
ملخص المحاضرة الأولى مدخل إلى الحضارة
ويحسن الرجوع إلى كتابي :
( معالم الحضارة العربية الإسلامية ـ مدخل ـ نظم ـ علوم ـ زراعة وصناعة ـ
اجتماعيات ـ عمارة وفنون ـ تأثيرات )
نشر ديوان المطبوعات الجامعية سنة 2007
![]()
![]()
3 ـ مصادر الحضارة العربية الإسلامية
4 ـ خصائص الحضارة العربية الإسلامية
أ- إشكالية تحديد المفهوم : يثير مصطلح الحضارة عموما، والحضارة الإسلامية
خصوصا إشكالية استخدام المصطلحات كالحضارة، والمدنية، والثقافة، إضافة إلى الصفة
التي توصف بها هذه الحضارة : هل هي حضارة عربية أم حضارة إسلامية ؟ أو حضارة عربية
إسلامية ؟ وللإجابة على هذه التساؤلات فإننا سنحاول دراسة المصطلحات، والمفاهيم ،
والصفات كل على حدى فيما يأتي :
1-تعريف الحضارة لغة : كلمة
الحضارة في اللغة العربية مشتقة مـن فعل « حضر » الذي هو نقيض غاب، ومنه المغيب، والغيبة، ومشتقات
هذه المادة هي : حضر، يحضر،حضورا،وحضارة؛ويقال بحضرة ماء أي عنده، وحضرت
الصلاة، والحضرة خلاف البادية، والحاضر المقيم في المدن والقرى؛ والبادي المقيم
بالبادية، والحضرة والحضر والحاضرة خلاف البادية؛ وهي المدن والقرى، سميت بذلك لأن
أهلها حضروا الأمصار ومساكن الديار التي يكون لهم بها قرار [1].
2 : التعريف الأصطلاحي للحضارة : يبدو أن استخدام كلمة " الحضارة
" في اللغة العربية له دلالة مكانية تحمل مجالاتها معنى الحركة، وقد
تطورت لتحمل دلالة التعاون، والتأزر، وتبادل الأفكار، والمعلومات في شتى شؤون
الحياة، وعند ابن
خلدون : " الحضارة إنما
هـي تفنن في الترف، وأحكام الصنائع المستعملة
في وجوهه، ومذاهبه من المطابخ والملابس والمباني والفرش وسائر عوائد المنزل
وأحواله"[2] .
لقد بين ابن خلدون أن الحضارة
لا تظهر إلا في المدن والقرى، وأنها غاية العمران تتصل بالتفـنن في الترف،
واستجادة أحواله، والكلف بالصنائع، وسائر الفنون، والحضارة عنده لا تظهر في
البادية لاقتصار البدو على الضروري من
العيش الذي يحفـظ الحياة من غير مزيد [3].
ويفرق ابن خلدون بين مصطلحي الوبر ( الصوف ) والدال على أهل البادية، وبين المدر(
الطين المتماسك) والدال على أهل الحضر، وبالتالي يميز بين مرحلتين في تطور المجتمع
وهما مرحلة البداوة التي تسبق الحضارة، ومرحلة الاستقرار وبناء الحضارة، والتي
يعبر عنها بـ " الملك "، فالوبر يصنع منه البدوي خيامه، وبعض ملابسه
وفرشه فهو رمز للبداوة، والمدر معناها قطع الطين التي تبنى منها البيوت في المدن
والقرى، كالحدر والحجر، فالحدر الأرض المنحدرة التي لا تصلح للبناء، ويقصد
البادية، والحجر المدينة التي تنحت في الحجر أو تبنى به لذلك نجد في شبه الجزيرة
العربية قديما عددا من المدن تحمل اسم الحجر مثل : « حجر » وهي
مدينة باليمامة وأم قراها [4]، و « حجر « وهي مدائن صالح التي
تقع شمال الحجاز؛ وورد ذكرها في القرآن
الكريم، كما ورد ذكر القوم الذي بناها وهم : " ثمود " ؛
والنبي المرسل إليهم وهو صالح قال تعالى: " كَذَّبَتْ ثَمُودُ
الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ، إِنِّي
لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ،فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَمَا أَسْأَلُكُمْ
عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ،
أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا ءَامِنِينَ، فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ
وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيم ٌ، وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا
فَارِهِينَ"[5] وقال:« وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا
الصَّخْرَ بِالْوَاد »[6]، و » حجر العلا »[7] أما بالنسبة لعصورنا الحديثة والمعاصرة فقد
أطلق كثير من الباحثين مصطلح الحضارة على كل ما يتصل بالتقدم، والرقي الإنساني في
مختلف الميادين كاللغة والأدب والفنون الجميلة، والصناعة، والتجارة، وغير ذلك من
مظاهر النشاط الإنساني، وييسر السبيل إلى حياة إنسـانية كريمة [8]، ومن
هذه التعاريف الكثيرة والمتنوعة نذكر ثلاثة تعاريف:
أولا : تعريف و.ل. ديورانت الذي جاء فيه
: « الحضارة نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي،
وإنما تتألف الحضارة من عناصرأربعة هي: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية،
والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون" [9]؛ وهو تعريف يعكس المفهوم الأمريكي للتطور
المبني على الثقافة كسلوك للرقي الاجتماعي والازدهار الاقتصادي.
ثانيا: تعريف ألبرت أشفيتسرAlbert Schweitzer : « الحضارة في جوهرها أخلاقية، وأن
العناصر الجمالية، والتاريخية، والاتساع الرائع في معارفنا المادية وقوانا كل هذا
لا يكون جوهر الحضارة، وإنما يتوقف هذا الجوهر على الاستعدادات العقلية عند
الأفراد والأمم القاطنة في العالم، وماعدا هذا فليس إلا ظروفا مصاحبة للحضارة لا
شأن لها بجوهرها " [10]، ويضيف أشفيتسر قائلا : " بأن
الأعمال المبتكرة، والفنية، والعقلية، والمادية لا تكشف عن آثارها الكاملة
الحقيقية إلا إذا استندت الحضارة في بقائها ونمائها إلى استعداد نفسي يكون أخلاقيا
حقا" [11]، وبعد أن يذكر أشفيتسر بأمر العلاقة بين
الحضارة، وبين نظريتنا في الكون؛ يبين أن كل تقدم يتوقف على التقدم في نظريته في
الكون، والعكس صحيح، فكل تأخر إنساني سببه انحلال في هذه النظرية، والافتقار إلى
حضارة حقيقية مرجعه الافتقار إلى نظرية قوية ثمينة في الكون نجد فيها اعتقادا قويا
ثمينا، هنالك فقط يكون في وسعنا إيجاد حضارة جديدة
[12]، فعنده
إذن أن فهم سنن الكون فهما قويا علميا وعقليا هو الأساس في وجود الحضارة وبقائها
قائمة، وعدمه يؤدي إلى انحلالها وزوالها، ويخلص إلى تعريف شامل ودقيق للحضارة
فيقول : " إن الحضارة بكل بساطة، معناها بذل المجهود بوصفنا كائنات
إنسانية، وأحوال العالم الواقعي. » [13] ويحدد بعد ذلك منشأ الحضارة الحقيقي
فيقول : » إن الحضارة تنشأ حينما يستلهم الناس عزما واضحا صادقا على
بلوغ التقدم، ويكرسون أنفسهم تبعا لذلك، لخدمة الحياة، وخدمة العالم، وفي الأخلاق
وحدها نجد الدافع إلى مثل هذا العمل فنتجاوز حدود وجودنا "[14]، وهي
نظرة تعكس الطموح الألماني.
ثالثا : تعريف
مالك بن نبي : الحضارة عند مالك بن
نبي هي تركيب عناصر ثلاثة أو ناتج حضاري
يساوي :" إنسان + تراب + وقت"[15]، وعن بدايتها يقول أن الحضارة تبدأ بظهور فكرة
دينية، ثم يبدأ أفولها بتغلب جاذبية الأرض
عليها بعد أن تفقد الروح ثم العقل، ويعبر عن ذلك في المعادلة التالية: " الانحطاط
= انحطاط النفس + انحطاط الروح + انحطاط العقل "؛ فقد بعث الدين في
المسلم روحا محركا للحضارة فلم يلبث بعد فترة قضاها في الخلافات والحروب ـ أي
مرحلة تأسيس الدولة ـ أن عاد إلى حيث هو الآن إنسانا بدائيا[16] ،وسنعود إلى نظرة مالك بن نبي في الثقافة
والحضارة بشيء من التفصيل فيما بعد. ويستنتج من تعاريف الحضارة ثلات اتجاهات هي :
الاتجاه الأول : يركز على الجانب المادي
للإنسان والحياة .
الاتجاه الثاني : يركز على الجانب الروحي
أو المعنوي للإنسان .
الاتجاه الثالث: وهو الذي يجمع بين الجانبين
المادي والمعنوي للإنسان والحياة [17].
وانطلاقا من هذه الاتجاهات، فإن الحضارة الإسلامية هي كل إنتاج روحي ومادي
ينسب إلى الشعوب التي دخلت في الإسلام، ونشرت نمط الحياة الإسلامية، ونهضت بفطرة
الإنسان روحيا وماديا؛ و دينا ودنيا؛ و عقلاوبطنا؛ وقلبا وضميرا؛ وكل هذا في توازن
فذ واتساق لا نظير له [18].
ب : الحضارة والمدنية : يستخدم الباحثون العرب
كلمتي: "الحضارة والمدنية " مترادفين، فكلمة مدنية تشير في
اللغة إلى ارتباط مكاني مثلما تشير كلمة حضارة، ففي لسان العرب : مدن المكان
أقام به، ومنه المدنية، ومدن الرجل إذا آتى المدينة[19]، والحضارة ترتبط بمعان تقويمية عند بعض
الباحثين أكثر مما ترتبط كلمة المدنية، وفي هذا السياق يقول ابن
خلدون:"الحضارة غاية العمران ،ونهاية لعمره،ومؤدية لفساده"[20]، فهو إذن يعطي حكما تقويميا على
الحضارة، ويستخدم بالتالي كلمة « الحضارة « للدلالة على صفة معينة من
حياة المدنية، وعليه فالمدنية جزء من الحضارة كما يقول ابن خلدون.
وترى
المدرسة الاجتماعية: أن الحضارة هي صورة التعبير عن الروح العميقة للمجتمع،
فأما مظاهر التقدم الآلي، والتكنولوجي
فإنه مما يتصل بمعنى المدنية، وقد تأثر بهذه التفرقة الباحثين من غير الألمان
فمالوا إلى القول بأن الحضارة ما نحن، وأما المدنية فهي ما نستعمل،
بمعنى أن الحضارة تتمثل في الفنون، والآداب، والديانات، والأخلاقيات، بينما
المدنية تتمثل في السياسة، والاقتصاد، والتكنولوجيا[21] .
ويبدو أن هناك من الباحثين الغربيين وهم مثل العرب لا يفرقون بين كلمتي
حضارة ومدنية، وهذا ما ذهب إليه و.ل . ديورانت عندما تكلم عن نشأة وتطور المدنية
وهي نفس مراحل الحضارة فقال : " إن المدنية تبدأ في كوخ الفلاح
لكنها لا تزدهر إلا في المدن[22]، وقد سبقه إلى هذا الباحثون العرب وفي مقدمتهم
ابن خلدون الذي سبق أن عرضنا نظريته.
ج :الحضارة والثقافـة : مثلما استخدم الباحثون العرب المسلمون كلمتي
الحضارة، والمدنية مترادفتين، أستخدم
الباحثون الغربيون كلمتي حضارة وثقافة Civilistion و Culture بمعنى واحد وقد أخذ العرب المسلمون المعاصرون هذا
المعنى عن الأنقليزية، واستخدموا في الكثير من الأحيان هاتين الكلمتين: حضارة وثقافة Civilistion و Culture بمعنى واحد؛ ومن الملاحظ
أن علماء النفس يفضلون استخدام كلمة « الثقافة » ترجمة لكلمة Culture، أما علماء الاجتماع
فمنهم من يفضل أن تكون كلمة " الثقافة " دالة على الجانب
الفكري من الحضارة، وكلمة « الحضارة » على الجانب المادي؛ ومنهم من
يترجم كلمة Civilistion بالحضارة، وكلمة Culture
بالثقافة.[23]، وبما أننا تعرضنا بشيء من التوضيح لكلمة حضارة فيما سبق فسنقتصر
هنا على إيضاح معنى « الثقافة » لغة واصطلاحا كما يأتي :
1 ـ لغة : جاء في لسان العرب : ثقف بمعنى حذق، ومنه
أسرع في التعلم، وظفر بالشيء، وتعني أيضا الفطنة، والمصادفة، وفي القرآن
الكريم : « اقتلوهم حيث ثقفتموهم "[24] والثقافة حديدة تكون مع القواس والرماح يقوم بها المعوج؛ وتثقيفها أي
تسويتها.
