؛ فنثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ
والمعاني، وننفي ما نفته نصوصهما منهما. وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها
فلا تطلق حتى يُنظر في مقصود قائلها؛ فإن كان معنى صحيحًا قُبِلَ، لكن ينبغي التعبير
عنه بألفاظ النصوص، دون الألفاظ المجملة
.
وقد أطبقت كلمة الأئمة المتقدمين على أن ما ورد في باب الصفات من الآيات
والأحاديث، ينبغي حمله
على
ظاهره، من غير تأويل أو تحريف أو تعطيل أو تمثيل؛ وأن ظاهرها لا يقتضي تمثيل الخالق
بالمخلوق. فقد ثبت عن الإمام مالك أنه سئل عن الاستواء، فقال: الاستواء معلوم، والكيف
مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
وسئل سفيان الثوري عن ذلك أيضًا، فقال: أفهم من قوله:"الرحمن على
العرش استوى" ما أفهم من
قوله:"
ثم استوى إلى السماء " سورة فصلت:11
.
ففي كل هذه الأقوال ما يفيد أن " الاستواء
" معلوم من حيث اللغة؛ والكيف مجهول، أي حقيقة تلك الصفة مجهولة لنا، لا دليل عندنا
عليه، ولا سلطان لنا به؛ والسؤال عنه بدعة، أي الاستفسار عن الكيفية بدعة؛ لأنه ليس
من هدي السلف، ولأنه أمر لا يمكن إدراكه أو الوصول إليه، وما جزاء المبتدع إلا أن
يطرد ويبعد عن الناس خوف أن يفتنهم؛ لأنه رجل سوء، وداعية فتنة .
وقد رُوي عن بعض أهل العلم، أنه سئل عن الآيات
والأخبار التي فيها من صفات
الله
تعالى، فقال: نمررها كما جاءت، ونؤمن بها، ولا نقول: كيف وكيف .
قال ابن الصلاح : وعلى هذه الطريقة مضى صدر الأمة وسادتها، وإياها
اختار أئمة الفقهاء
وقادتها،
وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه، ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يصدف عنها ويأباها . وقد أفصح الإمام الغزالي عن موقف السلف من هذه
المسألة في
كتابه
( إلجام العوام عن علم الكلام ) وهو آخر تصانيفه - رحمه الله - في أصول الدين، وحث فيه
على التزام مذهب السلف، ومن تبعهم في هذه المسألة
.
فالعمدة فيما جاء في باب الصفات الأدلة القطعية التي توافرت على أنه
تعالى:" ليس كمثله
شيء
" وقد أُكدت هذه الحقيقة في كثير من الآيات القرآنية، كقوله سبحانه:"قل
هو الله أحد *
الله الصمد * لم يلد * ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد " وقوله تعالى:" يا أيها الناس
أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد " سورة فاطر:15 والنصوص في الكتاب والسنة
كثيرة ومستفيضة، تؤيد هذه الحقيقة وتؤكدها.
هذا قول مجمل في موضوع آيات الصفات وما شاكلها من أحاديث، ويمكن التوسع
في هذا الباب
بالرجوع
إلى ما كتبه الشيخ الزرقاني في كتابه (مناهل العرفان) وأيضًا ما كتبه الشيخ ابن
عثيمين في كتابه (تقريب التدمرية) .
الخــاتمــة:
وحاصل القول في موضوع المحكم والمتشابه
الوارد في القرآن، أنه من جهة اللغة لا تنافي بينهما؛ إذ القرآن كله محكم بمعنى أنه متقن
غاية الاتقان، وهو أيضًا متشابه، بمعنى أنه يصدق بعضه بعضًا؛ أما من جهة الاصطلاح،
فالمحكم ما عُرف المقصود منه، والمتشابه ما غَمُض المقصود منه. وظهر لنا أيضًا
الموقف السليم من النصوص الواردة في باب الصفات، وأن القول الصواب فيها ما ذهب إليه
السلف من إجراء تلك النصوص على ظاهرها، دون أن يقتضي ظاهر تلك النصوص تمثيل الخالق
بالمخلوق .
3 ـ نزول القرءان
الكريم على سبعة أحرف
تصميم المحاضرة:
ـ أهمية موضوع الأحرف السبعة في القرءان الكريم.
ـ أدلة نزول القرءان على سبعة أحرف .
ـ خلاصة هذه الشواهذ الحديثية.
ـ معنى نزول القرءان الكريم على سبعة أحرف:
-
أنها سبع لغات من لغات العرب ..
-
أنها سبع لغات من قبائل مضر خاصة..
-
أن الحديث مشكل..
-
أن لفظ السبعة كناية عن الكثرة..
-
أنها وجوه ترجع إلى كيفية النطق بالحروف..
- أنها سبعة أصناف- أغراض – في القرءان
الكريم..
ـ عرض مذهب الطبري ومناقشته..
ـ عرض مذهب ابن قتيبة وأبي الفضل الرازي وابن
الجزري ومناقشته..
ـ خـاتمـة.
أهمية موضوع الأحرف السبعة في القرءان الكريم
يعتبر موضوع الأحرف السبعة في القرءان الكريم من بين المباحث التي هي في
غاية الأهمية والحساسية، ولأهمية الموضوع فقد تجاذب دراسته العلماء من مختلف
الاختصاصات من لغويين ونحويين وأصوليين ومفسرين ومقرئين وغيرهم .
كما أن هذا الموضوع لازال يكتنفه الغموض من أكثر من جانب منذ
القديم، قال ابن الجزري:(مازلت أستشكل هذا الحديث وأفكر فيه، وأمعن النظر من نيف
وثلاثين سنة، حتى فتح الله علي بما يمكن أن يكون صوابا إنشاء الله .)[44]
وإلى وقت متأخر والكتابات في هذا الموضوع مازالت متضاربة متباعدة، وهو ما دعا
العلامة عبد العظيم الزرقاني إلى أن يقول فيه في مطلع البحث: (هذا مبحث طريف وشائق
، غير أنه مخيف وشائك )[45].
ونحن في هذا البحث سنعرض لمناقشة
أشهر أقوال أهل العلم في تفسير معنى الأحرف السبعة، وما يترتب على كل قول منها من
نتائج علمية .
روى حديث نزول القرءان على سبعة
أحرف ما لا يقل عن واحد وعشرين صحابيا، منهم عثمان بن عفان، وعمر بن
الخطاب، وأبو بكر الصديق، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وغيرهم .
فقد روى أبو يعلى في
مسنده أن عثمان رضي الله عنه قال يوما وهو على المنبر:أذكر الله رجلا سمع النبي ـ
ص ـ قال: "إن القرءان أنزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف" لما قام ،
فقاموا حتى لم يحصوا عددا، فشهدوا أن رسول الله قال:" إن القرءان أنزل على
سبعة أحرف كلها شاف كاف" فقال عثمان : وأنا أشهد معهم[46].
وللبخاري ومسلم عن ابن
عباس رضي الله عنهما أنه قال : قال رسول الله ـ ص ـ أقرأني جبريل على حرف فراجعته
، فلم أزل أستزيده فيزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف . قال ابن شهاب: بلغني أن تلك
السبعة الأحرف إنما هي في الأمر الذي يكون واحدا لا يختلف في حلال وحرام[47] .
وفي الموطأ عن ابن شهاب
عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب
يقول: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأها، وكان رسول
الله أقرأنيها، فكدت أن أعجل عليه، ثم
أمهلته حتى انصرف، ثم لببته بردائه، فجئت به رسول الله صلى الله ـ ص ـ فقلت: يا
رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها، فقال رسول الله
ـ ص ـ: أرسله، ثم قال: اقرأ يا هشام، فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول
الله ـ ص : هكذا أنزلت، ثم قال لي: اقرأ، فقرأتها، فقال: هكذا أنزلت، إن هذا
القرءان أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه[48] .
وللترمذي عن أبي بن كعب أنه قال:لقي رسول الله ـ ص
ـ جبريل عليه السلام عند أحجار
المروة، فقال: يا جبرئيل، إني بعثت إلى أمة أميين، منهم العجوز والشيخ الكبير،
والغلام والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط، قال يا محمد إن القرءان أنزل على
سبعة أحرف . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح قد روي عن أبي بن كعب من غير وجه[49].
وفي الباب عن عمر وحذيفة، وأبي
هريرة، وأم أيوب، وسمرة، وابن عباس، وأبي جهيم بن الحارث[50]
وللنسائي عن أبي قال: ما
حاك في صدري منذ أسلمت إلا أني قرأت آية، وقرأها آخر غير قراءتي، فقلت: أقرأنيها
رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال
الآخر: أقرأنيها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأتيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقلت: يا نبي الله، أقرأني آية كذا وكذا، قال: نعم ، وقال الآخر : ألم
تقرئني آية كذا وكذا ؟ قال نعم، إن جبريل وميكائيل عليهما السلام أتياني، فقعد
جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري، فقال جبريل عليه السلام: اقرأ القرءان على حرف،
قال ميكائيل: استزده استزده، حتى بلغ سبعة أحرف، فكل شاف كاف[51].
وفي رواية : "إن الله عز
وجل يأمرك أن تقرئ أمتك القرءان على سبعة أحرف، فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا
".
وروى الطبري ، والطبراني عن زيد بن أرقم قال : جاء
رجل إلى رسول الله فقال :أقرأني ابن مسعود سورة أقرانيها زيد بن ثابت ، وأقرأنيها
أبي بن كعب فاختلفت قراءتهم ، فبقراءة أيهم أقرأ ؟ فسكت رسول اله وعلي إلى جنبه ،
فقال على : ليقرأ كل إنسان منكم كما علم، فإنه حسن جميل.
خلاصة هذه الشواهد الحديثية:
ونستخلص
من مجموع هذه الشواهد الفوائد الآتية:
1 ـ أن الحكمة في نزول القرءان على سبعة أحرف هي
التيسير على الأمة الإسلامية كلها خصوصا، خصوصا أنها شوفهت بالقرءان فإنها كانت
قبائل كثيرة ، وكان بينها اختلاف في اللهجات، فضلا عن كون القرءان جاء ليخاطب
العربي والأعجمي على حد سواء .
2 ـ ومنها بيان بعض الأحكام الشرعية الفرعية التي
تدل عليها بعض الأوجه في القراءة بشكل أوضـح من قـراءة أخرى كقراءة قوله تعالى
:"وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما
السـدس" سورة النساء : 17 ففي قراءة
سعد بن أبي وقاص:وله أخ أو أخت من أم.."
3 ـ ومنها أن استزادة الرسول صلى الله عليه وسلم
لجبريل في القراءة حتى صارت سبعا يدل على أن العدد "سبعة" مقصود على
حقيقته، وليس المراد هو الكثرة المطلقة.
4 ـ أن من قرأ بحرف من هذه الحروف فقد أصاب ولا
سبيل للإنكار عليه ..
5 ـ أن القراءات كلها على اختلافها كلام الله ،
ولا مدخل للبشر فيها ، ويدل عليها رجوع الصحابة في كل مرة إلى نبيهم للتحري
والتثبت..
