besmele-small

جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية

كلية أصول الدين والحضارة والشريعة

 

 

مذكرة مادة التفسير التحليلي

السنة الثانية نظام الـ: أل. أم. دي. L.M.D

قسم الكتاب والسنة والدعوة والاعلام

 

 

 

 

إعـداد الدكتـور

هـلال خـزاري

أستاذ محاضر للتفسير وعلوم القرآن، قسم الكتاب والسنة

بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية.

 

 

 

 

السنة الدراسية الجامعية 1429هـ/ 2008/2009م


مقدمة

إن الحمد لله نحمده ونشكره، نستعينه ونستغفره، ونتوب إليه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يضلل الله فلا هادي له، ومن يهدي فما له من مضل. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله.

نقدم لطلابنا بجامعة الأمير عبد القادر ولطلاب التفسير عموما، منهجا جديدا وسهلا في مادة التفسير التحليلي حيث نتعرض فيه للتعريف بهذا العلم، ونشأة التفسير وتطوره، واهم مدارسه، ثم نعرض فيه لنموذج كامل لتفسير سورة كاملة من سور القرآن الكريم ليخرج الطالب بتصور كلي للتفسير التحليلي، فبعد إتقانه لهذا المنهج يمكنه أن يكمل بعد ذلك الدراسة والبحث والتنقيب بنفسه ليتعمق في دراسة كتاب الله تعالى فيصل فيه لمزيد من التـأمل والتدبر المطلوبين، ولتحقيق الغاية من نزول القرآن الكريم، وهي؛ تحصيل التقوى والهداية والعمل بموجب أوامره. والسورة المقترحة هي سورة النبأ، وهي من السور المكية، التي تدور حول خدمة مقصد من مقاصد القرآن الكريم الثمانية على ما أورده الإمام محمد الطاهر بن عاشور وهو مقصد بث العقيدة الإسلامية وزرعها في الأمة الإسلامية.

وسيتعرف الطالب على جملة من مناهج المفسرين فيما سينجزه من بحوث ودراسات تطبيقية في حصص التطبيق، تصاحب ما يأخذه في مادة المقياس، تعرفه بجمهور عريض من المفسرين في القديم والحديث.

وأسال الله التوفيق لطلابنا الكرام، وأن يستفيدوا الفائدة القصوى من المادة العلمية في التفسير لهذا العام. وأسأله تعالى القبول والعون، إنه نعم المولى ونعم النصير.

 

 

الدكتور

هلال خزاري

أستاذ التفسير وعلوم القرآن، قسم الكتاب والسنة، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية.

قسنطينة/ سبتمبر 2008م.

 

 

القسم الأول دراسة نظرية لعلم التفسير ونشأته وتطوره
التفسير والتأويل، معناهما والفرق بينهما

     اختلف العلماء في بيان معنى التفسير والتأويل، وفي بيان الفرق بينهما اختلافــًا نتجت عنه أقوال كثيرة .. ولعل منشأ هذا الخلاف هو ذهاب الأصوليين إلى اصطلاح خاص للتأويل يختلف عن استعمال القرآن له، ولهذا فرَّق المتأخرون بين التفسير والتأويل بينما كان الشائع عند المتقدمين ترادفهما كما قال أبو عبيدة وطائفة معه.

 معنى التفسير والتأويل؟:

أولاً: التفسير

 التفسير في اللغة: هو الإيضاح والتبيين، ومنه قوله تعالى في سورة الفرقان آية 33 ]ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرًا [ أي بيانــًا وتفصيلاً، وهو مأخوذ من الفسر وهو الإبانة والكشف، قال في القاموس: "الفسر: الإبانة وكشف المغطى كالتفسير، والفعل كضَرَب ونَصَر .. "   وقال في لسان العرب: " الفسر: البيان.. ثم قال: الفسر كشف المغطى، والتفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل .. " أهـ .

وقال أبو حيان في البحر المحيط: " ... ويطلق التفسير أيضـًا على التعرية للانطلاق، قال ثعلب: تقول فسرت الفرس: عريته لينطلق في حصره، وهو راجع لمعنى الكشف، فكأنه كشف ظهره لهذا الذي يريده منه من الجري" أهـ .