2 ـ اصطلاحا : للثقافة في الاصطلاح العديد من التعريفات
نقتصر هنا على إيراد بعضها وهي:
أولا : التعريف الوصفي
ثـانيا : التعريف التاريخي
ثـالثا : التعريف المعياري
رابعا : التعريف السيكولوجي
خـامسا : التعريف البينوي
سـاد سا : التعريف التطوري
سـابعا : التعريف الشمولي( الماركسي)
ومعظم هذه التعريفات تشترك في مجموعة من الخصائص المشتركة هي كما
يأتي :
1 - أنها تشير الى أن الثقافة تميز الجماعات
أوالمجتمعات الإنسانية .
2 - تبرز الصفة الشمولية للثقافة الإنسانية.
3 - العادات والتقاليد والنظم الاجتماعية هي
اصطلاحات ترد في معظم التعريفات.
4 - لكل تعريف جانب يختلف فيه عن بقية
التعريفات الأخرى.
5 - اهتمام الاجتماعيين بالجوانب الملموسة
(المادية) في الثقافة.
د ـ الثقافة في مفهوم مالك بن نبي[25] : لمالك بن نبي نظرة متميزة في الثقافة باعتباره
مفكرا جزائريا عربيا مسلما ينتمي بانتماء بلده الجزائر وأمته العربية الإسلامية
إلى العالم المتخلف، فهو يرى أن الثقافة علاقة متبادلة؛ أي العلاقة التي تحدد
السلوك الاجتماعي لدى الفرد بأسلوب الحياة في المجتمع، كما تحدد أسلوب الحياة
بسلوك الفرد[26]، وفي تأكيده للعلاقة التي تربط بين الجانب
النفسي، والجانب الاجتماعي للثقافة يقول : " فبعض الناس يقدم
الجانب النفسي، وبالتالي الفرد؛ معتبرين الثقافة قضية الإنسان؛ وآخرون يقدمون
الجانب الاجتماعي ذاهبين إلى أن الثقافة قضية المجتمع" [27]، وهو هنا يشير ضمنيا للديمقراطية اللبيرالية،
والنظرية الشمولية الشيوعية.
ويركز ابن نبي على عملية التثقيف التي تتم بواسطة الفكرة، والشيء معا فهما
مرتبطان متعاونان تعاون الذراع والعجلة في الآلات غير أنه يقدم الفكرة على الشيء،
ويضرب لذلك مثلا من المانيا عقب الحرب العالمية الثانية التي فقدت الشيء، ولكنها
لم تفقد القدرة على إنشائه، ولذلك لم يمض وقت قصير على المانيا حتى عادت إلى سابق عهدها بل وأكثر[28]، إلا أن الأشياء كما يقول بدورها لها القدرة
على إنتاج الأفكار، ويتساءل عن موت الفكرة فيقول: " تفقد الفكرة معناها الثقافي، وقدرتها على إبداع الأشياء،
كما يفقد الشيء نفسه مقدرته على إنتاج الأفكار« ذلك أن الفكرة من حيث كونها
فكرة ليست مصدرا للثقافة أعني عنصرا صالحا لتحديد سلوك ونمط معين من أنماط الحياة،
ففاعليتها ذات علاقة وظيفية بطبيعة علاقتها بمجموع الشروط النفسية والزمنية التي
يطبع بها مستوى الحضارة في المجتمع.
هـ : حضارة عربية أم
حضارة إ سلامية؟: يختلف العلمـاء، والدارسون، والباحثون في تسمية حضارتنا بالحضارة العربية،
أو الحضارة الإسلامية؛ أو الحضارة العربية الإسلامية؟ وتبعا لهذا الاختلاف وجدت
ثلاث اتجاهات حول هذه التسميات وهي كالآتي:
الاتجاه الأول : وهو الذي يسميها « الحضارة
العربية » على أساس العنصر العربي، واللغة العربية؛ ومن هؤلاء جوستاف لوبون في كتابه الموسوم بـ : "حضارة
العرب "، وزغريد هونكة صاحبة كتاب : "شمس العرب تسطع على
الغرب "، والتي تقول عن التسمية :" أنا لا أقول الحضارة
الإسلامية، ذلك أن كثيرا من المسيحيين ، واليهود، والمزدكيين،
والصابئة قد حملوا مشاعلـها أيضا وليس
هذا فحسب، بل أن كثيرا من تحقيقاتها العظيمة الشأن مبعثها احتجاجا على قواعد
الإسلام القويمة، بل أضف إلى ذلك أن كثيرا من صفحات هذا العالم الروحي الخاصة كان
موجودا في صفحات، العرب قبل الإسلام
" [29]، وتضيف هونكة في هذا السياق
فتقول : "هذا الكتاب يتحدث عن " العرب" و " الحضارة
العربية " بالرغم من أن الكثير من بناتها كانوا لا ينتمون إلى الشعب
الذي عرفه المؤرخ القديم " هيرودت " باسم " عريبو Arabioi " بل كان منهم أيضا فرس، وهنود ، وسريان ،
ومصريون، وبربر، وقوط غربيون ساهموا جميعا
في رسم معالم تلك الحضارة ؛ بدليل أن الشعوب التي حكمها
العرب اتحدت بفضل
اللغة العربية، والدين الإسلامي، وذابت بتأثير قوة الشخصية العربية من ناحية؛ وتأثير الروح العربي الفذ من
ناحية أخرى في وحدة ثقافية ذات تماسك عظيم[30]، وبعض ممن أسهموا في هذا
البناء لم يكونوا مسلمين لكنهم أبدعوا وكتبوا باللغة العربية، كما استخدم اشبنجلر
إصطلاح الحضارة العربية للدلالة على حضارة منطقة واسعة تشمل شعوب الشرقيين الأدنى، والأوسط بما في ذلك
الشعب الفارسي، وقد سماها "الحضارة العربية" نظرا لدور العرب فيها، كما
يدعوها أيضا بالحضارة السحرية. »[31]
لقد
أختار الله سبحانه وتعالى رسوله الكريم من بين العرب؛ وأنزل كتابه باللغة العربية؛
ووردت آيات قرآنية تؤكد هذا المعنى قال تعالى: " إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ
قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ "[32]، وقال : " وَكَذَلِكَ
أَنْزَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ "[33] وقال أيضا : " كِتَابٌ
فُصِّلَتْ ءَايَاتُهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ "[34] وقال : "إِنَّا جَعَلْنَاهُ
قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " [35] كما أن الحديث النبوي الشريف جاء كله باللغة العربية، وهو بعد القرآن يعد أحد
مصادر التشريع؛ وأساسا من أسس البناء الحضاري العربي الإسلامي؛غير أنه تنبغي
الإشارة إلى نزول القرآن باللغة العربية بيبيانه الساطع، وأسلوبه المعجز هو في حد
ذاته آية من آيات الله، ومعجزاته العظمى التي جاءت تتحدى براعة القوم الذين ظنوا
أنهم بلغوا بلغتهم ـ شعرا وخطابة ـ مبلغا معجزا قال تعالى:" وَإِنْ كُنْتُمْ
فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ "[36] ، وقــال "أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ
قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ
اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ "[37]، إذن فالقرآن الكريم بنزوله بالعربية أصبح
مصدر تكريم، وحافظا لها، ولكن بإعجازه وتحديه لها جعلها تتخلف إلى الوراء خطوة
تقتبس من آلائه، وتستشهد بآياته في مقام تصويب الخطأ[38].
ومن
خلال هذه الآراء يجب الاعتراف بأنه كان للعرب دور ريادي في قيادة الدولة الإسلامية، إلا أن هذا الدور سرعان ما
نافستهم فيه أجناس أخرى مثل الترك والفرس والمغول ...ومن خلال الخصائص الثقافية
يمكن إطلاق مصطلح "الحضارة " بالاسم لا بالمعنى العنصـري، الخالص، الذي
يتصل بمفهوم القوميات في العصر الحديث أي دون إسقاط الحديث على ذلك لاسيما أن
العرب كانوا أحد العناصر المؤثرة، إذ
الحضارة ـ في العصور الوسطى كانت ذات طابع روحي أو ديني ، ولم تكن فكرة العصر الحديث
ـ أي دون إسقاط الحديث على القديم ـ باعتبار العرب أحد العناصر القومية واضحة في
فلسفة الحضارات؛ فالقاعدة التي ترتكز عليها الحضارة العربية الإسلامية المثالية الاجتماعية فيها قاعدة دينية[39]، وكل ما يتصل بالدلالة القومية العرفية
العنصرية لا يمكن استخدامها إلا على سبيل المجاز.
الاتجاه الثاني : وهو الذي يرى بأنها حضارة إسلامية، ومن
القائلين بها " جب "
مؤلف كتاب " حضارة الإسلام "، وآدم ميتز مؤلف كتاب "
الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري " وفون خونباوم مؤلف كتاب
" حضارة الإسلام"، وأصحاب هذا الاتجاه يرون أن وصف هذه الحضارة
بالإسلامية هو الوصف الأرجح والمناسب على اعتبار الرابط الموحد لشعوب الدولة
الإسلامية في ثلاث قارات آسيا وإفريقيا،
وأوربا، والانقسام السياسي لم يؤثر على المواطن الذي كانت البلاد الإسلامية كلها
وطنه، فالقومية هنا قومية روحية رابطها الأخوة والمساواة[40]، وهذا لا يعني أن أصحاب الديانات الأخرى لم
يسهموا في بناء هذه الحضارة بل العكس تماما.
ويفضل بعض الباحثين تسمية " إسلامية " على اعتبار أن القرآن
بأحكامه، وإرشاده، وقيمه، وهداه، ليس للعرب وحدهم؛ وإنما هي رسالة للناس أجمعين آمنوا بها من كل جنس ودخلوا فيها
من كل صوب، ومن ثم إذا كانت لغة القرآن العربية، فإن دعوته عامة شاملة عالمية
كونية، بل أن علماء الإسلام لم يكونوا جميعا من العرب، وليس في ذلك كبير غضاضة
فقد سوى الإسلام بين الناس أجمعين لا فضل لأحد على أحد إلا بالعمل الصالح
الخير قال تعالى :" يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ
ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [41].
الاتجاه الثالث أو الاتجاه الوسطي
(الوسطيون) : هناك اتجاه ثالث حاول التوسط بين الاتجاهين الأول والثاني، والجمع بين
التسميتين العربية والإسلامية، منهم مصطفى الرافعي الذي توسط فجمع بين المصطلحين
وسمى كتابه :" حضارة العرب في العصور الإسلامية الزاهرة " ، ويبدو
أن الرافعي أستنتج أو استوحى ذلك من عبارة لابن خلدون كعنوان فرعي لمواضيع المقدمة
وهي : " الدولة العربية في الإسلام "[42] جاعلا الإسلام الكل العام ، والدولة جزء منه،
ومظهر له؛ غير أن مفهومها لا يرقى إلى مفهوم الحضارة؛ لكنها أداة فعالة في بنائها،
وعليه فإن الدولة التي قامت في الإسلام لم تسم لا بالعربية، ولا بالإسلامية؛ وإنما
سميت بنسبتها إلى مؤسيسها من الأفراد مثل : " الدولة
الرستمية " نسبة إلى مؤسسها عبد الرحمن بن رستم، والقبائل: " كدولة
صنهاجة "، وكذا الخلافة الأموية نسبة إلى بني أمية، والخلافة العباسية نسبة إلى بني العباس، وكذلك بالنسبة للمؤسسات
الدينية والعلمية كجامعة القرويين بفاس، والزيتونة بتونس، والأزهر بالقاهرة
وغيرها؛ فالمسلم كان يجسد المبادئ الإسلامية عمليا، ولا يهتم كثيرا بالمسميات،
والشعارات فالإسلام لا ينظر إلى الشكل فحسب، وإنما بالدرجة الأولى إلى المحتوى.
والتساؤل
المطروح بعد اسعراض هذه الآراء والاتجاهات هو : ما الذي يضير في أن تسمى
حضارة عربية ؟ أو حضارة إسلامية ؟ أو حضارة عربية إسلامية ؟ لماذا هذا الجنوح عند
البعض اليوم ؟ ولماذا نضع أنفسنا كمسلمين في هامش الدائرة بدل مركزها ، ونترك بذلك
جوهر الموضوع ـ جوهر الحضارة ـ؟ وفي هذا تساءل الشكعة قائلا : "
إذن لا بأس أن تسمى عربية فيما لو كان الجوهر والمنطلق عربيين، وبالتالي لا بأس أن
تسمى إسلامية طالما كان الجوهر والمنطلق
إسلاميين "[43]، وهناك من الباحثين من يشكك في مثل هذا
التشابه والتوافق ذلك أن الإسلام في رأي هؤلاء يصبغ هذه الجمتعات بصبغة مشتركة من
الثقافة الدينية العامة، ولكنه لا يجعلها تفقد ذلك اللون المتميز من الشعور المتصل
بالتصوف، والسحر الذي تتلون به حياتهم الخاصة[44]، وفي هذا قال غوستاف لوبون : " لقد أنشأ العرب بسرعة حضارة جديدة، كثيرة
الاختلاف عن الحضارات التي ظهرت قبلها، وتمكنوا بحسن سياستهم حمل أمم كثيرة على انتحال
دينهم، ولغتهم، وثقافتهم، ولم يشذ عن ذلك أقدم الشعوب كالمصريين والهنود الذين
رضوا أيضا بمعتقدات العرب وعاداتهم، وفن عمارتهم " [45] وقال أيضا : " إن الأمم التي
غابت عن التاريخ لم تترك غير أطلال، وصارت أديانها ولغاتها وفنونها ذكريات؛ أما
العرب فمازالت عناصر حضارتهم باقية حية "[46].