6 ـ أنه لا يجوز منع أحد منم القراءة بأي حرف من
تلك الأحرف السبعة ما دام مصدرها كلها هو التلقي والرواية.
7 ـ أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقظين متحمسين
للدفاع عن القرءان الكريم متيقظين لكل من يحدث فيه حدثا من تبديل في اللفظ أو
تحريف في القراءة أو غيرها.
8 ـ أنه لا يجوز أن نجعل من اختلاف القراءات معركة
للجدل والنزاع والشقاق لما يتبع ذلك من تشكيك وتكذيب ، فما يكون لنا أن نحول اليسر
عسرا والنعمة نقمة[52] .
8 ـ أن المراد بالأحرف في الشواهد الحديثية
السابقة وجوه في الألفاظ وحدها لا محالة ، بدليل أن الخلاف الذي صورته لتا لنا
الروايات المذكورة كان دائرا حول قراءة الألفاظ
لا تفسير المعاني ، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في كل مرة
للمختلفين "اقرأ يا فلان" ولا شك أن طلب القراءة متعلق بأداء الألفاظ
وليس شرح المعاني.
أما السبعة فهي العدد المحصور
بين الستة والثمانية، وأما الأحرف ـ جمع حرف ـ فله معان كثيرة تدل على أن لفظ الحرف
من المشترك اللفظي[53] ،
والمشترك اللفظي يراد به أحد المعاني التي تحددها القرائن وتناسب المقام، وأنسب
المعاني بالمقام هنا في إطلاق لفظ الحرف أنه الوجه، وهنا يطرح السؤال: ما هي تلك
الوجوه السبعة المختارة التي لا تخرج القراءات عنها مهما كثرت وتنوعت في الكلمات
الواحدة ؟
وهنا يكثر الخلاف بين العلماء في
تعيين معنى الوجوه السبعة التي تجوز قراءة القرءان الكريم بها، وقد ذكر القرطبي ـ
نقلا عن ابن حبان ـ أنها بلغت خمسا وثلاثين قولا[54]،
وزاد السيوطي على ذلك فقال : اختلف في معنى هذا الحديث على نحو أربعين قولا، ثم
ذكرها جميعا مع الرد عليها [i].
والظاهر أن أغلب هذه الأقوال لا
تثبت أمام النقد العلمي ، ونحن سنقتصر على
دراسة ومناقشة ما اشتهر منها ، وهي كما يأتي :
الأول ـ أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب ، بمعنى
أن القرءان لا يخرج عن سبع لغات من لغات العرب ، وهي لغة قريش ، وهذيل ، وثقيف ،
وهوازن ، وتميم ، واليمن .
قال أبو عبيد القاسم بن سلام :
ليس المراد أن كل كلمة تقرأ على سبع لغات
، بل اللغات السبع مفرقة فيه.
ويضعف هذا القول بما نقله
الواسطي في كتابه "القراءات العشر" بأن في القرءان الكريم من الألفاظ ما
ينسب لأربعين قبيلة عربية .
الثاني ـ أن المراد بالأحرف السبعة
سبع لغات من لغات قبائل مضر خاصة . وهذا القول أشد ضعفا من سابقه ، لأن القرءان قد
تضمن ألفاظا كثيرة من غير قبائل مضر .
الثالث ـ ذهب أبو جعفر محمد بن سعدان
النحوي[55]
إلى أن الحديث مشكل، لأن لفظ "أحرف" مشترك لفظي، فلا ندري معناه، ومن
هنا لا يدل على حكم ما، ويدل على ذلك أن الحرف يصدق على عدة معان[56].
ويرد عليه بأن المشترك اللفظي يعلم معناه متى قامت قرينة تعين ذلك
الرابع ـ للقاضي عياض ومن تبعه[57]
بأن لفـظ السبعة كناية عن الكثرة ، وغير مقصود لذاته ، ويدل على ذلك أن لفظ السبعة
يطلق في اللغة ويراد به الكثرة في الآحاد ، كما يطلق السبعون في العشرات
والسبعمائة في المئين ، ولا يراد بها العدد المعين[58] ،
وجنح إلى هذا الرأي في العصر الحديث جمال الدين القاسمي في مقدمة تفسيره "
محاسن التأويل" . ويدفع هذا القول بما ورد في الأحاديث من استزادة النبي ـ
صلى الله عليه وسلم ـ لعدد الأحرف حتى بلغت السبعة .
الخامس ـ أن الأحرف السبعة وجوه ترجع
إلى كيفية النطق في التلاوة من إدغام وإظهار وترقيق وإمالة وإشباع ، وتخفيف
وتشديد..[59]
وهو مدفوع بأن هذه الوجوه تزيد
عن السبعة، كما أنها لم تستوعب وجوه الخلاف الرئيسية في القراءات القرآنية
المتواترة، ولا شك أن هذه الوجوه التي ترجع إلى كيفية النطق في التلاوة هي مما
كانت تتباين فيها لغات القبائل، وهي مما يصعب أن تتوحد فيها الألسنة، ولكن فساد
هذا الرأي يكمن في حصر الأحرف السبعة فيها، ولو قيل أنها تدخل تحت معنى الأحرف
السبعة وتعود إليها لكان فيما يبدو أسلم وأحكم .
السادس ـ أن المقصود بالأحرف السبعة
سبعة أصناف في القرءان، ثم اختلفوا في تعيين هذه الأصناف اختلافا كثيرا .
فمنهم من قال : إنها أمر ونهي
وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال .
ومنهم من قال : إنها وعد ووعيد
وحلال وحرام ، ومواعظ وأمثال واحتجاج .
ومنهم من قال : إنها مطلق ومقيد
، وخاص وعام ، وناسخ ومنسوخ ومؤول ..
ويرد على هذا المذهب بما يأتي :
1 ـ أن سياق الأحاديث السابقة بطرقها الصحيحة والمشهورة لا تطابق ما دل
عليه هذا المذهب .
2 ـ أن اختلافهم الشديد إلى أكثر من عشرين قولا في تعيين هذه الأصناف يبطل
قولهم ، لأنه لا يوجد سند صحيح يدل على حصر الأحرف السبعة فيما مثلوا لها به .
3 ـ أن التوسعة والتيسير المقصودين في الأحرف السبعة لا أثر لهما في هذا
المذهب .
ويبقى من الآراء الواردة في
تفسير معنى الأحرف السبعة رأيان جديران
بالبحث المناقشة ، وهما:
ـ رأي الطبري ومن ذهب مذهبه كابن عبد البر وسفيان بن عيينة وغيرهم ..
ـ ورأي ابن قتيبة ومن قاربه في مذهبه كالباقلاني وأبي الفضل الرازي وابن
الجزري وغيرهم .
أما مذهب أبي عبيد القاسم بن
سلام فهو شبيه بقول الطبري، إلا أن الطبري قصر وجوه الاختلاف على المرادفات بين
هذه الألسن السبعة ، أما أبو عبيد فلم يحصره في مجرد المرادفات بين هذه اللغات .
عرض رأي الطبري :
فتحت عنوان " القول في اللغة التي نزل بها القرءان من لغات العرب
" عرض الطبري المفسر بتفصيل لموضوع الأحرف السبعة ، مبتدئا بإيراد الأحاديث
التي رويت في نزول القرءان على سبعة أحرف، ثم قال : (فإن قال : وما برهانك على أن
معنى قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ " نزل القرءان على سبعة أحرف "
وقوله " أمرت أن أقرأ القرءان على سبعة أحرف " هو ما ادعيته من أنه نزل
بسبع لغات ، وأمر بقراءته على سبعة ألسن ، دون أن يكون معناه ما قاله مخالفوك من
أنه نزل بأمر وزجر وترغيب وترهيب وقصص ومثل ، ونحو ذلك من الأقوال ؟ فقد علمت
قائلي ذلك من سلف الأمة وخيار الأئـمة .
قيل له : إن الذين قالوا ذلك لم يدعوا أن تأويل الأخبار التي تقدم ذكرنا
لها هو ما زعمت أنهم قالوه في الأحرف
السبعة التي نزل بها القرءان دون غيره ، فيكون ذلك لقولنا مخالفا ، وإنما أخبروا
أن القرءان نزل على سبعة أحرف ، يعنون بذلك أنه نزل على سبعة أوجه .. والسبعة أحرف هو ما قلنا من أنه الألسن
السبعة .. ومعلوم أن تماريهم فيما تماروا
فيه من ذلك لو كان تماريا واختلافا فيما دلت عليه تلاواتهم من التحليل والتحريم
والوعد والوعيد وما أشبه ذلك ، لكان مستحيلا أن يصوب جميعهم ـ ص ـ ويأمر كل قارئ
منهم أن يلزم قراءته في ذلك على النحو الذي هو عليه .. ولو كان ذلك منه تصويبا
فيما اختلفت فيه المعاني ، لكان قوله :" أنزل القرءان على سبعة أحرف"
إثباتا منه لما قد نفى الله تعالى عن كتابه من الاختلاف ، ونفيا لما قد أوجب له من
الائتلاف .)[60]
ولقد أفاض الطبري في الدفاع عن
هذا المذهب ، مثلما أسهب في تضعيف مذهب من قال بأنها سبعة أصناف وأغراض في القرءان
الكريم ..
وحول بقاء
الأحرف السبعة في القرءان الكريم إلى اليوم ذهب الطبري إلى القول ببقاء حرف واحد
منها وقال: ( فإن قال: فما بال الأحرف الستة غير موجودة إن كان
الأمر في ذلك على ما وصفت، وقد أقرأهن رسول الله أصحابه وأمر بالقراءة بهن،
وأنزلهن الله من عنده على نبيه؟ أنسخت فرفعت، فما الدلالة على رفعها؟ أم نسيتهن
الأمة، فذلك تضييع ما قد أمروا بحفظه؟ أم ما القصة في ذلك؟ قيل لم تنسخ فترفع، ولا
ضيعتها الأمة وهي مأمورة بحفظها، ولكن الأمة أمرت بحفظ القرءان وخيرت في قراءته
وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت، كما أمرت إذا حنثت بأي الكفارات الثلاث شاءت)[61]
( فإن قال : وما العلة التي أوجبت
عليـها الثبات على حرف واحد دون سائر الأحرف الستة الباقية ؟ قيل : .. ثم إن حذيفة
بن اليمان قدم من غـزوة كان غزاها في فـرج أرمينية ، فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان
بن عفان ، فقال : يا أمـير المؤمنين أدرك الناس ، فقال عثمان : وما ذلك ؟ قال :
غزوت فرج أرمينية ، فحضرها أهل العراق وأهل الشام ، فإذا أهل الشام يقرءون بقراءة
أبي بن كعب فيأتون بما لم يسمع أهل العراق ، فتكفرهم أهل العراق ، وإذا أهل العراق
يقرءون بقراءة ابن مسعود ، فيأتون بما لم يسمع أهل الشام ، فتكفرهم أهل الشام.