وقال بعضهم: هو مقلوب من "سفر" ومعناه أيضـًا: الكشف، يقال: سفرت المرأة سفورًا: إذا ألقت خمارها عن وجهها، وهي سافرة، وأسفر الصبح: أضاء.

        ومن هذا يتبين لنا أن التفسير يستعمل لغة في الكشف الحسي، وفي الكشف عن المعاني المعقولة، واستعماله في الثاني أكثر من استعماله في الأول.

التفسير اصطلاحــًا:

قال الزركشي: التفسير: علم يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه.[1]

وعرفه بعضهم بأنه: علم يبحث فيه عن أحوال القرآن المجيد، من حيث دلالته على مراد الله تعال، بقدر الطاقة البشرية.

قال أبو حيان: "هو علم يبحث عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي تُحمل عليها حالة التركيب وتتمات لذلك" .

    ثم خرَّج التعريف فقال: فقولنا: "علم"، هو جنس يشمل سائر العلوم، وقولنا:  بحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن"، هذا هو علم القراءات، وقولنا: "ومدلولاتها"، أي مدلولات تلك الألفاظ، وهذا هو علم اللًّغة الذي يُحتاج إليه في هذا العلم، وقولنا: "وأحكامها الإفرادية والتركيبية"، هذا يشمل علم التصريف وعلم الإعراب، وعلم البيان، وعلم البديع، وقولنا: "ومعانيها التي تُحمل عليها حالة التركيب"، يشمل ما دلالته عليه بالحقيقة، وما دلالته عليه بالمجاز، فإن التركيب قد يقتضي بظاهره شئيــًا ويصد عن الحمل على الظاهر صاد فيحتاج لأجل ذلك أن يعمل على غير الظاهر، وهو المجاز، وقولنا: "وتتمات لذلك"، وهو معرفة النسخ وسبب النزول، وقصة توضيح بعض ما أنبهم من القرآن ونحو ذلك.

     وعرفه بعضهم بقوله: "هو علم نزول الآيات، وشؤونها، وأقاصيصها، والأسباب النازلة فيها، ثم ترتيب مكيها ومدنيها، ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصة وعامها، ومطلقها ومقيدها، ومجملها ومفسرها، وحلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وعبرها وأمثالها[2][3].

وهذه التعاريف الأربعة وما سواها من التعاريف الأخرى للتفسير لو تتبعناها لوجدنا أنه يمكن إرجاعها إلى أي واحد منها، فهي وإن كانت مختلفة من جهة اللفظ إلا أنها متحدة من جهة المعنى والهدف، وهي تتفق على أن التفسير علم يبحث عن مراد الله من كلامه بقدر الطاقة، فهو شامل لكل ما يتوقف عليه فهم المعنى وبيان المراد.

ثانيا: التأويل

التأويل لغــة : 

التأويل في اللغة مأخوذ من الأول وهو الرجوع .    

   قال في القاموس : " آل إليه أولاً ومآلاً: رجع، وعنه: ارتد .. وأوَّل الكلام تأويلاً وتأوله: دبره وقدره وفسره، والتأويل عبارة الرؤيـا " أهـ .      

وقد ورد لفظ التأويل في القرآن في كثير من الآيات على معانٍ عدة، ففي سورة آل عمران: جاء التأويل بمعنى التفسير والتعيين كما في قوله تعالى: ]فأما الذين في قلوبهم زيغٌ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله [(آل عمران/7) .  

وفي قوله تعالى: ]ذلك خيرٌ وأحسن تأويلا [(النساء/59) فهو بمعنى العاقبة والمصير، وقوله: ]بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله[(يونس/39) لما يتحقق وقوعه بعد .  

وجاء بمعنى تعبير الرؤيا كما في سورة يوسف: ]ويعلّمك من تأويل الأحاديث[ (يوسف)، (وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين) (يوسف)، (أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون) (يوسف) ... وغيرها.

التأويل في الاصطلاح:   

أولاً: التأويل عند السلف:     

التأويل عند السلف له معنيان:

أحدهما: تفسير الكلام وبيان معناه، سواء أوافق ظاهره أو خالفه، فيكون التأويل والتفسير على هذا مترادفين، وهذا هو ما عناه مجاهد من قوله: "إن العلماء يعلمون تأويله" يعني القرآن ، وما يعنيه ابن جرير الطبري بقوله في تفسيره: "القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا"، وبقوله: "اختلف أهل التأويل في هذه الآية " ونحو ذلك، فإن مراده التفسير .       