والخلاصة
إنه مهما اختلفت التسميات، وتعددت الآراء حول مستوى هذه الحضارة، فإنها تبقى
متميزة في عالم سماه الغربيون بالعصور الوسطى، كما تبقى نبراسا يهدي الكثير،
ويرشدهم إلى الطريق المستقيم، طريق التمكين في الأرض متى عرفوا الدوافع أو العوامل
التي حركت ذلك المزيج من الشعوب، والقبائل والأفراد والجماعات فاشتركوا جميعا في
بناء صرح حضارة عربية إسلامية مازالت أنوارها تشع على العالم وستبقى...
إن عوامل قيام حضارة ما تتشابه مع عوامل قيام الحضارات الأخرى، أو هي نفسها
تقريبا باعتبار أن هذه العوامل ثابتة، وقلَّ ما يصيبها التغييـر، فهي سنة أو أمر الله في كوننا هذا، قال تعالى:" وَتِلْكَ
الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ " [47]، والحضارة الإسلامية من جملة الحضارات التي
تعاقبت على وجه الأرض خضعت لنفس هذه العوامل التي سنوضحها بصورة عامة في
الآتي :
1-العامل الجيولوجي( وصف الأرض): من
المعلوم أن الكرة الأرضية مرت بعصور جيولوجية تدعى « الأزمنة
الجيولوجية » أخرها الزمن الذي نعيش فيه، ويقدر العلماء أن العصر الأخير شهد
أربعة عصور جليدية بين كل عصر وأخر نشأت حضارة، ولكن الجليد الذي كان يطمسها بركام
من الثلوج والأحجار ـ عندما كان يعاود الأرض ـ ويحصر الحياة في نطاق ضيق من سطح
الأرض، كما أن الزلازل والبراكين هي الأخرى أسهمت ومازالت تسهم في طمس معالم الحضارة [48].
وعليه يمكن القول أن العوامل الجيولوجية تؤثـر على قيام الحضارة، وتسهم في
تطورها في الحالة التي تكون فيها الأرض مستقرة، والعكس صحيح عندما تشهد تغيرا
وتحركا وثورانا، حيث تصبح تهدد بالدمار والخراب بين لحظة وأخرى، ومن هذا الجانب
فالحضارة العربية الإسلامية من جملة الحضارات التي امتدت على رقعة من الأرض مستقرة
نسبيا رغم أن خط النار يخترقه من جهة، ويحيط بها من جهة أخرى ـ أي خط الزلازل،
وعموما يمكن القول أن هذا الاستقرار كان عاملا مساعدا لها.
2 - العامل الجغرافي : ويشمل التقلبات المناخية والطقس من حرارة ،
وبرودة، ورطوبة وجفاف، وأمطار، ورياح، وإعصارات، وتصحر، ومن المعلوم أن المناطق
الحارة، والاستوائية لا توفر الظروف المناخية المناسبة لنشاط الإنسان، وبالتالي
لقيام حضارة، فالحرارة في المناطق الأستوائية، وكثرة الأمطار يساعدان على نمو
الطفيليات في تلك البلاد؛ فيسودها الخمول والأمراض، وتؤدي إلى نضوج مبكر، وانحلال
مبكر لاسيما لدى الإنسان الذي لا يصرف جهوده في كماليات الحياة التي هي قوام
الحضارة، ويستنفذها جميعا في إشباع الجوع، وعملية التناسل بحيث لا تذر للإنسان
شيئا من الجهد ينفقه في ميادين الفنون، والتفكير، ومثل هؤلاء سكان المناطق
القطبية ـ الإسكيموـ ، والمطر عامل أساسي
للحياة الاقتصادية والاجتماعية، ولقيام الحضارة، بل هو أهم من ضوء الشمس، ولذلك
فإن الحضارات القديمة كلها قامت في المناطق التي تهطل بها الأمطار بكميات كافية،
وحول الأنهار مثل حضارة وادي الرافدين، وحضارة مصر حول النيل، وحضارة الهند حول
أنهار السند والغانج وحضارة الصين حول الأنهار
الكبرى، وحضارة اليونان والرومان[49]، والحضارة العربية الإسلامية التي قامت في
مناطق الأمطار والأنهار وامتدت حتى الصحاري رغم قلة التساقط، لكن فعالياتها
البشرية استطاعت ترويض طبيعنهت والاستفادة منها..
3-العامل الاقتصادي : أول صورة ظهرت فيها الحضارة هي الزراعة، إذ
استقر الإنسان باكتشافه لها، فبنى مسكنه، ومعبده، واستأنس الحيوانات لخدمته، مثل
الكلب للحراسة، والحمار للجر والنقل، واخترع الآلة؛ ومكنه هذا التطور من وقت فراغ
استثمره في مجالات الفنون والآداب، والاكتشاف، وازدادت قدرته على نقل التراث
الإنساني لذلك ارتبطت الحضارة، والثقافة بتطور الزراعة، واكتشاف الغذاء كان بداية
لمرحلة ثانية من حياة البشر هي الحضارة [50]؛ كما لعب التبادل التجاري دورا كبيرا في نمو وتطور الحضارة، فبالإضافة
إلى تصريف البضائع واستيراد أخرى؛ فقد كانت تنتقل مع هذا التبادل الخبرات الفنية،
والمكتشفات الجديدة، وأساليب العمل، والعادات، والمعتقدات؛ فأثرى ذلك الجانب
الفكري في الإنسان، وساعد على النمو والتطور السريع، وتطورت المساكن البسيطة إلى
مدن كان يتجمع فيها ما ينتجه الريف من ثروة ونوابغ،
وعملت الصناعة مثل التجارة على مضاعفة وسائل الراحـة، والترف، والفراغ،[51] وقد لاحظ ابن خلدون
ذلك فقال: " فالبدو أصل للمدن، والحضر، وسابق عليهما لأن أول مطالب
الإنسان الضروري؛ ولا ينتهي إلى الكمالي، والترف إلا إذا كان الضروري حاصلا
في شوكة البداوة قبل رقة الحضارة، ولهذا نجد التمدن غاية البدو"[52]، وفي السياق نفسه قال ديورانت :" الحضارة
تبدأ في كوخ الفلاح ولكنها لا تزدهر إلا في المدن"[53]
4-العامل الديني : لابد للناس بعض الاتفاق في العقائد الرئيسية؛
وجانب من الإيمان بما هو كائن وراء
الطبيعة إذ أن ذلك يرفع الأخلاق؛ ويدعم الإخلاص في العمل؛ فالعامل الديني يقوي اللحمة بين أفراد الأمة،
ويدفع بهم إلى العمل والاكتشاف؛ وتعدد الديانات والمعتقدات قد يكون سببا في ضعفها،
وفي تمزيق وحدة الأمة والشعب بفعل تعصب كل طائفة إلى دينها وعقيدتها، لاسيما إذا
تناقضت العقائد مثل ما هو حادث في الهند أين يحرم الهندوس ذبح البقر؛ في حين يحلها
المسلمون؟
والإسلام كعقيدة وشريعة كان العامل الرئيس في تحقيق هذا الألتحام في
المجتمع مما جعل أفراده يتنافسون في تحقيق مثله العليا وفي مقدمته سعادة الإنسان
في الدارين.
5-العامل الأخلاقي : إن المجتمع يحتاج إلى ضوابط أخلاقية؛ بحيث إذا
وقع من أحد أفراده ، أو جماعة منه تجاوز يعاقب معنويا، ويطرد سلوكيا، وهو ماجسدته
الشريعة في تنظيمها للمجتمع الإسلامي.
5-العامل التربوي : إن نظام التعليم هو الذي ينقل الثقافة،
والمعرفة، وتراث الأجداد إلى الأبناء والأحفاد أي من جيل إلى جيل فيحدث بذلك تراكم
تراثي يؤدي إلى الإسهام في قيام الحضارة، وقاعدة انطلاق لها، والقرآن أعطى لهذا
العامل الأولوية في بناء المجتمع والحضارة عندما كانت أول آياته هي " إقرأ
" .
7-العامل الثقافي : كاللغة الواحدة التي توفر إلى حد ما جوا سهلا
يتبادل فيه الناس الأفكار والآراء، وكذلك وجود قانون ديني يحدد الواجبات والحقوق،
وينظم سلوك الناس، وكانت اللغة العربية، والفقه الإسلامي العاملين الأساسين في
توفير هذا الجو .
العامل السياسي والنفسي : إن الاستقرار السياسي، ووجود نظام قوي يفرض القانون
على الجميع، ويضع حدا للتعدي والخوف، ويعمل على توفير الأمن والأمان بواسطة العدل،
والمساواة من شأنه أن يصرف الأفراد إلى العمل والإنتاج، والاكتشاف، وبالتالي تزداد
الوسائل والإمكانيات فتزدهر الحضارة، ودون ذلك
لايستطيع المجتمع أن يأخذ بأسباب الحضارة، وهو يعيش في حالة من القلق
والخوف[54].
ودولة الإسلام منذ عهد الرسول r والخلفاء الراشدين رضي
الله عنهم، ثم ما تعاقب من دول أخذت بهذين السببين، ووفرت بذلك مجالا واسعا للعمل
والاكتشاف.
هذه
العوامل مجتمعة هي التي كانت وستكون وراء ازدهار الحضارات، ولو انعدم واحد
منها تقوضت أسسها، فلو حدث مثلا استنفاد الموارد الطبيعية أو الوقود، أو تغيرت طرق
التجارة أو حدث انحلال عقلي أو أخلاقي أو تهدمت القواعد التقليدية التي يقوم عليها
النظام الاجتماعي، ثم العجز عن إحلال غيرها مكانها أو انهيار قوة الأصلاب ـ أي
تفكك الروابط القبلية والعائلية ـ بسبب انهيار الحياة الجنسية أو سيادة الفلسفة
التشاؤمية التي تحفز على ازدراء الكفاح (العمل) وضعف الزعامة ـ القيادة السياسية ـ
بسبب عقم يصيب الأكفاء أو القلة في نسبة الأفراد أو الأسرات التي كان بمقدورها أن
تورث الخلف تراث الجماعة الفكري كاملا غير منقوص أو تركز الثروة تركز مفرط، ومحزن
يؤدي بالناس إلى حرب الطبقات، والثورة الهدامة لانحلت الحضارة وانكفأت[55]، إضافة إلى التغيرات الجيولوجية بفعل الهزات
والزلازل والبراكين، والتقلبات المناخية التي تؤدي إلى جفاف قاتل أو إلى إغراق
بالمياه والثلوج ضار بمجهودات الإنسان الحضارية.
3 ـ مصادر الحضارة العربية الإسلامية
أ-المصادر الأصيلة ( القاعدية أو الدينية):
سنتناول فيما يأتي مصادر الحضارية العربية الإسلامية، وقد قمت بتجزئتها إلى عناصر
قد تساعد القارئ والباحث على تصور الموضوع بأقل جهد، وترشده إلى الخطوات المنهجية
التي تساعد على الاستفادة، وهي
1-القرآن الكريم : يعد القرآن الكريم بالنسبة للحضارة الإسلامية
أهم مقوم أو مصدر لها ذلك أن القرآن ورد فيه ما هو تاريخ، ومعتقد، وتشريع، وعلم
وفكر وأدب ... فهو إذن أمد المؤرخين بأخبار الأمم الغابرة كعاد وثمود، وبأخبار الأنبياء كنوح وإبراهيم وعيسى وموسى عليهم السلام، وأمد
الفقهاء، والمشرعين بأحكام عامة فصل فيها هؤلاء، وتوسعوا، كما أمد علماء الطب،
والفلك، والنبات بمعلومات علمية كانت نبراسا وطريقا لاكتشافات عدة؛ وأمد أيضا
أصحاب الفكر من فلاسفة، واجتماعيين، وسياسيين بكليات كانت ضوءا هاديا لهم في
الوصول إلى كثير من الحقائق في هذه المجالات، والقرآن ببلاغته، وموسيقاه كان منذ
أربعة عشر قرنا ملهم الأدباء والشعراء، وأصحاب الفنون، وفي الوقت نفسه ينظم
المجتمع على أسس سليمة تضمن له الأمن والرخاء، والسعادة، وحرية الرأي، والعقيدة قال تعالى : "لَا إِكْرَاهَ فِي
الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ
وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوثْقَى لَا انْفِصَامَ
لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ "[56]، وهو يحدد العلاقة بين الفرد وربه، والفرد
وأسرته، وبين الأسرة والمجتمع، وبين الجتمعات بعضها ببعض[57] .