قال زيد بن ثابت : فأمرني عثمان
بن عفان أن أكتب له مصحفا ، وقال : إني مدخل معك رجلا فصيحا لبيبا ، فما اجتمعتما
عليه فاكتباه ، وما اختلفتما فيه فارفعاه إلي ، فجعل معه أبان بن سعيد ابن العاص .
قال : فلما بلغنا " إن آية
ملكه أن يأتيكم التابوت " قال زيد : فقلت : التابوه ، وقال أبان بن سعيد :
التابوت ، فرفعنا ذلك إلى عثمان ، فكتب التابوت .
قال الطبري : ( وحدثني يعقوب بن إبراهيم : قال
: حدثني أيوب عن أبي قلابة ، قال : لما كان في خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة
الرجل ، والمعلم يعلم قراءة الرجل ، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون ، حتى ارتفع ذلك
إلى المعلمين ، قال أيوب : فلا أعلمه إلا قال : حتى كفر بعضهم بقراءة بعض .
فبلغ ذلك عثمان فقام خطيبا فقال : أنتم عندي
تختلفون فيه وتلحنون ، فمن نأى عني من أهل الأمصار أشد فيه اختلافا وأشد لحنا ،
اجتمعوا يا أصحاب محمد فاكتبوا للناس إماما .
قال أبو قلابة: فحدثني أنس بن مالك، قال : كنت فيمن يملي عليهم ، قال:
فربما اختلفوا في الآية فيذكرون الرجل قد تلقاها من رسول الله ـ ص ـ ولعله أن يكون
غائبا أو في بعض البوادي ، فيكتبون ما قبلها وما بعدها ويدعون موضعها، حتى يجيء أو
يرسل إليه، فلما فرغ من المصحف كتب عثمان إلى أهل الأمصار: إني قد صنعت كذا وكذا
ومحوت ما عندي، فامحوا ما عندكم .)[62]
قال الطبري : ( وما أشبه ذلك من
الأخبار الدالة على أن إمام المسلمين وأمير المؤمنين عثمان بن عفان رحمة الله عليه
جمع المسلمين نظرا منه لهم ، وإشفاقا منه عليهم ، ورأفة منه بهم ، حذار الردة من
بعضهم بعد الإسلام .. وجمعهم على مصحف واحد وحرف واحد ، وحرق ما عدا المصحف الذي
جمعهم عليه .. فلا قراءة اليوم للمسلمين إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم
الشفيق الناصح ، دون ماعداه من الأحرف الستة الباقية . )[63]
( فأما ما كان من اختلاف القراءة في رفع حرف وجره ونصبه ، وتسكين حرف
وتحريكه ، ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة ، فمن معنى قول النبي ـ صلى الله عليه
وسلم ـ " أمرت أن أقرأ القرءان على
سبعة أحرف " بمعزل ، لأنه معلوم أنه لا حرف من حروف القرءان مما اختلفت
القراءة في قراءته بهذا المعنى يوجب المراء به كفر المماري به في قول أحد من علماء
الأمة ، وقد أوجب عليه السلام بالمراء فيه الكفر من الوجه الذي تنازع فيه المتنازعون
إليه وتظاهرت عنه بذلك الرواية . )[64]
قال ابن عبد البر : ( فبان بهذا أن تلك الأحرف
السبعة إنما كان في وقت خاص لضرورة دعت إلى ذلك ، ثم ارتفعت تلك الضرورة فارتفع
حكم هذه السبعة الأحرف، وعاد ما يقرأ به
القرءان على حرف واحد .)[65]
كما انتصر لهذا المذهب في العصر
الحديث محمد أبو شهبة ، وضرب لذلك أمثلة فقال:
(ومن أمثلة ذلك في القرءان قوله
تعالى :" إن كانت إلا صيحة واحدة ، وقد قرأ ابن مسعود " إلا زقية واحدة
" وقوله تعالى " فاسعوا إلى ذكر الله " قد قرأ عمر رضي الله عنه
" فامضوا إلى ذكر الله ، كما كان يقرأ أبي بن كعب " للذين آمنوا انظرونا
" للذين آمنوا امهلونا " ويقرأ " للذين آمنوا أخرونا " ويقرأ
" للذين آمنوا ارقبونا " ، وكان في قوله تعالى " كلما أضاء لهم
مشوا فيه " يقرأها " سعوا فيه .)[66].
مناقشة
رأي الطبري :
يتبين مما سبق أن الطبري قد ذهب في تفسير معنى الأحرف السبعة إلى أنها سبعة
ألسن، ثم حصر هذا الاختلاف بينها ـ فيما تعلق بالأحرف السبعة ـ في سبع مرادفات في
الكلمة الواحدة من القرءان الكريم، مقررا في الأخير أن الموجود اليوم في المصاحف
العثمانية إنما هو حرف واحد، وأن الأحرف الأخرى قد ذهبت، وهو الغرض من كتابة
المصحف العثماني لحسم موضع الخلاف وجمع كلمة المسلمين على لسان واحد لتكون قراءتهم
واحدة ..
أما كون الترادف الوارد في قراءة القرءان أنه من الأحرف السبعة فهذا صحيح
والآثار المروية في الموضوع تعضده، وأما القول بأن الأحرف السبعة محصورة في هذا
الوجه فقط فإن هذا لا نسلم له به لمجموعة من الأدلة منها :
ـ أن حاجة الأمة
إلى التيسير في تلاوة القرءان لا تتحقق بمجرد التوسع إلى الألفاظ المترادفة التي
وضعت لمعنى واحد ..
ـ وأن الخلاف القائم بين القراءات إلى اليوم لا ينحصر
في هذا الجانب ، ولا نجد لهذا الاختلاف بين القراءات تفسيرا وسندا شرعيا خارج معنى
الأحرف السبعة .
ـ أن الاختلاف بين لغات القبائل السبعة التي يفترض أن
يكون القرءان نزل بها لا يمكن حصره في مجرد الترادف بين مجموعة من الألفاظ ، بل إن
أشد هذا الاختلاف إنما هو في خصائص النطق في اللفظ الواحد ، ولا أدل على ذلك من
قول ابن جني مثلا نقلا عن الأصمعي :( ارتفعت قريش في الفصاحة عن عنعنة تميم[67] ،
وتلتلة بهراء[68]، وكشكشة
ربيعة[69]،
وكسكسة هوازن[70] ، وتضجع
قيس ، وعجرفية ضبة[71] .
)[72]
فهناك اختلاف واضح وجذري بين
القبائل العربية في كيفية النطق باللفظة الواحدة كما هو معروف في طرق قراءة بعض
كلمات القرءان .
ـ أن اقتصار عثمان بن عفان في المصحف الإمام على حرف واحد وإسقاط الحرف
الستة الباقية لا دليل عليه ، بل هو مجرد افتراض، وأن جمع الأمة ورفع الاختلاف
الواقع بينها في قراءة القرءان لا يقتضي رفع هذه الرخصة وهذا التيسير، بل الظاهر
أن عثمان إنما أراد أن يوحد الكتابة والرسم القرءاني الذي يحتمل القراءات الثابتة،
حتى إذا وقع الخلاف كان الاحتكام إلى هذه المصاحف في رسمها، ولذلك كان موافقة
الرسم شرطا أوليا في إثبات أية قراءة وتصحيحها، وكيف يعقل بعد أن رفع الخلاف في
القراءة إلى الخليفة عثمان رضي الله عنه أن يقف على المنبر فيخطب قائلا: "
أذكر الله رجلا سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال إن القرءان أنزل على سبعة أحرف
كلها شاف كاف لما قام، فقاموا فشهدوا أن الرسول قال: إن القرءان أنزل على سبعة
أحرف كلها شاف كاف، فقال : وأنا أشهد معهم " ثم يقوم بإسقاط هذه الأحرف
والإبقاء على حرف واحد ؟ بل الظاهر أنه أراد تأكيد ثبوت هذه الرخصة، حتى إذا علم
كل قارئ ذلك أمسك عن الجدال والمماراة، وأيما كانت المصاحف العثمانية اليوم مشتملة
على حرفين أو ثلاثة أو أكثر أو أقل فقد نجح عثمان رضي الله عنه في حسم الخلاف،
وذلك بوضعه المصحف الإمام وتوزيعه على الأمصار، وصار كل قارئ يقتصر على ما عرف من
القراءة مما يوافق المصحف العثماني ، ومن هنا يتبين أن جمع الناس على المصحف
العثماني لا يعني بالضرورة إسقاط الأحرف الستة الأخرى، وبخاصة إذا عملنا أن المصاحف
العثمانية على ما كانت عليه تحتمل أكثر من وجه من وجوه القراءة، كما أنه لم يصدر
من عثمان رضي الله عنه ما يشير إلى كونه عطل هذه الرخصة، وأما قوله للكتاب فما
اختلفتم في كتابته فاكتبوه بلغة قريش، فإن المقصود بنوع هذا الخلاف يتعلق بالرسم
والإملاء وليس بإثبات قراءة أو نفيها، ولم يختلف الكتاب إلا في رسم كلمة "
تابوت " ولما رفع هذا الخلاف إلى عثمان رضي الله عنه أشار عليهم بكتابتها
بتاء مفتوحة .
ـ أن انتصار الطبري لهذا الرأي لا يعني بالضرورة أبطال
ما ذهب إليه ابن قتيبة وغيره، لأنه لم يتعرض لمناقشته وبيان صحته أو فساده، وإنما
أفاض في نقد مذهب القائلين بأن الأحرف السبعة هي سبعة أصناف في القرءان الكريم ـ
وهو مصيب في ذلك ـ علما بأن ابن قتيبة سابق لابن جرير الطبري ، فلا ندري سبب سكوته
عن مناقشة هذا المذهب ، وقد يكون السبب أنه لم يصله على ما هو عليه ، أو أن هذا المذهب
لم يكتب له الذيوع والانتشار يومئذ ، وخاصة أن هذا الرأي إنما اشتهر بعد أن انتصر
له أبو الفضل الرازي الذي توفي سنة : 454هـ أي بعد قرن ونصف من وفاة الطبري،
وازداد انتشارا واشتهارا بعدما ذهب إلى القول به ابن الجزري المتوفي سنة : 833هـ .
عرض رأي أبي الفضل الرازي
ويبدأ أصل هذا المذهب مع أبي حاتم السجستاني[73] ثم
ابن قتيبة في كتابه " تأويل مشكل القرءان " ، ثم أبي بكر الباقلاني ،
وإنما نسبناه إلى أبي الفضل الرازي الذي جاء بعدهم باعتبار تطويره هذا المذهب
وشهرة نسبته إليه .