وبهذا يعد القرآن الكريم أحد الأسس الرئيسية في بناء الحضارة العربية
الإسلامية، ومنبعا هاما لها، وحجر الزاوية الذي تقوم عليه الشريعة الإسلامية[58]؛ ومن المعروف أن القرآن نزل على محمد r منجما
في ثلاث وعشرين سنة حفظ ودون في كتاب عدد سوره :(114)، وآياته : (6236)، وكلماته :(77934)، وحروفه : (323621)، وكان الرسول r هو
الذي رتب آياته فعين موضعها، وحدد مكانها من السور طبقا لما أخبر به الوحي،
ثم دون في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان
رضي الله عنه، وقام أبو الأسود الدؤلي بنقط الحروف سنة 67هـ / 686م، ثم تم إعجام الحروف المتشابهة بنفس مداد
الكتابة على يد نصر بن عاصم الليثي، ويحي بن يعمر بتكليف من الحجاج بن يوسف الثقفي
والي العراق[59]، وقام الخليل بن أحمد الفراهيدي في بواكير القرن 2هـ/8م بوضع شارات الشكل التي نعرفها الآن[60] وظل محفوظا
من أي تحريف مصداقا لقوله تعالى : " إِنَّا نَحْنُ
نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ " [61] .
2 ـ السنة النبوية الشريفة: السنة النبوية الشريفة تعد مصدرا ثانيا من
مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن، ذلك أن كل ما ثبت عن رسول r من
قول وفعل وإقرار هو من توجيه الله سبحانه وتعالى إذ الرسول r لا
ينطق عن الهوى قال تعالى : « وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ
صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى،وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ
يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى »[62]، ولذلك تأتي السنة بعد القرآن الكريم في
الأوامر والنواهي. قال
تعالى : " وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ
عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ " [63].
ورغم الصعوبات[64] التي واجهت تدوين الحديث النبوي الشريف فقد تم
ظهور مجموعات من كتب السنة تعرف بالصحاح والسنن مثل صحيح البخاري (ت256 هـ/
ونتج عن هذه الحركة علم الحديث الذي تميزت به الحضارة الإسلامية عن غيرها
من حيث المنهج الذي أدى إلى ظهور بعض العلوم منها علم الجرح والتعديل، وعلم تاريخ
رجال الحديث، وعلم علل الحديث، وعلم غريب الحديث، والناسخ والمنسوخ. يقول ابن
خلدون في هذا الشأن : " وأما علوم الحديث فهي كثيرة ومتنوعة لأن
منها ما ينظر في ناسخه ومنسوخه...وعلم النظر في الأسانيد، ومعرفة ما يجب العمل به
من الأحاديث.. »[65]، كما أدت هذه الحركة العلمية إلى ظهور طرق
تطورت إلى مدارس كمدرسة الحجاز، والكوفة، والبصرة، وتميزت كل منها بضوابط أصبحت
تعرف بها، والتي يقول عن بعضها ابن خلدون : " وكانت طريقة أهل
الحجاز في أعصارهم في الأسانيد أعلى ممن سواهم وأمتن في الصحة لاستبدادهم في شروط
النقل من العدالة والضبط، وتجافيهم عن قبول المجهول الحال في ذلك، وسند الطريقة
الحجازية بعد السلف الإمام مالك عالم المدينة رضي الله تعالى عنه ثم أصحابه مثل
الإمام محمد بن إدريس الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل وأمثالهم"[66]، وأدى الاشتغال بعلوم الحديث إلى ظهور العديد
من المصطلحات التي أثرت اللغة العربية، وبالتالي الحضارة الإسلامية .
وهكذا نلاحظ أن السنة النبوية الشريفة قامت
بدور كبير في تنظيم الحياة العامة في شتى مجالاتها الحضارية، من خلال العلوم
الدينية كالفقه، والتفسير؛ والعلوم العقلية واللغوية والأدبية، فأفادتها بنصوصها،
ومناهجها، وتشريعاتها؛ فكانت مقوما أساسيا للحضارة العربية الإسلامية .
ب-التراث العربي القديم :
1 ـ التراث الشفوي : لقد كان لعرب شبه الجزيرة في عصور ما قبل
الإسلام تراث شفوي هام يتمثل في الشعر، والأمثال والحكم، والقصص، والأحاجي
والألغاز، والخطب، وقد اشتهروا بالشعر حتى
سموا بأمة الشعر، وقديما قيل: " الشعر ديوان العرب » [67]، يعنون بذلك أنه سجل سجلت فيه العرب أنفسهم؛
وقد انتفع الأدباء بشعر العرب في الجاهلية، فاستنتجوا منه بعض أيامهم، وحروبهم،
وعرفوا منه أخلاقهم التي يمدحونها، والتي
يهجونها، واستدلوا به على جزيرة العرب، وما فيها من مناطق وجبال، وسهول، ووديان،
ونبات وحيوان، واعتقادهم في الجن، والأصنام، والخرافات، وألفوا في ذلك الكتب
المختلفة [68].
وعلى
العموم فهذا الشعر الذي كان يعتبر أول الأنواع الفنية ـ كما كان عند اليونان؛ وهو
بضاعة الأمم البدوية ـ قد أمد الحضارة الإسلامية ببعض الخصائص نذكر منها: إتقان
اللفظ وسحره؛ زيادة على أنه كان شعرا غنائيا يعتمد الموسيقى؛ ولعله أشتق من ضلعها،
وتدرج لينفصل ويستقل بذاته، غير أن الشعر الجاهلي كان
قليل الابتكار والتنوع صرح بذلك أصحابه أنفسهم فيما أشتهروا به : "
هل غادر الشعراء من متردم »؛ وكان الشعر معظما تجلى ذلك في المعلقات التي كتبت بماء الذهب وعلقت على جدار الكعبة؛
وإذا نبـغ شاعر في قبيلة أولمت له حيث كانت له مكانة عظيمة ضمنها، فهو ناطقها
الرسمي، يقوم بدور رجل الإعلام في عصرنا،
كما كانت قصائد الشعر تعرض في الأسواق التجارية مع البضائع، ويروون أن قبة من أدم
ـ أي جلد ـ كانت تضرب للنابغة الذبياني في عكاظ ليحكم بين الشعراء الذين يقدمون
لإنشاد قصائدهم عليه في
الموسم، وهو نوع من التنظيم للسوق الأدبية[69].
والأمثال والحكم هي الأخرى لا تقل أهمية عن الشعر، فمن أمثال الأمة نستطيع أن نفهم الدرجة
التي وصلت إليها، ونستطيع أن نعرف كثيرا من أخلاقها، وعاداتها، وللأمثال من هذه
الناحية ميزة عن الشعر؛ ذلك أن الشعر تعبير عن طبقة من الناس يعدون في مستوى أرقى
من مستوى العامة، أما الأمثال فكثيرا ما
تنبع من أفراد الشعب نفسه، وتعبر عن عقلية العامة[70]، كما كان للعرب قصص يرد كثير منها على لسان
الحيوان، وهو ضرب للعبرة والعظة؛ والقصص باب كبير من أبواب أدبهم ، وفيه دلالة
كبيرة على عقليتهم، وهذه القصص أنواع منها أيام/ وقائع العرب كيوم داحس والغبراء
،ويوم الفجار، وأحاديث الهوى مثل قصة المنخل اليشكري، وشريك مـع المنذر، وبعض
القصص ذات أصل فارسي أو يوناني [71] ، ويلحق
بالأمثال، ما عرف بالأحاجي والألغاز، وهي نوع من اللعب الفكري[72].
والخطابة ظهرت
متأخرة عند العرب مقارنة بالشعر، ووصلنا منها الشيء اليسير كخطبة قس بن ساعدة
الأيادي، ومن خصائصها السجع، والإيجاز، وتملأ بالحكم والأمثال، وأحيانا يمزجونها
بالشعر؛ ومجالاتها واسعة منها المفاخرة، والمنافرة، والزواج، والوعظ، ومن أشهر
خطباء الجاهلية قصي بن كلاب جد الرسول r [73].
2 -التراث المادي (والكتابي) : كان للعرب قبل ظهور الإسلام تراث مادي أثري وكتابي تجلى في بقايا الحضارات
التي قامت على أطراف شبه الجزيرة العربية شمالا في الشام والعراق وجنوبا في اليمن؛
وقد عم تأثيرها وسط شبـه الجزيرة، فكان لها شأن عظيم في تاريخ التقدم الإنساني[74]؛ ففي
الجنوب رعت هذه الحضارة ثلاث دول هي:
أ-الدولة المعينية: والتي قامت في شمال اليمن ووسطه، وكانت
عاصمتـها " القرن"، وقد أختلف
في مدتها فقال البعض : أنها امتدت من الألف الثالثة ؛ وقال البعض الآخر من القرن
الثاني عشر قبل الميلاد ونهايتها كانت بين القرنيين الثامن والسابع قبل الميلاد ،
وقد مارس ملوكها الكهانة والملوكية ( مزواد معين) أمتد نفوذها الى شمال شبه
الجزيرة العربية، وإلى الحجاز، وقد أقتبست من الشمال الخط الذي تطور إلى الخط
المسند[75].
2 - الدولة أو المملكة السبائية (800- 150 ق م) : عاصر ظهورها أواخر مملكة معين، كانت عاصمتها
الأولى " صرواح " والثانية " مأرب " وقد ورثت تقاليد المعنيين في الحكم والإدارة، والعلاقات
الاجتماعية؛ وكان ملوكها يجمعون بين الكهانة والملوكية، وبلغ اليمن في عهدها أوج
ازدهاره حتى سميت " بلاد اليمن السعيدة " وقد ورد ذكرها في القرآن
الكريم حيث سميت سورة كاملة باسمها" سبأ" قال
تعالى:" لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ
يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ
طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ، فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ
الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ
وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ " [76] .
3- الدولة الحميرية (115 ق م ـ
أما
في شمال شبه الجزيرة العربية فقد ظهرت بعض الدول التي حملت لواء حضارات خالدة مثل
الحضارة السومرية ، والبابلية والأشورية ، والفنيقية ، وقريبا من ظهور الإسلام
ظهرت بعض الدول في المنطقة التي وإن كانت عربية في أصل سكانها ، فإنها فارسية
بيزنطية في قوة حضارتها وتطورها وهي كما يأتي :
1-إمارة الحيرة أو إمارة اللخميين بالعراق ( 268 ـ 622م): أسست هذه الإمارة بمساعدة الفرس على نهر الفرات في عهد سابور
الأول الفارسي(241-272) وأمروا عليها عمرو ابن عدي اللخمي سنة 268م الذي جعل الحيرة ـ على بعد ثلاثة أميال من الكوفة في موضع
النجف على ضفة الفرات الغربي ـ عاصمة له، وظلت دولتهم تحكم حتى دخلت في حوزة
الإسلام في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق، وكانت الإمارة ممرا للتأثيرات
الفارسية، وبلغت هذه الإمارة درجة عالية من التقدم والرقي الحضاري لاحتكاكها
بالفرس فرعت الأدب والشعر والعمران، كما
شيدت القصور منها قصرا الخرونق والسدير ، والأديرة [80].
2- إمارة الغساسنة بالشام (220-
3-الأ نباط : - سلع أو سالع أو الصخرية-[85] عاصمتهم البطراء أوالبتراء أو الحجر، أو
الرقيم. وتعود جذور نشأتها إلى القرن السادس قبل الميلاد في القسم الجنوبي من
فلسطين والأردن، والجزء الشمالي الغربي من السعودية، وهي تقع على ملتقى الطرق التجارية، وكان ملوكها يسمون
" الحارث" وأول ملوكها الحارث الأول؛ و بلغ الأنباط شأوا عظيما من
التحضر تشهد على ذلك النقوش الكتابية، وقد أجمع الباحثون على أن لغتهم كانت
العربية، وخالطوا العالم المتمدن بالتجارة أو السياسية، واضطروا إلى تعلم
الآرامية، ومنها أخذوا القلم الآرامي لسهولته، ثم تفرع هذا القلم إلى قلم تدمري؛
وقلم نبطي، وهذا الأخير هو الذي أنتقل إلى العرب، وبه كتبت العربية والقرآن الكريم[86] والذي سنبحثه في موضوع الخط العربي فيما يأتي.
4-دولة تدمر : تدمر مدينة تقع على طرق البادية التي تفصل
الشام عن العراق إلى الشمال الشرقي من دمشق على بعد
6-دويلات أو مشيخات الوسط :
أ- دويلة أومشيخة كندة: هذه الإمارة ظهرت وسط نجد في منتصف القرن
الرابع إلى منتصف القرن السادس الميلادي، وهي أقرب إلى مشيخة منها إلى دولة ذات
نظام وإن تسمى رؤسـاؤها بالملوك، ولا توجـد لها عاصمة ولاحدود، ولم يكن لها جيش،
وكانت كثيرة الحروب والغارات والغزوات - الأيام
ـ وعاشت بفضل الصراع البيزنطي الساساني
الطويل، ومن ملوكهـا أو أمرائها " أمرؤ القيس "[88].
ب- دول المدن: وهي مكة، والمدينة، والطائف، التي اعتمدت
النظام القبلي كنظام سياسي لها، وكان الرعي والتجارة أساس اقتصادها إلى جانب زراعة
الواحات.
ومن
خلال ما تقدم ذكره يتبين أن العرب لم يكونوا بدوا يعيشون في جاهلية، بل كان منهم البدوي، ومنهم المتحضر، والمتحضرون
كانوا يشكلون الأغلبية، وقد استطاعوا تحقيق منجزات حضارية ارتكزت عليها الحضارة
العربية الإسلامية؛ ومن هذه المنجزات النظـم السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية،
والثقافية التي استوحى منها المسلمون الكثير وطوروها، ولتوضيح ذلك نقدم الأمثلة
الآتية:
1- العمارة : ففي الميدان المعماري ترك العرب صروحا ألهمت
المهندسين والبنائين المسلمين في مخططاتهم
وإقامة بنايتهم مثل المعابد ومنها معبد العوام غربي مأرب عاصمة الدولة المعينية
القديمة الفخم البيضاوي الشكل الذي أقيم لعبادة القمر، وتعد هذه العبادة جزءا من
عبادة الكواكب المتجسدة في الثالوث :" الزهرة، والقمر، والشمس" ،
والقصور مثل الخرونق والسدير اللذان سبق ذكرهما. وأثار مدن مثل البتراء، وتدمر
وغيرهما، والحصون في شمال وجنوب شبه الجزيرة العربية منها بقايا سور قديم توجد
آثاره عند مدينة تاج الحالية في المنطقة الشرقية لشبه الجزيرة على مقربة من شاطيء
الخليج[89]، وسوق فاو بوسط شبه الجزيرة العربية [90]، كما انتشرت عمارة السدود خاصة في اليمن، ومن
أهمها سد مأرب على الإطلاق، ويدل هذا على أهتمام العرب بتوفير الموارد المائية
لقلة الأمطار، ولخلو شبه جزيرتهم من الأنهار[91].
2-النحت والنقش: برع العرب في النحت الذي أنقسم الى نحت على
شكل تماثيل، ونحت على شكل صور أوزخارف بارزة على جدران المباني وواجهاتها، ويبدو
أن صناعة التماثيل انتقلت الى العرب، وإلى وسط شبه الجزيرة العربية من العراق
3-الفخار: الفخار يصور التقدم الحضاري للمجتمع أكثر من
غيره لأنه كان السلعة، والأداة التي تستخدم على أوسع نطاق في الحياة اليومية، وقد
وجدت في أطراف شه الجزيرة العربية أواني فخارية ومزهريات، وأوعية للبخور لتخزين
أنواع المؤن، ودمى وغيرها؛ إلى جانب ماكان منتشرا في مناطق حضارات الشمال والجنوب،
وقد دل كل هذا على وجود حياة استقرار قديمة وفرت للإنسان العربي وقت فراغ أستغله
في التفكير، والإكتشاف.
4-السكة
: أول النقود التي عثر عليها
في شبه الجزيرة العربية تعود الى القرن الثالث قبل الميلاد ظهر عليها الخط السبئي
الجنوبي إلى جانب وجود نقود يونانية، أما في الشمال فقد وجدت العملة البرونزية في
البتراء عاصمة الأنباط كانت تحمل في وجهها
الأول رسما لأحد أباطرة الرومان، وفي الوجه الأخر رسما للألهة العرب " اللات
" تعود الى القرن الثاني الميلادي وبالضبط إلى عهد الأمبراطور الروماني " تراجانوس " تراجان " حيث
أصبحت دولة الأنباط ولاية رومانية[92] .
ويستنتج من هذا تطور الصناعة، وتقدم المعاملات التجارية ، والتبادل التجاري
وهو عامل أساسي في التقدم والتطور الحضاري.
5-اللغة والخط : يعدان إحدى المصادر الهامة للحضارة العربية
الإسلامية؛ فاللغة العربية التي كانت قد بلغت النضج عند ظهور الإسلام بدليل الكم
الهائل من أدب عصر ماقبل الإسلام ـ العصر الجاهلي ـ المتمثل في الشعر، والقصص،
والخطابة، والحكم والأمثال، وقد أختيرت لغة للقرآن الذي نزل بلسان عربي مبين قال
تعالى:" إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
"[93].
أما
الخط فله أرتباط وثيق باللغة العربية لاسيما أنه صاحب انتشارها، وتطور بتطورها؛
وقد أخذ من القلم النبطي حيث أول ما أستعمل في كتابة المصحف الشريف، والمراسلات؛
ثم أستخدم كفن في النقش والزخرفة، فأصبح يحتل الصدارة في الفنون الإسلامية، وكان
أحد الأسس الهامة للحضارة الإسلامية؛ وعامل وحدتها[94]، والمعبر عن هوية عطاءها، بالإضافة إلى
الكتابات الأخرى كالكتابة المعينية، والسبئية، والحميرية و(الخط المسند )،
والنبطيــة، والصفوية، والليحانية ( شمال الحجاز)، والثمودية ...الخ[95].
وهكذا
نرى أن المنطقة العربية شهدت قيام حضارات كان لها شأن في التقدم الإنساني، وأصل
الشعوب التي أقامت هذه الحضارات كان مشتركا؛ وإن اختلفت في مقومات حضاراتها التي
أطلق عليها جزافا اسم السامية، وقد أعتمد من سموها على نصوص التوراة ( سفر التكوين
العاشر. 10)[96] ، والحقيقة أن هذه الشعوب سابقة عن التوراة
نفسها؛ وأن إطلاق اسم الجنس العربي هو الأقرب للصواب، وهو الأنسب من الوجهة
التاريخية[97]، على تلك الحضارات التي أستمد ت الحضارة
العربية الإسلامية منها مقوماتها، وسوف نعود الى موضوع الخط بشئ من التفصيل فيما
يأتي من هذا البحث.
ج ـ تأثير الحضارات الأجنبية السابقة:
أستطاع المسلمون بفضل الموقع الجغرافي الذي
أمتدت فيه رقعة الدولة الإسلامية أن يتصلوا بالعديد من الشعوب، والتيارات
الثقافية، والسمات الحضارية، وقد استعاروا منها عددا من الأساليب والنظم، والعلوم،
والفنون، والصناعات، وأعادوا صياغتها وبناءها حسب التعاليم الإسلامية، وذوقهم
العام، والحضارات التي تأثروا بها وأخذوا منها هي كالآتي :
1-الحضارة الإغريقية أو الهلينية: وقد كانت انتقلت تأثيراتها منذ زمن بعيد إلى
المنطقة العربية؛ كما كانت لها بقايا مراكز حضارية في بلاد الشام وآسيا الصغرى
ومصركالرها، وحران، وانطاكية، والأسكندرية، فنقلت الكتب الإغريقية الى اللغة الأرامية قبل
ظهور الإسلام، واشتهرت بعلمائها لاسيما في الفلسفة، والطب، والتشريح، والرياضيات،
والقيزياء، والكيمياء، والهندسة المعمارية الفخمة[98]، والتي تم عن
طريقها انتقال تأثيراتها إلى البلاد الإسلامية.
2 ـ الحضارة
الفارسية: كان
تأثير الحضارة الفارسية واضحا من خلال ما تقدم عند الكلام على دولة اللخميين في
الحيرة، والأحتلال الفارسي لليمن، وقد برز أكثر في ميادين الأدب والفنون والنظم
حيث كانت فارس احتفظت بمزيج حضاري آسيوي خاص سٌلم للعرب المسلمين، وسهل احلال
الحروف العربية بدل الفهلوية في الكتابة، كما كان لحركة الترجمة أثر واضح لاسيما
في الأدب؛ إلى جانب علوم الهندسة، والفلك، والطب، وفي العمارة ،والفنون الأخرى،
ويظهر هذا التأثير خلال حكم العباسيين خاصة في النظم منها نظام الوزارة[99].
3-الحضارة الهندية
:
تعود الاتصالات مع الهند الى فترة موغلة في القدم، وإلى أيام الفتوحات الإسلامية؛
ففي البداية انتقلت علوم الهنود عن طريق الفرس كالرياضيات، والفلك، والأرقام (
راشيكات الهنـد)، وطب الأعشاب، وتعريف المصطلحات، والأسماء (زنجبيـل، وكافـور،
وخيزران، وفلفل )، والحكم، والأمثال، والقصص (كليلة ودمنة، والسندباد البحري)،
والألعاب كالشطرنج[100]؛ ثم مباشرة بعد
أن اتسعت حركة الترجمة.
4-الحضارة الصينية
:
لاريب أن التأيرات الصينية كانت قد وصلت الى المنطقة العربية منذ القدم عبر تنقل
الأفراد، والشعوب، والمنتوجات الحضارية لاسيما عن طريق الهند والفرس؛ وأول أتصال
عربي اسلامي بالصين كان على أيام الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة 31هـ/651م، وذلك قبل أن
تصل جيوش المسلمين بقيادة قتيبة بن مسلم الباهلي الصين سنة 96هـ/ 714م أواخرعهد الوليد
ابن عبد الملك؛ وأهم التأثيرات الصينية صناعة الورق ـ الكاغط ـ، والتي نقلها العرب
عن بعض الأسرى الصينيين في سمرقند حوالي سنة 135هـ/751م، ثم ظهرت في
بغداد بتأسيس أول مصنع للورق بأمرمن الوزير الفضل ابن يحي البرمكي، كما أخذ
المسلمون عنهم البوصلة، ونترات البوتاسيوم أي ملح البارود، وصناعة الخزف[101] .
وتأثيرات الحضارات هذه شكلت إحدى المصادر
الهامة للحضارة العربية الإسلامية حيث لم يكتف المسلمون باستيعابها، بل كيفوها
وطوروها إلى درجة بدت فيها وكأنها ابتكارات جديدة كالنظم والأرقام، وعلم الجبر،
وغير ذلك ...
سنعرض في هذا المجال مجموعة من الخصائص التي تميزت
بها الحضارة الإسلامية، وإن كان بعضها يبدو أنه مشترك مع الحضارات الأخرى لطابعه
الإنساني، كانزعة الإنسانية، والمبادئ الأخلاقية.
1 ـ الوحدانية المطلقة في
العقيدة : العقيدة
الإسلامية ـ كأساس للحضارة العربية الإسلامية ـ
أول عقيدة تنادي بالاله الواحد
الذي لاشريك له قال تعالى: " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ
الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ "[102]، فهو وحده الذي يعبد،
ولايستعان بأحد الاهو:" إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ "[103]، والوحدانية هذه رفعت مستوى
الإنسان، وحررت الجماهير من طغيان الملوك، والأشراف، والأثرياء، ورجال الدين، وصححت العلاقة بين
الحاكمين والمحكومين، ومن هنا تميزت الحضارة الإسلامية عن كل الحضارات بخلوها من
مظاهر الوثنية، وفلسفتها وآدابها في العقيدة، والحكم، والفن، والشعر، والأدب[104]، فكان إغفالها لفني النحت، والتصوير مع تبريزها في فنون النقش،
والحفر، والزخرفة في البنا. وهذا التميز يتجلى في كل مظاهر حياة المسلمين منها
وحدة التشريع، والأهداف العامة، والكيان الإنساني، وطراز التفكير، ووحدة الأسلوب،
والذوق العام الفني...
والحضارة العربية الإسلامية عندما اتخذت من الإيمان ركيزة لها، إنما
استهدفت أن تحمي كيانها بسياج منيع من القيم الروحية والمثل الكريمة، والإيمان
لايعني الإنصراف عن العمل كما يدعي المغرضون بل تحث عليه لأن العمل مرتبط بالإيمان
:" وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ
وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ
فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون"[105] .
2-النزعة الإنسانية والعالمية: تستهدف النزعة الإنسانية والعالمية في الشريعة
والحضارة الإسلامية تحقيق الخير للإنسان في الدنيا والأخرة، والرحمة به، والحفاظ
على كرامته، والنهوض بمثواه الروحي والفكري، وقد حدد القرآن الكريم وحدة النوع
الإنساني رغم تنوع أعراقه ومواطنه في قوله تعالى :" يَاأَيُّهَا النَّاسُ
إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ
لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ
عَلِيمٌ خَبِيرٌ"[106]، لذلك فإن الحضارة الإسلامية أسهمت في إقامة
صرحها من عباقرة جميع الأمم، والشعوب؛ فأبو حنيفة ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل،
والكندي، والغزالي، والفارابي، وابن رشد، وابن خلدون ممن اختلفت أصولهم، وتباينت
أوطانهم ليسوا الا عباقرة قدمت فيهم الحضارة العربية الإسلامية إلى الإنسانية أروع
نتاج الفكر الإنساني السليم[107].
3-النزعة التقدمية: إن الحضارة الإسلامية حضارة تتوجه الى الأمام
بحيوة وحركة دائبة فلا رجعية فيها، ولا جمود ذلك أن الإسلام في عمقه هو ثورة دائمة
على الظلم، والأستغلال، والتقوقع والجمود، ودعوة الى الأخذ بأسباب التقدم والتطور
والازدهار.
4- المرونة وسعة الأفق: لم تكن الحضارة الإسلامية منغلقة على نفسها،
وإنما كانت دائما قابلة للأخذ والعطاء، فهي لم تقف من التراث الوثني موقفا معاديا
مثلما فعلت الكنيسة قبلها، بل أخذت منه ما يفيد، وكيفته حسب القيم الروحية
للإسلام، فقد أخذت على السواء من الحضارات الفارسية، واليونانية والهندية، والصينية،
وغيرها كما سبق الحديث عنه[108].