وقد اختلفوا في تعيين هذه الوجوه اختلافا
يسيرا ، لأن الأمر لا يعدو أن يكون اجتهادا قائما على التتبع والاستقراء ، ولذلك
بين الباقلاني عدم ورود أثر تقوم به الحجة علينا في تحديد أعيان الأحرف السبعة
وأجناس اختلافها ، وطرق اللغات فيها ، كما لم تتفق الأمة على ذلك في عصر من
الأعصار اتفاقا ملزما لنا ، ثم قال : ( ومع ذلك قد يمكن أن يقال إن السبعة أحرف
واللغات التي نزل بها القرءان محصورة معروفة بما يقرب أن يكون هو المراد بالخبر
ولا يبعد.. )[74]
كما لم يذهب ابن الجزري بعيدا عما مثل به
الباقلاني لهذه الوجوه السبعة حيث قال :
( لازلت أستشكل هذا الحديث ، وأفكر فيه ، وأمعن
النظر من نيف وثلاثين سنة ، حتى فتح الله علي بما يمكن أن يكون صوابا إن شاء الله
، ذلك أني تتبعت القراءات صحيحها وشاذها وضعيفها ومنكرها ، فإذا هو يرجع اختلافها
إلى سبعة أوجه من الاختلاف لا تخرج عنها ، وذلك :
أولا : الاختلاف في
الحركات بلا تغير في المعنى والصورة .
ثانيا : الاختلاف في
الحركات بتغير المعنى فقط .
ثالثا : الاختلاف في
الحروف بتغير المعنى لا الصورة .
رابعا : الاختلاف ي
الحروف بتغير الصورة لا المعنى .
خامسا : الاختلاف في
الحروف بتغير الصورة والمعنى .
سادسا : الاختلاف في
التقديم والتأخير .
سابعا : الاختلاف في
الزيادة والنقصان .
قال ابن الجزري
: فهذه سبعة أوجه لا يخرج الاختلاف عنها)[75].
أما أبو الفضل الرازي فقال :
فمن التأويلات
التي يحتملها الخبر ، ولم يتقدم على نظامه تأويل هو أن كل حرف من الأحرف السبعة
المنزلة جنس ذو نوع من الاختلاف .
أحدها ـ : اختـلاف
أوزان الأسماء من الواحد والتثنية والجموع والتذكير والمبالغة وغيرها .
الثاني ـ اختلاف تصريف الأفعال من ماض
ومضارع وأمر .
الثالث ـ اختلاف وجوه الإعراب .
الرابع ـ الاختلاف بالنقص والزيادة
الخامس ـ التقديم والتأخيـر .
السادس ـ الاختلاف بالابدال.
السابع ـ اختلاف اللغات ( يريد
اللهجات ) كالإمالة والترقيق والتفخيم والإظهار والإدغام وغيرها.
ويتبين من العرض السابق أن هذه الأقوال آنفة
الذكر متقاربة إن لم نقل متطابقة ، إلا أن أكملها وأشملها لوجوه الخلاف القائمة
بين لغات العرب يوم نزول القرءان هو قول أبي الفضل الرازي ، وبذلك صار قوله علما
على هذا الإتجاه .
كما أن هذه الأقوال لا تعارض في حقيقتها قول
من قالوا إن الأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب ، فالذين فسروا الأحرف بالأوجه
السبعة السابقة إنما راعوا وجوه الاختلاف القائمة بين لغات العرب دون حصرها في
سبعة ألسن ، والذين فسروا الأحرف السبعة بلغات سبعة إنما أرادوا مراعاة وجوه
الاختلاف القائمة بين لغات قبائل معدودة ، ومن هنا كانت العلاقة بين الرأيين علاقة
عموم وخصوص .
وقد ارتضى بعض من العلماء هذا
المذهب على غيره من المذاهب لأسباب منها:
1 ـ أنه المذهب الذي تؤيده أكثر الأدلة الواردة في الأحاديث السابقة .
2 ـ أنه المذهب الذي تتجلى فيه مظاهر التيسير أكثر من غيره ، وهو الغرض
المقصود من نزول القرءان على سبعة أحرف .
3 ـ أن هذا المذهب يعتمد على الاستقراء التام للقراءات المتواترة والصحيحة
والشاذة .
وهكذا فإننا إذا تأملنا في مضمون الرأيين السابقين فإننا نجدهما يتكاملان
ولا يتنافران ، بل إن جانب الصواب في مذهب الطبري يسد الثغرات الموجودة في رأي أبي
الفضل الرازي ومن ذهب مذهبه ، كما أن جانب الصواب في رأي قتيبة ومن لف لفه يسد
الثغرة الموجودة في رأي الطبري ومن ذهب مذهبه
كما أن هذين المذهبين في
جوهرهما لا يبعدان عن قول من فسروا الأحرف
باللغات ، لأن المقصود باللغات مراعاة الفوارق القائمة بين أشهر لغات العرب ، وهي
فوارق لا تخرج في مجموعها عما سبق ذكره في مذهبي الطبري وأبي الفضل الرازي ، وهذا
ما ذهب إليه الكاتب الأديب مصطفى صادق الرافعي في قوله ( وما كان العرب يفهمون من
معنى الحرف إلا اللغة )[76]
(.. فالتوسعة جاءت عن طريق
السبعة إنما كانت بالأخذ بالفوارق القائمة بين اللغات السبع ، سواء أدى ذلك إلى
إنزال الكلمة على أربعة أوجه أو سبعة أو دون ذلك ، وسواء أكانت الفوارق في ألفاظ
مختلفة بمعان متفقة ، أم كان الافتراق في الإمالة والاشباع والتفخيم والترقيق ، أم
في إبدال حرف مكان حرف ، أو ما إلى ذلك مما تختلف فيه اللغات..)[77] وهو الرأي الذين انتصر له غير واحد من المحققين
.
قال مكي بن أبي طالب ( والذي
نعتقده في ذلك ، ونقول به وهو الصواب إن شاء الله أن الأحرف السبعة التي نزل بها
القرءان هي لغات متفرقة في القرءان ، ومعان في ألفاظ تسمع في القراءة ، مختلفة في
السمع متفقة في المعنى ، ومختلفة في السمع والمعنى ، نحو تبديل كلمة في موضع بأخرى
وصورة الخط متفقة أو مختلفة نحو : يسيركم ، وينشركم ، ونحو : صيحة ، وزقية ،
وزيادة كلمة ونقص أخرى ، وزيادة حرف ونقص حرف ، وتغيير حركات في موضع حركات أخر ،
وإسكان حركة ، وتشديد وتخفيف ، وتقديم وتأخير ، وشبه ذلك ، مما يسمع ويميز بالسمع
. . )[78]
كما نقل أبو شامة[79]
عن بعض الشيوخ أنه قال:( أنزل القرءان أولا بلسان قريش ومن جاورهم من العرب
الفصحاء ، ثم أبيح للعرب أن يقرؤوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على
اختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولم يكلف أحد منهم الانتقال عن لغته إلى لغة أخرى
للمشقة، ولما فيهم من الحمية، وزاد غيره أن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي، بل
المراعى في ذلك السماع من النبي صلى الله عليه وسلم[80].
وإذا سلمنا بأن مفهوم الأحرف
السبعة يشمل ما ذهب إليه الطبري ويتسع لما ذهب إليه أبو الفضل الرازي ترجح القول
ببقاء الأحرف السبعة في المصاحف العثمانية إلى اليوم كلا أو بعضا أي أن كل مصحف من
هذه المصاحف قد اشتمل على ما يوافق رسمه من هذه الأحرف .
وذلك أننا لو تأملنا الأمثلة
التي استشهدنا بها في أوجه الاختلاف السبعة لوجدناها تحتمل أكثر من وجه ، لأنها
كتبت خالية من النقط والشكل ، أما قراءة التقديم والتأخير والزيادة والنقصان فما
ثبت في المصاحف العثمانية فهو المحكم ، وما خالفه من زيادة فهو منسوخ ، ويدل على
هذا النسخ إجماع الأمة على ما في المصاحف العثمانية ، ومثال ذلك قراءة ابن عباس
" يأخذ كل سفينة صالحة غصبا "[81]،
فالقراءة بحذف " صالحة " هي المحكمة ، وغيرها منسوخة بآخر عرضة للنبي ـ
صلى الله عليه وسلم ـ على جبريل عليه السلام . وأما في سورة التوبة ، فقد ثبتت
الزيادة والنقصان في مصحف عثمان ، فقرئ " وأعد لهم جنات تجري من تحتها
الأنهار "[82] بإثبات
"من" وقرئ بحذفها " تجري تحتها الأنهار" ، ووجدت الزيادة في
المصحف المكي، وحذفت في غيره، فلما كانتا قراءتين محكمتين متواترتين فقد راعاهما
عثمان في رسم مصحفه، ومن هذا القبيل وجد الاختلاف في بعض الحروف بين مصاحف
الأمصار، فالخلاف بين مصحف أهل المدينة والعراق كان في اثني عشر حرفا، وبين مصحفي
أهل الشام والعراق كان نحو أربعين حرفا، وبين أهل الكوفة ومصر في خمسة حروف، وهو
المذهب الذي مال إليه غير واحد من المحققين .
قال الإمام أبو العباس أحمد بن
عمار المهدوي: (وأصح ما عليه الحذاق من أهل النظر في معنى ذلك أن ما نحن عليه في
وقتنا هذا من هذه القراءات هو بعض الحروف السبعة التي نزل عليها القرءان..)[83]
وقال مكي بن أبي طالب في كتابه
"الأمانة" الذي جعله متصلا بآخر كتاب الكشف بمثل ذلك[84].
خـاتمـة
ونخلص من هذا العرض والمناقشة للآراء السابقة إلى تقرير جملة من النتائج
نلخصها فيما يأتي :
1 ـ أن نزول القرءان على سبعة أحرف أمر ثابت بالنصوص الصحيحة والمستفيضة ،
وقد بلغت الأحاديث المروية في الموضوع حد التواتر، وهو ما يقطع الطريق على أعداء
الدين والمشككين في صحة توثيق النص القرءاني، ولقد حكم بالكفر على منكر الأحرف
التي نزل بها القرءان إذا بلغته بصورة تفيد العلم اليقيني .
2 ـ وقد بينت لنا نصوص الأحاديث التي أوردناها أن الأحرف السبعة على
الحقيقة، وأنها من عند الله تعالى، وأن على المؤمن أن يقرأ بما تيسر منها من غير
تفضيل حرف على حرف آخر .
3 ـ كما تبين أن أكثر الآراء الواردة في تفسير الأحرف السبعة هي آراء بعيدة
وعارية عن الدليل الصحيح، ولم يثبت أمام البحث والمناقشة إلا ثلاثة أقوال شبيهة
بالصواب، وهذه المذاهب بعد النخل والتمحيص تبدو متقاربة بل متكاملة .
4 ـ على أن هذه الأحرف السبعة التي نزل بها القرءان الكريم لم يكن بينها من
اختلاف أو تضاد ، وإنما كانت في الأمر الواحد الذي لا يختلف في حلال أو حرام، وقد
كان نزول هذا الوحي على سبعة أحرف على الرسول خصيصة لهذه الأمة، ومزية للقرءان على
سائر الكتب السماوية.
5 ـ كما أنه لا سبيل إلى القطع بأن عثمان
رضي الله عنه قد كتب مصاحفه على حرف واحد، بل الظاهر هو بقاء الأحرف السبعة في
المصاحف العثمانية كلا أو بعضا .