5-المبادئ الأخلاقية: جعلت
الحضارة الإسلامية المبادئ الأخلاقية المحل الأول في كل نظمها، ومختلف ميادين
نشاطها، ومن المعروف أن موضوع علم الأخلاق يتناول سلوك الإنسان وأفعاله الصادرة
عنه بإرادة مباشرة أوبالواسطة- أي إهمال الأحتياط والتحفظ- ومعيار الأخلاق يرسم
طريق السلوك الجيد وتحدد أهدافه وبواعثه؛ وغاية علم الاخلاق هو صون الإنسان عن
الخطايا في سلوكه بحيث يكون مستقيما في قصده، وفعله، وغرضه بعيدا عن الهوى،
والتقليد الأعمى، فالإنسان يحتاج إلى علمي الطبيعة والأخلاق معا، وبالتالي إلى
التنسيق والتوازن بين المصالح المادية والروحية[109]
لقد
دل تاريخ الرسالات الإلهية على أن سعادة الإنسان تحصل له من حسن الخلق؛ وأن
الإيمان الذي يرجع فقط الى مجرد العلم بوحدانية الله، والعبادة التي ترجع الىالصور
والأشكال، وأن النظم التي ترجع فقط إلى مواد القوانين، والفقه المحفوظ في الصدور،
وأن المتعة بالحياة التي ترجع الى إصابة لذائذها، وأن نظرة الإنسان إلى الكون التي ترجع فقط إلى مظاهره العامة لا ترقى إلى مرتبة الحقيقة
إلا إذا أتصلت هذه الشعوب بحسن الأخلاق، وأن انقطاعه عنها يهدم ما في النفوس، وفي الحياة، وفي الأثر
الذي ترتبه الحكمة الألهية في الإنسان، فالخلق
هو الصمام لهذه الشعب وهو المعتصم الذي يتمسك به من أراد أن يكون مسلما
حقا.
ومن هنا كانت عناية الإسلام بحسن الخلق، وقد وصلت عند الرسول r إلى
حد أن جعل الخلق متعلقا برسالته فقال: " إنما بعثت لأتتم حسن الأخلاق "[110]، وقد كثرت توصياته الخاصة بحسن الخلق فقال r:
" أثقل مايوضع في الميزان يوم القيامة تقوى الله، وحسن الخلق "[111]، وجاءه رجل ذات مرة ووقف بين يديه وسأله: ما
الدين يارسول الله ؟ فقال حسن الخلق ، فجاءه من قبل يمينه وسأله السؤال نفسه، وكان
الجواب حسن الخلق، ثم جاءه من الشمال ومن الخلف وسأله السؤال، وكان الجواب هو
الجواب"[112]، وما أشد وقع حكم الرسول r على
المرأة التي قيل له فيها: " إن فلانة تصوم النهار وتقوم الليل وهي سيئة الخلق
تؤذي جيرانها بلسانها فقال : لاخير فيها هي من أهل النار"[113]، إذن فلا اخلاق مع الكذب، والغش، والمكر،
والخداع، والتملق، والنفاق، والتقاعس، عن
العمل، وأداء الأمانات إلى أهلها ولم يجعل الله العبادات أركانا إلا لما تحدثه من
أثر طيب في النفوس.
إن
إصلاح الباطن أساس لكل إصلاح ظاهري، ولا بقاء لإصلاح خارجي إلا إذا تركز، وكان
نتيجة وأثرا للإصلاح الباطني، وشعبة الاخلاق هي الكفيلة بالإصلاح الباطني، ولعل
عبارات قوله r:
" إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي
القلب "[114]، هي من أقوى العبارات المأثورة في تقرير
القضية الطبيعية، قضية الضمير، وهي إصلاح الظاهر نتيجة لصلاح الباطن[115]، والاخلاق العالية ضمانة أساسية لتقدم الفرد
والمجتمع، ورقيهما .
6 ـ الأمانة: هي من أهم عناصر
العقيدة الإسلامية؛ ومرتكزات الحضارة العربية الإسلامية الأمانة المطلقة، ذلك أن
القرآن الكريم أمر بأدائها ورعايتها، وحذر من خيانتها قال تعالى:" إِنَّ
اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا
حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا
يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا "[116] وقال :" يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ
تَعْلَمُونَ"[117]، وقال:" وَالَّذِينَ هُمْ
لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ"[118]، والأمانة صفة مميزة للحضارة الإسلامية عن
كثير من الحضارات الأخرى السابقة عليها والتي جاءت بعدها نلمح ذلك في
التحري الدقيق لما نقل إليها من تراث السابقين بنسبته الى أصحابه من
اليونان والفرس والهنود الخ ... وهذا عكس ماقام في بعض الحضارات، فاليونان نقلوا
عن المصريين وحضارة مابين النهرين ونسبها علماؤهم إلى أنفسهم؛ ونفس الشئ في
الحضارة الغربية الحديثة والمعاصرة حيث أخذت الكثير من نظريات وأكتشافات المسلمين،
ونسبها علماؤها إلى أنفسهم والأمثلة على ذلك مبسوطة بالتفصيل في فصول هذا البحث
يحسن الرجوع إليها في مكانها.
7 ـ العدل والحق: من مميزات الحضارة الإسلامية أنها ترتكز
على مبادئ العدل والحق في علاقات المجتمع ونظام الدولة، وهو أول ما أقره الإسلام
حفظا للكيان البشري، وحذر من الظلم، وأمر بالعدل خاصا وعاما . قال تعالى :"
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ
بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا
اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ
خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ "[119]، وقال : " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ
بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ
الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ إن
الله يأمر بالعدل والإحسان "[120]، وقال أيضا:" وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ
الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا
الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا
قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا
ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ "[121] .
أمر
القرآن هكذا أمرا عاما دون تخصيص نوع دون آخر، ولا طائفة دون طائفة لأن العدل نظام
الله وشرعه في الناس جميعا قال تعالى :" لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا
بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ
النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ
لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ
اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز"[122]، وإقامة العدل ومحاربة الظلم تستدعي استعمال
أشد الوسائل منها الحديد أي أستعمال القوة ضد الظالمين يقول محمود شلتوت : "
ولاتعرف في القرآن الكريم ذكرا للقوة المادية في جانب مبدأ من مبادئه غير مبدأ
العدل . حتى عقيدة التوحيد فهو لم يلوح فيها مع كثرة ذكرها والدعوة إليها باستعمال
الحديد والقوة بالنسبة للذين جحدوا وحدانية الله، وأشركوا معه غيره في العبادة
والدعاء "[123] قال تعالى: " وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا
عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ
اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ "[124].
وقد
أمر الله بإقامة العدل أمرا عزما بما كرر في كتابه من الآيات الآمرة بإقامة العدل
المحذرة من مخالفته قال تعالى : "
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ
لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ
يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى
أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرًا "[125] وقال النبي r: "سَبْعَةٌ
يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ الْإِمَامُ
الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ
مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا
عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ
وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا
تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا
فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ"[126]، فماهية العدل أنه تمكين صاحب الحق بحقه بيده،
أوبيد نائبه، وتعيينه له قولا أو فعلا[127]، وقد ناقش هذه القضية فلاسفة اليونان القدامى؛
ومما جاء في جمهورية أفلاطون بأن العدالة
ليست أكثر ولا أقل من قول الحق ورد ما يأخذه الإنسان من غيره ؟ ولك أن تعترض على
هذا القول أو التعريف بأنه نسبي أوغير صحيح ؟ ذلك أن العدالة هي أن نرى لكل إنسان
ماهو ملك له . وعلى لسان سقراط تستخلص العبرة التالية : العدالة هي مصلحة الأقوى؛
ويقرر أن كل من يكون في مقـام القيادة (
حاكم ـ طبيب ـ معلم ـ قائد ...) لايعتبر ما في مصلحته الخاصة؛ وإنما مصلحة الأشخاص
الذين يمارس فنه من أجلهم، ويتصرف في كل ما يقول
ويفعل ناظرا إليهم، وإلى ماهو خير لهم، ومناسبا لهم[128]
فالعدل يخلـق الإجماع والصداقة [129].
والخلاصة عند هؤلاء أن العدالة هي بالطبع أعلى
الأشياء الطيبة التي يقدرها من يسعى وراء السعادة الحقة من أجلها ومن أجل نتائجها[130].
لقد
كان رئيس الدولة خليفة وأميرا للمؤمنين لكن الحكم عنده للحق، والتشريع للمختصين
فيه، والتفاضل كان بالتقوى قال r:"والله
لوأن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها "[131] وقال : " الخلق كلهم عيال الله فأحبهم
إليه أنفعهم لعياله:"[132]، وقال أيضا : " كلكم راع وكلكم مسؤول عن
رعيته الإمام راع ومسؤول عن رعيته والرجل
راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها،
والخادم راعي مال سيده ومسؤول عن رعيته ... "[133] هذا الحق والعدل أو الدين الذي قامت عليه
الحضارة الإسلامية ليس فيه أمتياز لرئيس ولا لرجل دين ولا لشريف ولا لغني " قُلْ
إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ
وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا
وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا "[134].
وللعدل في القرآن الكريم صور
كثيرة منها العدل في الزوجات، وفي الوثائق، والديون، والقضاء، وفي الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر [135]
8-
التسامح الديني: التسامح الديني احدى ميزات العقيدة الإسلامية، وركيزة أساسيه
للحضارة الإسلامية؛ فالعقيدة والشريعة الإسلامية هي المرحلة الأخيرة والنهائية
للعقائد والشرائع السماوية التي سبقتها، قال تعالى:" سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا"[136]، وقد أمر الله عزوجل رسوله r
بالصفح والتسامح في أكثر من موضع من
القرآن الكريم قال تعالى:" فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ
يَعْلَمُونَ "[137]، وقال :" وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا
وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ "[138]، وطالب الإسلام المسلم بألا يحمل في قلبه غلا
لغيره وللذين آمنوا قال تعالى :" وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا
لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ "[139].
فالإسلام وحضارته نهى عن مضايقة أهل الآديان والعقائد الأخرى، كما دعا إلى
الأبتعاد عن التشدد والتزمت، وأنواع التعصب في معاملة أهل الأديان، أو الدعوة الى
الإسلام قال تعالى: " لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ
مِنَ الْغَيِّ "[140].
فالتساوي في العبادات مع احترام الأديان يحفظ كيان المجتمع، ويزود الحضارة
بطاقات خلاقة، ويدفع الى الأمام قدما قال تعالى :" الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ
دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا
دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ
وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ
اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ"[141]، وهذا ما جسده المسلمون لاسيما قادتهم فقد
أوصى أبوبكر الصديق جيوشه بعدم التعرض للرهبان في الصوامع وقال:" ...وستجدون
أقواما ترهبوا في صوامعهم فدعوهم وما
فرغوا أنفسهم له ".
9- السلم والأمن : بنى الإسلام سياسته في قيام
الدولة وسعادة المجتمع وبناء الحضارة على السلم والأمن؛ فالسلم هو الحالة الأصلية
التي تهئ للتعارف، وإشاعة الخير بين الناس عامة؛ ويأبى الإسلام أن يتخذ الإكراه
طريقا للدعوة ونشر تعاليمه:" وَلَوْ
شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ
النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ "[142]، وإذا احتفظ غير المسلمين
بحالة السلم فهم والمسلمون في نظر الإسلام إخوان في الإنسانية يتعاونون على خيرها
العام، ولكل دينه يدعو إليه بالحكمة والموعظة الحسنة قال تعالى : " ادْعُ
إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ"[143].
وإذا كان الإسلام يقرر أن السلم هو الأصل وهو الذي يطبع العلاقة بين الناس،
وأن الحرب ليست الا علاجا لشذوذ لم تنفع فيه الحكمة والموعظة الحسنة ـ أي الحـوار
والمفـاوضات بلغة عصرنا ـ وأنها وإن وقعت
وجنح أحد الطرفين إلى السلم وجبت تلبيته حقنا للدماء[144] قال تعالى : " وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ
فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
"[145]، والسلم ينتهي في العادة بإبرام معاهدة، و أول
معاهدات الإسلام في هذا الشأن هي التي أقامها r عند حلوله بيثرب ـ
المدينة المنورة ـ ؛ وكانت أول حجر في بناء الدولة الإسلامية؛ وأول أساس من أسس
الحضارة الإسلامية، وأول علاقة سياسية تقرر حرية التدين والعقائد، والعبادة،
وتحافظ على السلم والأمن[146] .
أما
الأمن فهو يتحقق دائما بعد إقامة السلم، وتتعدد الوان الأمن من ذلك: السياسي؛
والأمن الأقتصادي، والأمن الأجتماعي، والأمن الثقافي والروحي، والأمن الغذائي، وقد
أشار القرآن الى الأمن السياسي، والأقتصادي، والغذائي عندما خاطب أهل قريش
قائلا:" فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ
جُوعٍ وَءَامَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ "[147] .