6 ـ لم يقل أحد من العلماء الأثبات أن الأحرف السبعة هي القراءات السبع
المنسوبة إلى القراء السبعة المعروفين ، وإنما كان ذلك وهما علق بأذهان العامة لما
وافق عدد الأحرف السبعة لعدد القراء السبعة المشهورين، فليست القراءات السبع إلا
بعض ما تواتر واشتهر من الأحرف .
ولعل بهذه النتائج الطيبة نكون
قد أزلنا بعضا من أسباب الغموض التي ظلت تكتنف هذا الموضوع، ورفعنا بعضا من
الإشكالات الموهمة للاختلاف والتناقض بين آراء العلماء في مفهوم نزول القرءان على
سبعة أحرف.
4 ـ ترجـمة القـرءان الكريم
تصميم المحاضرة:
ـ أهمية الموضوع.
ـ معنى الترجمة.
ـ دواعي ترجمة القرءان الكريم.
ـ الترجمة الحرفية للقرءان فوق الطاقة البشرية.
ـ شروط ترجمة معاني القرءان وضوابطها .
ـ بعض الصعوبات التي تعترض المترجم.
ـ نظرة تاريخية في الترجمة الأوروبية للقرءان الكريم.
ـ ملاحظات عامة على هذه الترجمات.
ـ خاتمة.
أهمية الموضوع
يكتسي هذا المبحث أهمية قصوى
لأكثر من سبب وفي مقدمتها الاهتمام المبكر بترجمة القرءان إلى اللغات الأجنبية ،
كما كانت حاجة الدعوة وتبليغ الرسالة إلى الناس كافة استجابة لقوله تعالى
:"وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا.."[85] وإلى
جانب الكم الهائل من الترجمات المتداولة بين لغات العالم ، كل ذلك يدعونا إلى أن
نقف وقفة تحليلية فاحصة لموضوع ترجمة القرءان الكريم.
معنى الترجمة
لم تكن كلمة "ترجمة"
غريبة عن اللسان العربي بل كانت معروفة منذ عصر النبوة مبنى ومعنى، وفي الحديث
الصحيح :" ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله يوم القيامة ليس بين الله وبينه
ترجمان.."[86]
وتحمل كلمة ترجمة أكثر من معنى،
منها تفسير الكلام وبيانه كقولهم: ابن عباس ترجمان القرءان ، ومنها تبليغ الكلام
لمن يطلب تبليغه ، ومنها تفسير الكلام بلغة غير لغته ، أو نقل مضمون الخطاب من لغة
إلى أخرى ، وهي معان متقاربة كما نرى، ومن مجموعها أخذ المعنى الاصطلاحي وهو
"نقل الكلام من لغة إلى أخرى مع محاولة الوفاء بجميع معانيه ومقاصده"[87].
وتنقسم الترجمة بالمعنى
الاصطلاحي إلى قسمين :
ـ الترجمة الحرفية وهي التي يراعى فيها محاكاة الأصل فينظمه وترتيبه فهي
تشبه وضع المرادف مكان مرادفه، وبعض الناس يسميها الترجمة اللفظية.
ـ الترجمة التفسيرية وهي التي يراعى فيها نقل معنى الكلام وقاصده وتسمى
أيضا بالترجمة المعنوية[88].
ويستفاد من كل ما سبق أن
الترجمة تفسير لغة بلغة أخرى ، وأنها نقل المعنى من لغة إلى لغة، وأنها تعبير عن
لغة بلغة[89].
دواعي ترجمة معاني القرءان الكريم
عقد البخاري في صحيحه بابا في
التكلم بغير العربية مستدلا بقوله تعالى :"..واختلاف ألسنتكم وألوانكم"
سورة الروم:22 وقوله تعالى:"وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه.." سورة
إبراهيم:4 . ثم ساق أحاديث أثبت بها أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بغير
العربية.
وقد ثبت أنه عليه السلام اتخذ من
أصحابه من يترجم له الكتب الواردة إليه من الفرس والروم والأحباش والقبط واليهود،
ففي كتاب التراتيب الإدارية[90] أن
زيد بن ثابت كان يكتب للملوك ويجيب بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان ترجمانه
بالفارسية والرومية والقبطية والحبشة والعبرية .
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم
كان يضمن كتبه ورسائله إلى الملوك آيات من القرءان الكريم ، وكان يعلم بأنها
ستترجم معانيها إلى من أرسلت إليه ليفهمها، وهذا إقرار منه عليه السلام بجواز
ترجمة معاني القرءان الكريم إلى غير العربية.
الترجمة الحرفية للقرءان فوق الطاقة البشرية
لقد جاء القرءان الكريم بالنظم
البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب وبالجزالة التي تتأتى لمخلوق أن
يضاهيها مصداقا لقوله تعالى :" فليأتوا بحديث مثله عن كانوا صادقين "
ولهذا لا يجوز إخراج القرءان القرءان الكريم عن لغته المعجزة إلى لغات أخرى ، ثم
تسمى قرءانا أو ترجمة قرءانية، وذلك لعدة اعتبارات منها:
1 ـ إذا خرج القرءان الكريم عن لغته العربية تأكد وقوع التغيير والتبديل
والتحريف وهو ما يؤمله أعداء الإسلام، وإن الكتب المساوية السابقة حرفت لما ترجمت
إلى غير لغتها الأصلية.
2 ـ إن خصائص القرءان البيانية قد أعجزت بلغاء العرب عن الإتيان بمثله فكيف
يكون بمقدور غيرهم ممن لا يرتقى لمرتبتهم في فهمه أن يأتي بما يشابهها في غير
لغتها .
3 ـ وإذا سلمنا بأن لكل لغة في العالم خصائصها في الأساليب والتراكيب ،
فكيف يمكنها أن تستوعب خصائص اللسان العربي وبخاصة في القرءان الكريم الذي تحدى
الله تعالى بأساليبه الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، وهو ما أكده الإمام الشاطبي
في كتاب الموافقات[91].
ومن هنا فإن أي ترجمة للقرءان
الكريم لا تعدو أن تكون مجرد تفسير له ، وقد تقدم أن الترجمة في أحد معانيها هي تفسير
لغة بلغة أخرى ، وعليه فإن ترجمة معاني القرءان الكريم لا يصلح أن يطلق عليها اسم
القرءان ، وعلى هذا تنبني الأحكام التالية:
1 ـ أنه لا يتعبد بقراءة الترجمة كما يتعبد بقراءة القرءان الكريم.
2 ـ لا يجوز قراءتها في الصلاة.
3 ـ يجوز مسها بغير طهارة كأي كتاب
في التفسير .
4 ـ لا يجوز تسميتها بترجمة القرءان.
5 ـ لا تكون مرجعا مستقلا في استنباط الأحكام الشرعية.
شروط ترجمة معاني القرءان الكريم وضوابطها:
إن ترجمة القرءان الكريم ليست كترجمة أي كتاب آخر، ولذلك لا يقبل عمل أي
مترجم إلا إذا توفر على شروط منها شروط تتعلق بذات المترجم، وشروط أخرى تتعلق بذات
الترجمة ، ومن شروط المترجم ما يأتي:
أولا: أن يكون المترجم مسلما فلا تقبل
ترجمة غير المسلمين لأنهم غير مأمونين على الإسلام شرعا.
ثانيا : أن يكون المترجم من أهل العدالة
والثقة فلا تقبل ترجمة الفاسق المستهتر بدينه.
ثالثا : أن يكون المترجم ضليعا في اللغة
العربية ، وكذا في اللغة التي يترجم إليها عارفا بآدابها وأساليبها ومصادرها
ودقائق قواعدها .
رابعا : أن يتحقق بشروط المفسر والآداب
التي ارتضاها العلماء في أعمال المفسرين باعتبار أن المترجم هو مفسر لمعاني
القرءان الكريم.
خامسا : أن يستعين بكتب التفسير المشهورة
والمأمونة في تخير المعاني وانتقائها قبل ترجمتها .
بعض الصعوبات التي تعترض المترجم وطريقة التعامل معها:
تعترض مترجم معاني القرءان الكريم جملة من الصعوبات والعقبات، ومن هذه
الصعوبات ما يأتي:
1 ـ الرسم القرءاني وما ينطوي عليه من حكم وأسرار لها أكثر من علاقة
بالقراءات والمعاني وإعجاز القرءان وغيرها ، وهو ما عرفناه في موضوع الرسم
العثماني للقرءان الكريم وبعض قواعده.
2 ـ القراءات القرءانية وإنزالها على المعاني المختلفة .
3 ـ متشابه القرءان ومذاهب العلماء في التعامل معه من تأويل وعدمه..
4 ـ فواتح سور القران الكريم المتمثلة في بعض الحروف الهجائية وإيحاءاتها
الخاصة ..كقوله تعالى"طه ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى" وقوله أيضا
:"يس والقرءان الحكيم " وغيرها.
5 ـ بعض المصطلحات اللغوية ذات الدلالات الشرعية مثل مصطلح الهجرة والجهاد
والزكاة والكفارة والموالاة.. وغيرها كثير ، فقد وجدنا في بعض الترجمات لكلمة
الهجرة بمعنى الهروب والفرار وكلمة المولى بمعنى الزبون وهي ترجمات بعيدة عن
معناها الشرعي بل تضادها وتنافيها.
تاريخ ترجمة القرءان الكريم
بدأت محاولة ترجمة القرءان
الكريم فصر مبكر ، ويروى أن سلمان الفارسي ترجم شيئا من القرءان الكريم إلى
الفارسية لتيسير الصلاة لبعض من أسلم من بلاد فارس ، وذلك قبل أن تلين ألسنتهم،
ونجد الفقهاء والمجتهدين قد تناولوا مبحث صلاة الأعجمي بغير العربية، كما أن
الأوروبيين كان لهم اهتمام مبكر بترجمة القرءان الكريم إلى اللاتينية لأهداف
متنوعة بحكم احتكاكهم بمسلمي الأندلس ، أما في العصر الحديث وفي عصر الانفجار
الإعلامي والطباعة فقد تزايدت عمليات الترجمة للقرءان الكريم إلى مختلف لغات
العالم سواء كان ذلك من المسلمين أو من غيرهم، ونظرا لأهمية ترجمة القرءان الكريم
إلى اللغات الأوروبية وآثارها على المستوى العلمي والدعوي والتاريخي فقد رأينا أن
نقدم خلاصة عن المسار التاريخي لحركة الترجمة للقرءان الكريم في أوروبا
فنقول:
جذب القرآن الكريم بطريقته
المثلى في عرض عقيدته وشريعته، وبأسلوبه المتفرد في صياغة أفكاره ومبادئه، اهتمام
كثير من الأوروبيين وبخاصة القساوسة والرهبان، فدعوا إلى ترجمته أولاً قبل دراسته ومنافحته بعد ذلك، والذي يفسر لنا ذلك كله، أن أول من دعا إلى
ترجمة القرآن الكريم هو الراهب 'بيتر المحترم' رئيس دير 'كولني' في فرنسا سنة
1143م، وأن اللذين قاما بهذه الترجمة هما الراهبان 'روبرت' و'هرمان'.
يقول 'محمد صالح البنداق'[92]:
'أول ترجمة للقرآن الكريم باللغات الأوروبية كانت باللاتينية، وقد تمت بإيعاز
وإشراف رئيس دير 'كلوني' في جنوب فرنسا الراهب 'بطرس المبجل'، وهذا اسمه وكان ذلك
سنة 1143م، وعلى يد راهب إنجليزي يدعى 'روبرت الرتيني' وراهب ألماني يدعى 'هرمان'.
جاء في خطاب 'بيتر المحترم' إلى القديس 'برنار'، ما يلي: 'قابلت روبرت وصديقه هرمان الدلماطي العام 1141م في إسبانيا وقد صرفتهما عن
علم الفلك إلى ترجمة القرآن باللاتينية، فأتماها سنة 1143م، وكانت أول ترجمة
للقرآن استعانا فيها باثنين من العرب'.
والمثير للاستغراب، أن الدوائر الكنسية منعت طبع هذه الترجمة وإخراجها إلى
الوجود، لأن إخراجها من شأنه أن يساعد على انتشار الإسلام بدلاً من أن يخدم الهدف
الذي سعت إليه الكنيسة أصلاً وهو محاربة الإسلام، يقول G.H Bousquet: 'منذ سنة 1141م، اجتمع رجال
الدين بإيعاز من 'بيتر المحترم' رئيس 'دير كلوني' لترجمة القرآن إلى اللاتينية،
قصد محاربة الإسلام'.
وظلت هذه
الترجمة مخطوطة في نسخ عدة، تتداول في الأديرة مدة أربعة قرون فقط إلى أن قام
'ثيودور بيبلياندر' بطبعها في مدينة 'بال' في سويسرا في 11 يناير سنة 1543م، وسميت
هذه الترجمة ترجمة 'بيبلياندر' وتميزت بمقدمة لـ'مارتن لوثر' و'فيليب ميلانختون'،
تحدث عنها 'جورج سال' قائلاً: 'إن ما نشره 'بيبلياندر' في اللاتينية زاعمًا بأنها
ترجمة للقرآن الكريم لا تستحق اسم ترجمة، فالأخطاء اللانهائية والحذف والإضافة
والتصرف بحرية شديدة في مواضع عدة يصعب حصرها يجعل هذه الترجمة لا تشتمل على أي
تشابه مع الأصل'.
وهذه شهادة أخرى على فساد هذه
الترجمة ننقلها عن أحد المستشرقين البارزين في مجال الدراسات القرآنية، هو
المستشرق الفرنسي 'بلاشير'، الذي يقول: لا تبدو الترجمة الطليطلية للقرآن بوجه من
الوجوه ترجمة أمينة وكاملة للنص.
ومع ذلك،
شكلت هذه الترجمة النواة الأولى لباقي الترجمات الأوروبية الأخرى للقرآن الكريم.
بل مارست عليها تأثيرًا قويًا إلى درجة الاقتباس منها والسير على منهجها.
ثم توالت الترجمات القرآنية إلى اللغات الأوروبية بعد ذلك في الظهور:
حيث ظهرت أول ترجمة للقرآن
الكريم باللغة الفرنسية سنة 1647م، على يد 'أندري دي ريور' وقد كان لهذه الترجمة
صدى كبير لفترة طويلة من الزمن، حيث أعيد طبعها مرات عدة وترجمت إلى مختلف اللغات الأوروبية، يقول J.D Pearson: 'إن الترجمة الفرنسية القديمة
جدًا، هي ترجمة 'أندري دي ريور'، طبعت كثيرًا بين الأعوام 1647م،و 1775م، وكانت كلها تحتوي على مختصر لديانة الأتراك وبعض المستندات، وقد
نتج من هذا العمل أول ترجمة للقرآن إلى الإنجليزية بوساطة 'ألكسندر روس' وكانت أيضًا للأب Le
Pere ترجمات أخرى إلى الهولندية بوساطة
'جلازماخر' وإلى الألمانية بوساطة 'لانج'،
وإلى الروسية بوساطة 'بستنكوف' و'فريفكين'.
وفي القرن السابع عشر، عملت
ترجمة من العربية مباشرة إلى اللاتينية للإيطالي 'مركي' سنة 1698م، وتعتبر هذه
الترجمة عمدة كثير من الترجمات الحالية، في كتاب lslamologie وكانت كما يلي: 'في العام 1698نشر
'لودفيك مركي'. بعد أكثر من أربعين سنة من دراسته للقرآن، ولمختلف المفسرين
المسلمين ـ النص العربي للقرآن مصحوبًا بترجمة لاتينية وجيزة جدًا وبنقط وردود، وقد كان هذا المؤلف مصدرًا لكثير من المترجمين الحاليين
الذين أخذوا منه أهم المواد'.
واعتبر 'هنري لامنز' هذه الترجمة
أكثر الترجمات إنصافًا للقرآن الكريم، ومرجع كثير من المترجمين الأوروبيين، غير
أنهم لا يشيرون إليها في معظم الأحيان، والنتيجة كما يقول 'لا مينز': 'إننا لا
نملك ترجمة وحيدة للقرآن لا عيب فيها، وأكثرها إنصافًا هي الترجمة اللاتينية
القديمة لـ'مركي' '1691 ـ1698م' والتي تستند إليها جميع التراجم اللاحقة، من غير اعتراف في أكثر الأحيان'.
وفي القرن الثامن عشر، ظهرت
ترجمات أنجزت أيضًا على أصل عربي، حيث نشر الإنجليزي 'جورج سال'، ترجمة مباشرة من
العربية إلى الإنجليزية سنة 1734م زعم في مقدمتها أن القرآن إنما هو من اختراع
'محمد' ومن تأليفه وأن ذلك أمر لا يقبل الجدل[93]،
ونشر الفرنسي 'سافاري' ترجمة مباشرة إلى الفرنسية سنة 1751م 'حظيت بشرف نشرها في
مكة سنة 1165هـ'، وإن كان 'إدوارد مونتيه' E.montet يقول: إنه رغم أن ترجمة 'سافاري' طبعت مرات عدة،
وأنيقة جدًا، لكن دقتها نسبية.
وفي سنة 1840م ظهرت إلى الوجود
ترجمة 'كزيمرسكي'، التي تعتبر ـ مقارنة مع ترجمة 'سافاري' ـ أكثر عراقة
واستعمالاً. رغم عوزها بعض الأمانة العلمية وفهم البلاغة العربية، يقول 'مونتيه' عن هذه الترجمة: لا يسعنا إلا الثناء
عليها، فهي منتشرة كثيرًا في الدول الناطقة بالفرنسية.
وفي سنة 1925م ظهرت ترجمة 'إدوارد مونتيه' التي امتازت بالضبط والدقة،
والتي تحدث عنها الأستاذ 'محمد فؤاد عبد الباقي' بما نصه 'كنت طالعت في مجلة
المنار مقالاً للأمير 'شكيب أرسلان' عن ترجمة فرنسية حديثة للقرآن الكريم وضعها
الأستاذ: 'إدوارد مونتيه' ـ وقد قال عنها: إنها أدق الترجمات التي ظهرت حتى الآن
وقد نقل عنها إلى العربية مقدمة هذه الترجمة، وهي في تاريخ القرآن وتاريخ سيدنا
رسول الله، وقد نشرت في المنار، فاقتنيت هذه الترجمة فوجدتها قد أوفت على الغاية
في الدقة والعناية وقد ذيلها المترجم بفهرس لمواد القرآن المفصل أتم تفصيل.
وفي العام 1949م، ظهرت ترجمة
'بلاشير'، التي توجد السور فيها مرتبة حسب التسلسل التاريخي، يقول الدكتور 'صبحي
الصالح' يرحمه الله: 'تظل ترجمة 'بلاشير' للقرآن في نظرنا أدق الترجمات، للروح
العلمية التي تسودها لا يغض من قيمتها إلا الترتيب الزمني للسور القرآنية.
وأهم ما يميز هذه الترجمة استعمال 'بلاشير' أساليب مطبعية مناسبة، وإرفاق
نص الترجمة ببعض التعاليق والبيانات، وكثيرًا ما يورد للآية الواحدة ترجمتين يبين
في إحداهن المعنى الرمزي، وفي الثانية المعنى الإيحائي، وغالبًا ما يميل إلى
المعنى الإيحائي، وهذا ما جعلها أكثر الترجمات الفرنسية انتشارًا وطلبًا، جاء في
كتاب lslamologie: إن المطلوب 'من مجموع هذه
الترجمات، ما هو لـ'بيل' الإنجليزي، ولـ'بلاشير' الفرنسي ولـ'بوسني' الإيطالي'.
ويبدو أن لـ'جاك بيرك' رأيًا
مخالفًا حول هذه الترجمة، إذ يقول: 'ترجمة 'بلاشير' لها مزاياها، فهو رجل من أفضل المستشرقين الأوربيين إطلاعًا وضلاعة في
قواعد اللغة العربية وآدابها، ولكن من نواقصه أنه كان علمانيًا. أي أنه لم يكن قادرًا
على تذوق المضمون الروحي للقرآن وأبعاده الصوفية، ولا شك أن 'بلاشير' هو أستاذ عظيم فذ، فقد كان أستاذًا لي وصديقًا كبيرًا، ولكننا لو تكلمنا
كعلماء بعيدًا عن العلاقات الخاصة، فإنني أقول: 'إن ترجمته للقرآن ـ على الرغم من
مزاياها ـ فإن لها نواقصها، ولكنها تبقى من أفضل الترجمات الفرنسية للقرآن'.
ومع مرور الوقت ـ كما يقول Bousquet ـ لم تلق الترجمات الجديدة للقرآن
الكريم في فرنسا الاهتمام بنفسه. رغم ظهور ترجمات كثيرة غمرت السوق الفرنسية في
السنوات الأخيرة. إلى أن صدرت في العالم 1990م ترجمة 'جاك بيرك' التي استغرق في إنجازها ثمان
سنوات من العمل المتواصل، استعان فيها بعشرة تفاسير أولها تفسير 'الطبري'، وتفسير 'الزمخشري' من التفاسير القديمة، وتفسير 'محمد
جمال الدين القاسمي' من التفاسير الحديثة، وأهم ما ميز هذه الترجمة تلك المقدمة
التي خصها 'بيرك' لتحليل النص القرآني ومميزاته ومضامينه والخصوصيات التي يتمتع
بها، لكن بالرغم مما أحدثته هذه الترجمة من ضجة كبيرة في الأوساط الفرنسية،
واعتبرت حينها حدثًا ثقافيًا بارزًا، فإن صاحبها يرى أن عمله الترجمي لن يصل إلى
مرحلة الكمال، وإنما سيكون موجهًا إلى المسلمين الذين لا يحسنون اللغة العربية، ويحسنون اللغة الفرنسية.
وبالرجوع إلى تاريخ الترجمات الفرنسية للقرآن الكريم يتضح لنا أنها مرت بثلاث مراحل رئيسة هي:
1ـ مرحلة الترجمة من اللاتينية إلى اللغة الفرنسية.