10- المساواة : المساواة عنصر هام في معادلة الأخوة ضمن تشكيلة
المجتمع، وأحد عناصر التقويم الحضاري العربي الإسلامي ذلك أن المساواة هي أثر من
أثار الأخوة المفروضة بين المسلين، وهي أيضا أصل عظيم من أصول نظام المجتمع
الإسلامي[148]. غير أن التساوي ليس عاما فكل ما شهدت الفطرة
بالتساوي فيه بين الناس، فالسلام يرمي فيه إلى المساواة؛ وكل ما شهدت الفطرة
بتفاوت المواهب البشرية فيه؛ فالإسلام يعطي ذلك التفاوت بمقدار مايستحقه[149]، قال r : "لايؤمن أحدكم
حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"[150]، أي حتى يصير شعوره بالمساواة خلقا آخر. وقد
روى أن أبا ذر قال:"ساببت عبدا فعيرته بأمه فذكر ذلك لرسول الله r فقال
لي : أعيرته بأمه. قلت نعم. قال: إنك أمرؤ فيك جاهلية"[151]، فجعل r تحقيره للعبد المؤمن من
جهة العبودية بقية من اخلاق الجاهلية، فالمساواة الإسلامية ناشئة عن الأخوة ليس
المراد منها التساوي في منتجات العقول، أو في العلوم، أوفي مأثر الأعمال لظهور
التفاوت بين الناس في القابليات والهمم، ولكن يراد منها ما ينشأ عن معنى الأخوة وهو تساوي المسلمين في الأنتساب الى
الجامعة الإسلامية، وفي التهئ والصلاحية لكل فضيلة في الإسلام إذا وجدت أسبابها
وسمحت بها مواهب أصحابها[152].
لقد
كانت الأمم التي سادت الأرض قبل ظهور الإسلام مثل الفرس، واليونان، والروم يجعلون
الأمة أربع طبقات سادة وأوساطا ويعبرعنهم باللفيف ، وسفلة وعبيدا ؛ ويخصون كل طبقة
بخصائص ومزايا غير أهل تلك الطبقة في مشاركتهم فيها برغم ما يتفوقون فيه، وما
يبلغونه من الكفاءة .
وللمساواة في الإسلام والحضارة الإسلامية مظاهر
هي كالأتي :
أولا ـ في العقائد : قال
تعالى : " قُولُوا ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا
أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ
وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ
رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ" [153]، حيث أن عقيدة التوحيد واحدة تجسد وحدانية
الله سبحانه وتعالى.
والإسلام يدعو إلى أحترام ذوي العقائد، وينهي عن مضايقة غير المسلم في
عقيدته ومبادئه التي يؤمن بها وماله، وبذلك يضمن حرية المعتقد، وقد جسدت الحضارة
الإسلامية هذا المبدأ حيث تعايشت في ظلها كل العقائد وأصحاب الديانات السماوية،
وغير السماوية في حرية وأمن ومساواة تامة ذلك أن الأديان تجمع بينها الأخوة
:" ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ
كُلٌّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ
بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ
رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُُ"[154]، وأن الأديان كلها من مصدر واحد هو الله .
ثانيا ـ في العبادات : فالإسلام يحترم طقوس الأديان، ومعابدها، وعدم
المساس بها قال تعالى:" الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ
حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ
بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ
يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ
إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ "[155]، وفي وصية أبي بكر t
لقواده نهى عن التعرض للصوامع فقال:" وستجدون أقواما ترهبوا في صوامعهم
فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له "[156].
ثالثا
ـ في المعاملات : حث الإسلام على احترام الذميين وأموالهم، وحمايتهم حتى لو كان مال الذمي
حرام؛ فقد منع الإسلام الخمر وصنعه وبيعه، وكذا لحم الخنزير الا أنه أوجب حماية
المال المتاتي منهما إذا تعلق الأمر بالذمي[157].
وفي سير
الخلفاء الراشدين، وحكام المسلمين وقادتهم عبر وعضات تترجم هذا التوجه وترسي قواعد
للمساواة بين كل الأجناس لا فرق لعربي على أعجمي إلا بالتقوى"[158]، فالعمل الصالح هو وحده المعيار الذي تقاس به
درجة التفاوت بين إنسان وأخر مهما كان لونه أودينه أولغته أوجنسه...
11-الحرية وحقوق الإنسان: إن لفظ الحرية وما أشتق منه يفيد معنى مضادا
لمعنى الرق والعبودية، وهو لفظ حديث يراد منه معنى:" عمل الإنسان مايقدر على
عمله حسب مشيئته لايصرفه عن عمله أمر غيره " وشاع هذا اللفظ في القرن 13هـ/ 19م، وبعد أن ترجمت كتب تاريخ الثورة الفرنسية
التي قامت سنة 1789 م، وهذا اللفظ يقابل في العربية الإنطلاق أو
الأنخلاع من ربقة التقيد، وقد أستعمل لفظ الحرية بمعنى حقوق الإنسان أو الحق ضد
الباطل، وعن حق الإنسان وحريته قال تعالى: " وهديناه النجدين "[159]، وقال أيضا
:" وتواصوا بالحق "[160]، وقال:"
يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ
بِالْحَقِّ "[161] .
والحرية وحقوق الإنسان مبادئ أساسية أرتكزت
وترتكز عليها الدولة الإسلامية ذات البعد الحضاري، وقد وضع الرسول r هذا المبدأ موضعا عمليا إثر الانتصار على قريش في غزوة فتح مكة حيث
قال لقريش المغلوبة في مواجهتها، المهزومة في كبريائها وتقاليدها قولته المشهورة
ذات البعد الإنساني الحضاري :" أذهبوا فأنتم الطلقاء " لقد هزم الإسلام
فيهم جاهليتهم، ولكنه لم يشأ أن يهزم فيهم عقولهم، وشل تفكيرهم؛ إنها هبة الله، و
ثروة لابد من استثمارها واستغلالها؛ وهو ماكان، وما سيكون طوال عصور الأزدهار
الحضاري العربي الإسلامي، ومظاهر الحرية في الحضارة الإسلامية تعددت وتنوعت نذكر
منها مايأتي:
أ : حرية
البشر : قال تعالى:
"مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ
ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ
كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ
تَدْرُسُونَ"[162]، فالبشرية بين
الناس جميعا على وجه المماثلة التي هي أهم المشابهة، وبهذا لايدع الإسلام سبيلا
الى أن يكون لبشر حق استرقاق بشر مثله، وإنما العبودية لله وحـده وليس لأحد، كما
اسقط الإسلام التفاضل بين الأفراد، والشعوب بغير التقوى والعمل الصالح قال تعالى:
"يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى
وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ
اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ"[163].
والشريعة الإسلامية؛ والمذاهب الفقهية،
والتقاليد الحضارية الإسلامية لم تشرع لتنظيم تجارة الرقيق بقدر ما شرعت للعتق،
وحماية الرقيق، والحفاظ على كرامته، وأنسانيته، فالقرآن وهو الدليل الأول من أدلة
الفقه، والتشريع لم يحدثنا عن بيع الرقيق وتجارته وعبوديته ، ولكنه حدثنا عن العتق
فقال:" فلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ
رَقَبَة[164]؛ فالإسلام إذن
شرع لتحريم الاسترقاق/ والعبودية، ولكن بالتدريج حيث أن الظاهرة كانت متفشية
ومتجذرة في كل أنحاء الأرض، ثم أنه عندما أكد الإسلام على أن العبودية لله وحده،
فهذا يعني حرية البشر جميعا، أما الاسترقاق فهو تسخير بشر لخدمة آخرين، فهي ظاهرة
بشرية غير طبيعية ظهرت ويمكن أن تظهر في أي عصر ومصر؛ ففي عصرنا نلاحظ عدد من
اساليب استرقاق أو بيع البشر، لاسيما في الحضارة الغربية كاستغلال جسم المرأة في
الإعلانات، وفي السينما، وواجهات مكاتب الشركات، وواجهات المحلات التجارية، ولذلك
فالقرآن حارب هذه الظاهرة في جميع أشكالها القديمة، والجديدة، والمتجددة.
ج ـ حرية العقل والرأي: لايمكن أن تمارس حرية العقيدة بمعزل عن حرية
العقل والرأي، وفي مجادلة أو محاورة إبراهيم عليه السلام لربه، وعدم غضب الله منه حين سأل إبراهيم ربه : " وَإِذْ قَالَ
إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ
بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ
فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ
ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ "[165] ذلك أن حرية العقل والرأي ليست مقيدة بشروط
غير شروط العقل والشرع، فالإنسان بفطرته دائم التساؤول، وهي ميزته قال
تعالى:" وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ
مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا "[166] وفي قصة الخليفة عمر بن الخطاب t عبرة
، وتأكيد على حرية الرأي . يروى أن عمرا
بن الخطاب نهى عن المغالاة في مهور النساء ، وقرر أن مازاد على خمسة وعشرين درهما
أخذ ورد الى بيت المال، فخرجت إليه من صف النساء إمرأة تقول بأعلى صوتها على مسمع
الجماعة في المسجد : ليس لك هذا ياعمر ؟ فلم يزجرها بل وقف فسألها : ولم ؟ قالت:
لأن الله يقول : "وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ
وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا
أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا "[167]، فرجع أمير المؤمنن إلى المنبر وقال كلمته
المشهورة التي بقيت ملء سمع الزمان :" أصابت إمرأة وأخطأ عمر "[168]، وحرية الرأي هي إحدى الثمرات التي أنتجها
الإسلام، ونمت وترعرعت في ظل الحضارة الإسلامية.
د-حرية الإرادة : الإسلام يكفل حرية الإرادة قال تعالى:"
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى،
ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى"[169]، وقال :" وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ
تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ
الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا
وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ "[170] .
ورغم
ما ذهبت إليه الفرق الإسلامية في مسألتي الجير والاختيار، فإن الأديان السماوية
تقرر أن الإنسان مسؤول عن حسناته وسيئاته وبهما يكون الجزاء والعقاب، والله عادل
ولايمكن أن يظلم أحدا:" مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ
فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ"[171].
هـ-حرية العمل: حرية العمل في الإسلام وحضارته حرية مطلقة
ولكنها منظمة الا ماخالف الشريعة كالخمر، والميسر باعتبار أن الإسلام دينا سماويا،
ونظاما اجتماعيا، وفكرة سياسية في آن واحد قال تعالى:" وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
وَحَرَّمَ الرِّبَا"[172]، وروى عن النبي r أنه
مر بشيخ تشققت يداه من العمل فأخذ يده فقبلها ثم قال: " هذه يد يحبها الله
ورسوله "[173] .
و ـ حرية التنقل والإقامة : الإسلام يضمن حرية التنقل
والإقامة، ولم يحدد شروطا لذلك سوى ماتتطلبه الأنظمة الأجتماعية والأقتصادية التي تحكم المجتمعات؛ فالأرض ملك لله وهي واسعة
عنده، وهي لعباده جميعا قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ
الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ
فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا
فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا "[174]، فيربط الله حرية التنقل والإقامة في الأرض
بعبادته؛ والنصب أي العمل قال تعالى: "فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ
فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ
كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"[175] وقال :" فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ
"[176].
لقد جسدت مبدأ حرية التنقل والإقامة الحضارة الإسلامية حيث كان الناس
ينتقلون في ربوع الدولة الإسلامية بكل حرية؛ ويقيمون حيث شاءوا يعملون، ويتعلمون،
ويكتشفون، وينتجون، ويتاجرون دون حواجز ولا عوائق غير التي تنظم المجتمع أقتصاديا
واجتماعيا، وتعارفت عليها الأمم والشعوب، وجاءت بها الديانات، وأوضحتها الشرائع؛
وهو ما يمكن أن يلمس أثره في الأنظمة اللبيرالية اليوم.
ز- حرية المرأة : حرية المرأة كفلها الإسلام حين ساواها بالرجل
في النفس، والحياة والكرامة قال تعالى:" يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا
رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا
وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي
تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ"[177].
وقد
كانت المرأة خلال عصر الأزدهار الحضاري العربي الإسلامي عنصرا إيجابيا وقويا حتى
جاءت عصور الأنحطاط والتخلف، فارتدت الظروف بالمرأة الى الوراء، حيث عملت العقول
الجامدة والمتخلفة على تهميشها؛ واهدار جزء من كرامتها وحقها بسلب منها فرص
المشاركة في ادارة شؤون الحياة السياسية، والأجتماعية، والأقتصادية، فانحطت المرأة
وانعكس ذلك على المجتمع فازداد تدهورا وتخلفا حتى جاء الأستدمار فعمق هذا التخلف
لأنه يخدم مصالحه وأهدافه في السيطرة والنهب؟
ح-حرية الطفل وحقوقه: يكثر الحديث اليوم عن حرية الطفل وحقوقه، بل ذهبت الأمم
المتحدة في شأن هذه الحرية وهاته الحقوق بتخصيص سنة كاملة لذلك من أجل تحسيس
الإنسانية بأهمية هذه الحرية والحقوق في نشأة طفل اليوم رجل الغد؛ وبالرجوع إلى
أدبيات الشريعة والحضارة الإسلامية نلمس أكثر من هذا، بل شريعة متكاملة؛ فصاحب
الشريعة الإسلامية سيدنا محمد rجعل حق العناية بالطفل من أوكد الواجبات تساوي
العبادة شكلا ففي صحيح البخاري ورد عن
النبي r عن
أبي قتادة قال : " خرج علينا النبي r وأمامه بنت أبي العاص على
عاتقه فصلى فإذا ركع وضعها وإذا رفع رفعها "[178].