2ـ مرحلة الترجمة من اللغة العربية مباشرة إلى اللغة الفرنسية، وهذا مسلك
نهجه كثير من المستشرقين الفرنسيين في ترجماتهم للقرآن في القرن العشرين أمثال
'بلاشير' و'بيرك'.
3ـ مرحلة دخول المسلمين ميدان الترجمة إلى اللغة الفرنسية، مثل ترجمة
الجزائريين 'لايمش' و'ابن
داود'، والتي كانت ـ كما يقول BousQuet ـ بأسلوب بليغ وعجيب. وترجمة 'أحمد يتحاني' العام
1936م، وترجمة 'حميد الله' سنة 1959م، وترجمة الدكتور 'صبحي الصالح' يرحمه الله سنة 1979م.
وفي سنة 1966م، ظهرت ترجمة المستشرق الألماني 'رودي بارت'، وتعتبر أحسن
ترجمة للقرآن الكريم باللغة الألمانية، بل باللغات الأوروبية عمومًا، وقد حرص
صاحبها على أن يكون عمله علميًا وأقرب ما يكون من الدقة والأمانة في نقل المعاني
القرآني من العربية إلى الألمانية حتى إنه حينما تعترضه كلمة يشكل عليها فهمها على الوجه المقصود، أو لا يطمئن إلى قدرته على تحديد معناها باللغة الألمانية،
فإنه يثبتها بنصها العربي كما وردت في الآية الكريمة، ولكن بالحروف اللاتينية
ليفسح المجال أمام القارئ لأن يتوصل بنفسه إلى إعطائها المعنى الذي يراه ملائمًا لسياق الكلام دون أن يفرض عليه وجهة نظره الشخصية[94].
هذه أهم الترجمات القرآنية إلى
اللغات الأوروبية المختلفة، وهناك ترجمات أخرى كثيرة لا يتسع لنا المقام لذكرها
كلها، لكن للمزيد من التوسع في هذا المجال يستحسن الرجوع إلى كتاب 'شوفان'.
ملاحظات عامة على الترجمات الأوروبية للقرآن الكريم
إن المطلع على قائمة الترجمات
القرآنية إلى اللغات الأوروبية، يمكن أن يقف على ملاحظات عدة، نرى من الضروري أن
نسجل بعضًا مما تبدى لنا منها[95]:
الملاحظة الأولى: لقد كانت
الترجمة اللاتينية الأولى للقرآن الكريم، الشرارة الأولى التي فجرت كمًا هائلاً من الترجمات بمختلف اللغات الأوروبية، حيث استمدت منها أصولها ونهجها، فظهرت الترجمة الإيطالية أولاً سنة 1547م أي بعد أربع سنوات
فقط من ظهور الترجمة اللاتينية الأولى إلى الوجود، وبعدها بتسع وستين سنة ظهرت الترجمة الألمانية سنة 1616م وهلم
جرا.
الملاحظة الثانية: أن المدارس
الاستشراقية الكبرى التي كان لها الشأن الكبير في مجال الدراسات القرآنية, نجدها
تبرز بشكل واضح في مجال الترجمة القرآنية, كالمدرسة الألمانية, والفرنسية،
والإنكليزية، والإيطالية، والهولندية.
الملاحظة الثالثة: اختفاء
أسماء كثير من المستشرقين من ذوي الحظ الوافر في الدراسات الموضوعية للقرآن، عن
ترجمة القرآن الكريم إلى لغاتهم، كالمستشرق الألماني 'تيودور نولدكه' و'فلوجل'
و'براجشترسر'، مع احتفاظ مستشرقين آخرين بمكانتهم وحظهم الوافر في ميدان ترجمة
القرآن مثل 'بلاشير'، في حين برزت أسماء أخرى مثل الإيطالي 'جيوفاني بانزير'،
والألماني 'أولمان لودفيج'، والهولندي 'جلازماخر'، والفرنسي 'دي ريور' والإنجليزي
'جورج سال'.
الملاحظة الرابعة: مشاركة بعض
المسلمين في ترجمة القرآن إلى اللغات الأوروبية المختلفة، مثل 'حميد الله' الذي
ترجم القرآن إلى اللغة الفرنسية، و'صدر الدين' الذي ترجم القرآن إلى الألمانية،
و'أحمد علي أمير' الذي ترجم القرآن إلى الإنكليزية.
الملاحظة الخامسة: هناك
ترجمات أوروبية، اعتمد فيها أصحابها الترتيب الزمني للسور مثل ترجمة
الفرنسي 'بلاشير' والإنجليزي 'روديل' سنة 1861م.
الملاحظة السادسة: عمد بعض
المستشرقين في ترجماتهم للقرآن الكريم إلى وضع مقدمات منهجية لترجماتهم وتفسير بعض
الألفاظ القرآنية، مثل ما فعل 'أربري' و'بلاشير' و'كزيمر سكي' و'بيرك'.
الملاحظة السابعة: تتناثر بعض
الترجمات الجزئية إلى جانب الترجمات الكاملة للقرآن، مثل ترجمة المستشرق السويدي
'سترستين' الذي ترجم فصولاً عدة من القرآن إلى الإسبانية ونشرها في مجلة العالم
الشرقي سنة 1911م، وترجمة المستشرق الدنماركي 'بول' الذي نقل أجزاء عدة من القرآن
إلى الدنماركية أظهر فيها سعة وإطلاعا على الإسلام.
الملاحظة الثامنة: صدور بعض
الترجمات بأسماء مستعارة مثل الترجمة الإسبانية التي صدرت الطبعة الأولى منها بقلم
OBB، وصدرت الطبعة الثانية بقلم JBB، وأخيرًا صدرت في الطبعتين
الثالثة والرابعة بقلم JBBO.
الملاحظة التاسعة: أن الظاهرة
الغالبة على الترجمات القرآنية، أن أصحابها كثيرًا ما يصدرونها بالكلام عن تاريخ
القرآن، ومصادره وموضوعاته وأحيانًا بالكلام عن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم،
مثل ترجمة 'بلاشير' و'إدوارد مونتيه'.
الملاحظة العاشرة: أن
الترجمات الأوروبية للقرآن الكريم، كانت من قبل مترجمين يحسنون اللغة التي ترجموا
إليها أكثر من اللغة العربية، أو العكس، ولذلك كانت تلك الترجمات الأوروبية معرضة
للخلل والنواقص الكثيرة.
الملاحظة الحادية عشر: أن القرآن
الكريم ترجم إلى أكثر من مائة لغة أوروبية تتوزع على الشكل التالي: 57 ترجمة إلى
الإنكليزية و42 ترجمة إلى الألمانية، و33 ترجمة إلى الفرنسية.
الملاحظة الثانية عشرة: إعادة نشر
وطبع ترجمات معينة طبعات عدة، خصوصًا تلك التي سادتها الضغينة وكثر فيها التحريف.
والنتيجة ـ كما قال 'لامينز' ـ 'إننا لا نملك ترجمة جيدة للقرآن لا عيب
فيها'، بسبب أن المترجمين للقرآن الكريم:
1ـ لم يحاولوا فهم القرآن قبل كل شيء من نصه، كما يقضي بذلك قانون علم
التفسير، بل إنهم انزلقوا دون تريث في البحث عن معاني الألفاظ.
2ـ لم يعنوا بمعاني الآيات ولا بمدلولات الألفاظ.
3ـ لم يكونوا من المسيطرين على دقائق علم النحو ولا هم من المتمكنين من
المجاز والاستعارة.
4ـ عدم اعتنائهم بأسباب النزول.
5ـ عدم اعتنائهم ببيان الأحكام الفقهية وغيرها من الأحكام الواردة في
الآيات.
6ـ عدم تعرضهم لبعض الأدوات الضرورية التي تساعد على فهم الآيات القرآنية
كالنصوص الحديثية مثلاً.
وأخيرًا، فإن ترجماتهم كانت حرة
أكثر من اللازم، ما أدى كثيرًا إلى انغلاق المعنى على القارئ بالإضافة إلى فقدانها
لعنصر التأثير والجذب، يقول R.Aznaldez: 'إن الترجمات الفرنسية كغيرها من الترجمات الأخرى
للقرآن، مهما كانت نوعيتها وضبطها وقيمة أسلوبها، فإنها لا تؤثر في قلب غير
المسلم، كما يؤثر القرآن وحده في قلوب المتقين
5 ـ ترتيب
آيات
القـرءان
وسـوره
تصميم
المحاضرة:
ـ معنى الآية .
ـ الطريق
لمعرفة الآية القرءانية .
ـ عدد آيات
القرءان الكريم .
ـ فوائد معرفة
الآيات القرءانية .
ـ ترتيب الآيات
القرءانية.
ـ أقسام السور
القرءانية.
ـ مذاهب
العلماء في ترتيب سور القرءان الكريم .
ـ احترام هذا
الترتيب .
معـنى الآيـة :
تطلق كلمة "آية" في القرءان الكريم
ويراد منها جملة من المعاني :
أولها : المعجزة ومن
ذلك قوله تعالى:"سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة" أي معجزة واضحة
.
ثانيها : العلامة ، ومن
قوله تعالى :"إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم" أي
علامة ملكه ، سورة البقرة : 248.
ثالثها : العبرة ،
كقوله تعالى :"إن في ذلك لآية .." أي عبرة. سورة الشعراء : 8.
رابعها : الأمر العجيب
أو العظيم ، كقوله تعالى :" وجعلنا
ابن مريم وأمه آية .."
خامسها : البرهان
والحجة ، كقوله تعالى :" لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين" سورة
يوسف :7
سادسها : وحدات معينة
تتكون منها السورة القرءانية ، كقوله تعالى :"ألر . تلك آيات الكتاب
المبين" سورة يوسف:1 وقوله : ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها .."
سورة البقرة: 106
الطريق إلى معرفة
الآية القرءانية:
لا سبيل إلى معرفة الآية إلا بتوقيف من الشارع
، لأنه ليس للقياس والرأي مجال فيها وإنما هو محض تعليم وإرشاد ، بدليل أن العلماء
عدوا "المص" آية ولم يعدوا نظيرها "المر" آية ، وعدوا
"يس" آية ولم يعدوا " طس" آية ، ولو كان الأمر مبنيا على
القياس لكان حكم المثلين واحدا فيما ذكر .
وقد علمت آيات القرءان الكريم بإرشاد وتعليم
من النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن ذلك ما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة أنه قال :
قال النبي صلى الله عليه وسلم( إن لكل شيء سناما وإن سنام القرءان سورة البقرة ،
وفيها آية هي سيدة آي القرءان : آية الكرسي) كما أخرج الخمسة إلا النسائي عن أبن
مسعود أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم( من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة
في ليلة كفتاه).
هذا هو المعنى المصطلح عليه ولكن قد تطلق كلمة
آية ويراد بها جزء من آية أو أكثر من آية على سبيل المجاز والتوسع كقول ابن مسعود
: أحكم آية "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره"
فإنهما آيتان باتفاق.