كما
أن الرسول r حث
على تعليم الأبناء فقال : " علموا أولادكم السباحة والرماية"[179] ، وهي سنة التطور وطبيعة الحياة، وقد أصبحت
هذه الحرية، والحقوق من أوكد واجبات الأباء، والمجتمع الإسلامي، لذلك تحمل الأباء
تعليم أبنائهم لاسيما في المرحلـة الأولى (الإبتدائية )، أما المرحلة الثانية( العالية) فقد تحملها
المجتمع ومؤسسات دولته قصد تفريغ الطفل كلية للتحصيل العلمي، وقد كان للتلميذ
والطالب الحرية والحق في التعليم متى شاء وأين شاء، وحسب مقدرته وموهبته، وإذا كان
الفقهاء درجوا على تحريم التصوير والنحت فإنهم أباحوا ذلك كلعب ووسائل تعليم للطفل
.
ومن
أحترام حرية وحقوق الطفل في الإسلام فإن النبي r ضرب أروع الأمثلة
العملية لأمته، وللناس جميعا في ذلك، فمما يروى عنه أنه r أوتي
بقدح ماء فقال ياغلام أتأذن لي أن أعطيه الأشياخ (الشيوخ) قال ـ الطفل ـ : ماكنت
لأثر بفضلي منك أحد يارسول الله فاعطاه أياه[180].
وقد
أوصى r فقال
:" أكرموا أولادكم واحسنوا أدبهم "[181]، وقال : " لاتدعوا على أنفسكم ولاتدعوا
على أولادكم "[182]، ومن هنا نعرف أن للطفل حرية وحقوقا ضمنتها
الشريعة الإسلامية، وجسدتها حضارتها ، وستبقى كذلك إلى يوم الدين .
-[1]ابن منظور، لسان العرب. ، تحقيق علي
شيري، (بيروت: دار احياء التراث العربي، 1408/1988 )، ج: 3، ص:8، الفيروزآبادي، القاموس
المحيط ،(بيروت : دار الجيل)، ج، ، ص ، 10 .
[2] - ابن
خلدون عبد الرحمن : المقدمة، ( ط،5 ، بيروت : دار القلم ، 1984 ) ، ص، 120.
= ويظهر أن ابن خلدون كمفكر عربي اسلامي
هو الذي تعمق في فهم دلالات هذا المصطلح
فقال عنه ما يأتي : « فكان اختصاص هؤلاء البدو أمرا ضروريا لهم، وكان
حنئيذ اجتماعهم وتعاونهم في حاجاتهم، ومعاشهم، وعمرانهم من القوت والكن -أي الستر
والتخزين-، والدفء إنما هو بالمقدار الذي يحفظ الحياة، ويحصل بلغة العيش من غير
مزيد عليه للعجز عما وراء ذلك، ثم اذا اتسعت أحوال المنتحلين للمعاش، وحصل لهم ما
فوق الحاجة من الغنى، والرفة دعاهم ذلك الى السكون والدعة، وتعاونوا في الزائد على
الضروري، واستكثروا من الأقوات، والمـلابس،والتأنق فيها، وتوسعة البيوت، واختطاط
المدن والأمصار للتحضر، ثم تزيد أحوال الدعة والرفة فتجئ عوائد الترف البالغة
مبالغها في التأنق في علاج القوت، واستجتادة المطابخ، وانتقاء الملابس الفاخرة في
أنواعها من الحرير والديباج وغير ذلك، ومعالاة البيوت والصروح، وأحكام وضعها فـي
تنجيدهـا -أي ارتفاعها وصلابتها، والانتهاء في الصنائع في الخروج إلى الفعل إلى
غايتها فيتخذون القصور والمنازل ، ويجرون فيها المياه ، ويعالون في صرحها ،
ويبالغون في تنجيدها، ويختلفون في استجادة ما يتخذونه لمعاشهم من ملبوس أو فراش أو
أنية أو ماعون، وهؤلاء هم الحضر ومعناه
الحاضرون أهل الأمصار والبلدان. انظر، ابن خلدون، المقدمة،
ص ص، 172 ، 214 .
[3] - نفسه ، 214 .
[4] ـ الحموي ياقوت ، معجم البلدان ، (بيروت:
دار للطباعة، 1404/1984 )،ج،2/221 .
[5] - الشعراء ، 141 ـ 149.
[6] - الفجر ، 09 .
[7] ـ الشرقاوي عفت، في فلسفة الحضارة الإسلامية، ( بيروت: دار النهضة
العربية، 1979)، ص، 14، شوقي أبو خليل: الحضارة الإسلامية،( بيروت: دار
الفكر المعاصر، 1415/1994)، ص:168.
[8] - طه
ندا: فصول من تاريخ الحضارة الإسلامية، (بيروت: دار النهضة العربية، 1986
)، ص،9 ؛ الشرقاوي عفت، المرجع السابق ص،14.
[9] - قصة
الحضارة،ترجمة زكي نجيب محمود، (ط، 3. القاهرة، مطبعة لجنة الترجمة والنشر
1963)، ص:3 .
[10] - اشفتسر البرت، فلسفة الحضارة، ترجمة
عبد الرحمن بدوي، ( ط ، 3 ،بيروت: دار
الأندلس، 1983 )، 3، 4.
[11] - نفسه، 4.
[13] - نفسه ،
5.
[14] ـ نفســه، 05 .
[15]
ـ ابن نبي مالك ، شروط
النهضة،ترجمة عمر كامل مسقاوي، وعبد الصبور شاهين،( ط ، 3 بيروت: دار الفكر،
1969)، ص،65 .
[16]
- نفســــــه، 79.
[17]
- محمد عبد الخطيب، دراسات في تاريخ الحضارة
الإسلامية ، (القاهرة: مطبعة الحسن الاسلامية، 1411هـ/1990م)، ص، 17-26.
[18]
- حسن أحمد محمود، تظرات في تاريخ الحضارة
الإسلامية. ص، 30 = مجلة منبر الإسلام، يصدرها المجلس الأعلى للشؤون
الإسلامية بالقاهرة عدد جمادى الثانية
1380/نوفمبر 1960.
[19]
- ابن منظور، لسان العرب
.13/55،65.
[20]
- المقدمة ص، 172.
[21] - الشرقاوي عفت، المرجع السابق، 16.15.
[22] - قصة الحضارة ،1/5.
[23] - الشرقاوي عفت، المرجع
السابق. 16
[24] - البقرة ،191، النساء:91.
[25] - حياتــــه : مفكر جزائري عربي مسلم، ولد بقسنطينة ـ الجزائرـ
سنة 1323 هـ/ 1905 م، وبعد أن أكمل دراسته
الثانوية انتقل إلى باريس عاصمة فرنسا حيث تخرج مهندسا كهربائيا، واتجه منذ نشأته
نحو تحليل الأحداث التي كانت تحيط به؛ وقد أعطته ثقافته المنهجية قدرة على إبراز
مشكلة العالم المتخلف باعتبارها قضية حضارية فوضع كتبه جميعا تحت
عنوان : " مشكلات الحضارة " ، وفي باريس أصدر بالفرنسية:
الظاهرة القرآنية، وشروط النهضة، ووجهة العالم، ولبيك. وبمناسبة انعقاد مؤتمر با
ندونغ في أفريل1375هـ/
وفي عام 1376هـ/1956م لجأ إلى القاهرة حيث
أتجه إلى ترجمة كتبه؛ ثم كتب بقيتها باللغة العربية؛ وفي سنة 1383هـ/1963 م بعد
استرجاع الجزائر لاستقلالها الوطني عاد مالك بن نبي إلى الجزائر ليشغل منصب مدير
عام للتعليم العالي حيث أصدر :"
آفاق جزائرية، ويوميات شاهد القرن، ومشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، والمسلم في
عالم الاقتصاد؛ وفي عام 1386هـ/1966م استقال من منصبه وتفرغ للعمل الفكري، وتنظيم
الندوات الفكرية؛ وتوفي بالجزائر في 31
أكتوبر1973م . للمزيد انظر مقدمات بعض كتبه، وشاهد القرن.
[26]
-بن نبي مالك: مشكلة الثقافة
، ترجمة عبد الصبور شاهين ، (ط:4 ، يروت: دار الفكر، 1984 )، ص:43 .
[27]
- نفس المرجع والصفحة
[28] - نفســه، 44
- [29]زغريد هونكة، شمس العرب تسطع على الغرب، ترجمة
فاروق بيضون، وكمال دسوقي، ( بيروت: منشورات المكتب التجاري، 1969)،ص ، 13.
[30] - نفسه.
[32] - يوسف ، 2.
[33] - طــه،113.
[34] - فصلت، 113.
[35] - الزخرف،
3.
[36] - البقرة
، 23.
[37] - يونس ، 38
.
[38] - الشكعة مصطفى: معالم الحضارة الإسلامية ، ( ط:3. بيروت: دار العلم
للملايين، 1978)، 15 .
[39] - الشرقاوي عفت، المرجع السابق، 23.
[40] - نفسه .
[41] - الحجرات ،13.
[42]
- ابن خلدون، المقدمة ،
175.
[43]
- المرجع السابق،5 – المقدمة -
[44]
- فون جربناوم، الوحدة
والتنوع في الحضارة الإسلامية ،ترجمة المتنبي ( بغداد: 1966)، 33 ، الشرقاوي
عفت، المرجع السابق ، 27
[45] - حضارة العرب، 156 .
[46] - نفســـه،157 .
[47] - آل عمران ، 140.
[48] - ديورانت : قصة الحضارة 1/3.
[49] - نفسه.
[50]
- لنتون رالف: شجرة الحضارة
، (الجزائر: مطبعة الفنون الجميلة- موفم - 1990 ) ، ص، 173.
[51]
- ديورانت، قصة الحضارة
، 1/5.
[52]
- ابن خلدون ، المقدمة، 1/122 .
[53] - قصة الحضارة،
1/5.
[54] - أحمد محمد عبد الرازق ، الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى، (
القاهرة: دار الفكر العربي، 1990 ).
[55] - ديورانت: قصة الحضارة، 1/8
[56] - البقرة، 256.
[57] - عبد الرازق أحمد، المرجع السابق،21.
[58] - نفسـه، 19.
[59] ـ نفسـه، 21.
[60] - نفس الصفحة
والرقم.
[61] - الحجر، 9.
[62] - النجم ، 1-
5.
[63] - الحشر،7.
[64]
- غير أن هذا المصدر
واجه صعوبة كبرى تمثلت في تسجيل الحديث في حياة رسول الله rحيث ثبت عنه أنه نهى عن
كتابة الحديث: "
حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأزْدِيُّ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ زَيْدِ
بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَكْتُبُوا عَنِّي
وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلَا
حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ
قَالَ هَمَّامٌ أَحْسِبُهُ قَالَ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ
مِنَ النَّارِ. " (أخرجه مسلم
في صحيحه ضمن كتاب الزهد والرقائق، رقم 5386، والترمذي في سنه ضمن كتاب
العلم رقم: 2589، وابن ماجة في سننه، رقم:37.) ولذلك ظل الخلفاء والناس
يتحرجون من جمع السنة وتدوينها طيلة القرنين الأول والثاني الهجريين، ولم يظهر
التدوين إلا في القرن الثالث للهجرة للأسباب الآتية: احتياج التشريع للسنة،
وأنقضاء جيل الصحابة والتابعين،وتابعي التابعين، والخوف على ضياع التراث النبوي
الشريف، وظهور الفرق، والمذاهب حيث احتاج بعضهم تحت تأثير الخصومة، والمنافسة أن
يختلق أحاديث ينسبها الى الرسول rكذبا ليدعم موقفه من خصومه ومنافسيه؛ ويكسب
أنصارا لمذهبه، وأخيرا ما ألم بالخلافة من انحراف في العصرين الأموي، والعباسي
نتيجة التخلي عن الشورى.
ونتيجة لتلك الفوضى سارع بعض المخلصين الى وضع ضوابط وقواعد للتمييز بين
الحديث الصحيح،والضعيف، والمدسوس .
[65]
- المقدمة ، 440.
[66]
- نفســـه، 442
[67]
- أمين أحمد ، فجر الإسلام
، (ط:10، القاهرة: مكتبة النعهضة المصرية، 1965)، ص، 57.
[68]
- نفســــه، 57.
[69] - الرفاعي أنور ، الإسلام في حضارته ونظمه، ( ط،2 ، دمشق سوريا: دار
الفكر ، 1402/ 1982) ص:31،32
[70] - أ مين أحمد، فجر ، 60.
[71] - نفســـه، 67.
[72] - الرفاعي أنور، المرجع السابق، 33.
[73] - نفســــه، 34.
[74] - جلال مظهر ، جلال مظهر : حضارة الإسلام
وأثرها في الترقي العالمي، ( القاهرة : مكتبة الخانجي - دار مصر للطباعة . د.ت
).، 46.
[75]
- زيدان جرجي،العرب قبل
الإسلام ، (طبعة 1969)، ص:113 ، حسين قاسم العزيز : موجز تاريخ العرب
والإسلام ، ( بيروت بغداد مكتبة النهضة،
1971)، ص:15