وهناك رأي ثان
يرى بأن آيات القرءان منها ما عرف بالنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ومنها ما قد
يعرف بالاجتهاد والقياس .
ولكن مما لا خلاف فيه أن آيات القرءان قد عرفت
آية آية في عصر الصحابة ، ومن قول مجاهد : عرضت القرءان على ابن عباس مرتين
أستوقفه عند كل آية أسأله عن معناها..
عدد آيات
القرءان
قال الإمام
النووي في كتابه التبيان) وأما عدد آيات القرءان فقد اتفق العادون
على انه ستة آلاف ومائتا آية وكسر، ثم اختلفوا في تعيين هذا الكسر ..
ففي عد المصحف
المدني سبعة عشر وبه قال نافع.
وفي عدد المكي
عشرون..
وفي عدد الكوفي
ست وثلاثون..
وفي عدد الشامي قالوا ست وعشرون..
وسبب هذا الاختلاف أن النبي صلى الله عليه وسلم
كان يقف على رؤوس الآي تعليما لأصحابه أنها رؤوس الآي ، حتى إذا علموا ذلك وصل
الآية بما بعدها طلبا لتمام المعنى فيظن أن ما وقف عليه ليس فاصلة فيصلها بما
بعدها معتبرا أن المجموع أية واحدة ،
والظاهر انه لا إشكال في هذا الاختلاف لأنه لا يترتب عليه في القرءان زيادة ولا
نقصان.
وآيات القرءان مختلفة في الطول والقصر فأطول
آية هي آية المداينة من سورة البقرة ، وأقصر آية كلمة " يس" أو كلمة
"مدهامتان" من سورة الرحمن.
فوائد معرفة
الآيات
لمعرفة عد آي
القرءان الكريم جملة من الفوائد ونذكر منها
قال الإمام
السيوطي :( يترتب على معرفة الآي وعددها وفواصلها أحكام فقهية منها اعتبارها فيمن
جهل الفاتحة فإنه يجب عليه بدلها سبع آيات ، ومنها اعتبارها في الخطبة فغنه يجب
فيها قراءة آية كاملة ، ولا يكفي شطرها إن لم تكن طويلة..)
كما أن معرفة الآي وعددها يدل على الدقة
المتناهية في حفظ القرءان الكريم من التبديل ، ويساعد على جوانب من الأبحاث في
إعجاز القرءان الكريم.
ترتيب آيات
القرءان الكريم :
انعقد إجماع الأمة[96] على
ترتيب آيات القرءان الكريم على هذا النمط الذي نراه بالمصاحف، كان بتوقيف من النبي
صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى ، أنه لا مجال فيه للرأي والاجتهاد، بل كان
جبريل ينزل بالآيات على النبي صلى الله عليه وسلم ويرشده إلى موضع كل آية من
سورتها ، ثم يقرؤها النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه ويأمر كتاب الوحي
بكتابتها مبينا لهم السورة التي تكون فيها الآية وموضع الآية من السورة ، كما كان
يتلوه عليهم مرارا وتكرارا في صلاته ومواعظه فيعلمون ترتيبه، وشاع ذلك وذاع وملأ
البقاع والأسماع بالترتيب القائم الآن، واستند هذا الإجماع إلى نصوص منها ما سبق[97] ،
ومنها ما رواه الإمام أحمد عن عثمان بن أبي العاص قال كنت جالسا عند رسول الله صلى
الله عليه وسلم إذ شخص ببصره ثم صوبه ثم قال :( أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه
الآية هذا الموضع من السورة "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي
القربى.."
ومنها ما أخرجه البخاري عن ابن الزبير قال قلت
لعثمان بن عفان : "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا .." نسختها الآية
الأخرى ، فلم تكتبها أو تدعها (بمعنى لماذا تتركها مكتوبة مع أنها منسوخة ) قال
يابن أخي لا أغير شيئا من مكانه.
ومنها أيضا ما رواه مسلم عن عمر قال ما سألت
النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بأصبعه في
صدري وقال :(تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء)
وإلى جانب هذا توجد مرويات توحي أن ترتيب آيات
القرءان إنما كان باجتهاد من الصحابة وبتصرف منهم ، والحق أن هذه المرويات مردودة
بالروايات السابقة مثلما هي مردودة بإجماع الصحابة والأمة بعدهم على هذا الترتيب[98]
.
تقسيم القرءن الكريم إلى سور والحكمة منه:
ـ منها التيسير
على الناس وتشويقهم إلى مدارسة القرءان وحفظه لأنه لو كان نصا واحدا لصعب على
الناس حفظه وفهمه .
ـ ومنها الدلالة على موضوع الحديث، فغن في كل
سورة موضوعا تتحدث عنه كسورة البقرة وسورة النمل وسورة النور وغيرها ..
ـ ومنها
الإشارة إلى طور السورة ليس شرطا في إعجازها بل هي معجزة وإن بلغت الغاية في القصر
كسورة الكوثر مثلا.
أقسام سور
القرءان الكريم:
تعارف العلماء
على تقسيم سور القرءان الكريم إلى أربعة أقسام ، وخصوا كلا منها باسم معين وهي: الطوال
والمئين ، والمثاني ، والمفصل، ومعلوم أن هذا التقسيم متوارث من عصر التنزيل ..
فالطوال : سبع سور وهي البقرة وآل عمران
والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ، واختلفوا في السابعة أهي الأنفال والتوبة
معا لعدم الفصل بينهما بالبسملة أم هي سورة يونس .
والمئون : وهي السور الموالية التي تزيد
آياتها عن المائة أو تقاربها ..
والمثاني : وهي التي تلي المئين في عدد
الآيات وقال الفراء : هي السور التي آياتها أقل من مائة آية لأنها تثنى أي تكرر
أكثر مما ثتنى السور الطوال ومن المئين.
المفصل: وهو أواخر القرءان ، واختلفوا
في تعيين أوله فقيل أوله سورة "ق" وصحح النووي أن أوله الحجرات، وسمي
بالمفصل لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة ، وقيل لقلة المنسوخ فيه ، ولهذا يسمى
المحكم أيضا كما روى البخاري عن سعيد بن جبير قال : إن الذي تدعونه المفصل هو
المحكم.
مذاهب العلماء
في ترتيب سور القرءان الكريم:
اختلف في ترتيب سور القرءان على ثلاثة أقوال
:
المذهب الأول : أن ترتيب السور على ما هو
عليه الآن لم يكن بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كان من اجتهاد
الصحابة وينسب هذا المذهب إلى عدد من العلماء أمثال الإمام مالك والقاضي أبي بكر
بن العربي ، ودليلهم في ذلك أن مصاحف بعض الصحابة كانت تختلف في الترتيب في ما
بينها ، فلو كان الترتيب توقيفيا لم يختلفوا ولم يجاوزوه .. ومنه ما رواه أحمد
والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال : قلت لعثمان ما حملكم على
أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي المئين فقرنتم بينهما ولم
تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطوال فقال عثمان
رضي الله عنه : كان رسول الله تنزل عليه السور ذوات العدد ، فكان إذا نزل عليه شيء
دعا بعض من يكتب فيقول ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، وكانت
الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرءان نزولا ، وكانت
قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها ، فقبض رسول الله ولم يبين لنا أنها منها ،
فمن أجل ذلك قرنت بينهما ، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ، ووضعتهما
في السبع الطوال .
المذهب الثاني : أن ترتيب السور كلها
توقيفي وانه لم توضع سورة في موضعها إلا بأمر منه صلى الله عليه وسلم ، واستدلوا
بإجماع الصحابة على ترتيب المصحف العثماني ، ولو كان الترتيب عن اجتهاد لتمسك
أصحاب المصاحف المخالفة بمخالفتهم .
وممن أيد هذا المذهب أبو جعفر النحاس فقال :
المختار أن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله صلى الله عليه وسلم لحديث
وائلة : أعطيت مكان التوراة السبع
الطوال..)
المذهب الثالث: أن ترتيب بعض
السور كان توقيفيا وترتيب بعضا الآخر كان اجتهادا من الصحابة، ولعله المذهب الوسط
بين المذهبين السابقين ، والقائم على الجمع بين الروايات المتعارضة ، بيد أن أصحاب
هذا الرأي اختلفوا في السور التي جاء ترتيبها توقيفيا والسور التي جاء ترتيبها عن
اجتهاد مما يقلل من قوة مذهبهم ، وبذلك يبقى المذهب القائل بالتوقيف في ترتيب السور
هو الأقرب للسلامة والحق..
احترام هذا
الترتيب:
وسواء كان
ترتيب السور توقيفيا أو اجتهاديا فإنه ينبغي احترامه خصوصا في كتابة المصحف ،
لأننا حتى إذا سلما بفرضية الاجتهاد ، فإن هذا الاجتهاد لم ينطلق من فراغ أو من
غير ضابط ، بل يكفينا أن إجماع الصحابة والأمة من بعدهم انعقد على ذلك فوجب التقيد
بذلك حفظا لكتاب الله تعالى من التغيير وسدا لباب الفتنة وقطعا لذرائع الفساد ،
وأما ترتيب السور في القراءة والتعلم ونحوهما فليس بواجب ، وإن كان احترام الترتيب
هو الأحسن والأكمل .
وأما قراءة السورة الواحدة مقلوبة من آخرها
إلى أولها فمنهي عنه لأنه يذهب بعض ضروب الإعجاز ومخالف للهدي النبوي ، وكان
العلماء من السلف والخلف يعيبون ذلك.
وأما تعليم الصبيان من آخر المصحف إلى أوله
فلا حرج فيه لما فيه من تسهيل عملية الحفظ، وهو منقول عن الصحابة ومن جاء بعدهم.
6 ـ موهم
الاختلاف والتناقض
تصميم المحاضرة :
ـ تعريف
ـ المؤلفات في
موهم الاختلاف والتناقض.
ـ الأسباب
الموهمة للاختلاف والتناقض .
ـ طرق دفع
الاختلاف والتناقض.
ـ نماذج في دفع
الاختلاف والتناقض بين آي القرءان الكريم.
تعريف :
يقصد بهذا النوع من القرءان الكريم معرفة
مجموع الآيات القرءانية التي ظاهرها التعارض والتناقض في الدلالة والمعنى، وفي
الحقيقة السلامة منه[99].
وذلك لقوله تعالى:"ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا"
سورة النساء : 82.
المؤلفات في
موهم الاختلاف والتناقض:
ونظرا لأهمية هذا الموضوع فقد أفرده بالتأليف
خلائق كثيرون منذ عصر مبكر ، ونذكر منها :
1 ـ "الرد
على الملحدين في متشابه القرءان"، لأبي علي محمد بن المستنير، الشهير بقطرب،
تـ:206هـ.
2 ـ "تأويل مشكل القرءان" لعبد الله بن
مسلم بن قتيبة الدينوري، تـ: 276هـ.
3 ـ "ملاك
التأويل في متشابه اللفظ في التنزيل" ، لأبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير
الغرناطي تـ:708هـ.