ثانيهما: هو نفس المراد بالكلام؛ فإن كان الكلام طلبــًا كان تأويله نفس الفعل المطلوب، وإن كان خبرًا، كان تأويله نفس الشيء المخبر به، وبين هذا المعنى والذي قبله فرق ظاهر، فالذي قبله يكون التأويل فيه من باب العلم والكلام، كالتفسير، والشرح، والإيضاح، ويكون وجود التأويل في القلب، واللسان، وله الوجود الذهني واللفظي والرسمي، وأما هذا التأويل فيه نفس الأمور الموجودة في الخارج، سواء أكانت ماضية أم مستقبلة، فإذا قيل: طلعت الشمس، فتأويل هذا هو نفس طلوعها، وهذا في نظر ابن تيمية هو لغة القرآن التي نزل بها، وعلى هذا فيمكن إرجاع كل ما جاء في القرآن من لفظ التأويل إلى هذا المعنى الثاني.

ثانيًا: التأويل عند المتأخرين: 

التأويل عند المتأخرين: هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به، وهذا هو التأويل الذي يتكلمون عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف، فإذا قال أحد مهم: هذا الحديث أو هذا النص مؤول أو هو محمول على كذا، قال الآخر: هذا نوع تأويل، والتأويل يحتاج إلى دليل، وعلى هذا فالمتأول مطالب بأمرين:      

الأمر الأول: أن يبين احتمال اللفظ للمعنى الذي حمله عليه وادعى أنه المراد.

الأمر الثاني: أن يبين الدليل الذي أوجب صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح، وإلا كان تأويلاً فاسدًا، أو تلاعبــًا بالنصوص.

الفرق بين التفسير والتأويل؟

مما تقدم رأينا من العلماء من يعتبرهما مترادفين.

ومنهم من يرى أنهما متباينان، وهؤلاء يذهبون مذاهب شتى في الفرق بينهما:

فيرى بعضهم أن التفسير أعم من التأويل.

وترى جماعة أن التفسير للمعنى الظاهر والتأويل للمعنى الباطن.

وقال فريق أن التفسير يؤخذ من وضع العبارة والتأويل يستفاد من طريق الإشارة.

والواقع : أن العرف السائد بين العلماء، أن التفسير  والتأويل  بمعنى واحد .

ـ لأنهم يسمون التفاسير جميع  الكتب التي تتعرض القرآن الكريم بتوضيح  لفظ أو إظهار معنى لنص قرآني، والعمل الذي يقوم به الشخص يطلقون عليه تفسيرا.

ـ كما أن بعض مؤلفي التفاسير سموا تفاسيرهم بأسماء لا تنبئ بالتفرقة بينهما، فتفسير الزمخشري اسمه "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل " والبيضاوي سمى تفسيره: "أنوار التنزيل وأسرار التأويل".

وهذا يدل على أن الاصطلاح العلمي الذي سار عليه العلماء، أن التفسير والتأويل واحد، فلو قال أحدهم تفسير الآية أو تأويل الآية عنى معنى واحدا.

مكانة  علم التفسير:

ـ روى الحاكم عن ابن مسعود عن النبي ص أنه قال: "إن هذا القرآن مأدبة الله في أرضه، فتعلموا من مأدبته ما استطعتم".

ـ وذكر صاحب زاد المسير في علم التفسير عن إياس بن معاوية أنه قال: مثل من يقرأ القرآن ومن يعلم تفسيره أو لا يعلم، مثل قوم جاءهم كتاب من صاحب لهم ليلا، وليس عندهم مصباح، فتداخلهم لمجيء الكتاب روعة لا يدرون ما فيه، فإذا جاءهم المصباح عرفوا ما فيه.

وقال الدكتور محمد أبو شهبة في كتابه "المدخل لدراسة القرآن الكريم" في فصل (التدوين في علوم القرآن): "وكان من الطبيعي أن يكون أول ما يدون من علوم القرآن هو علم التفسير، إذ هو الأصل في فهم القرآن وتدبره، وعليه يتوقف استنباط الأحكام ومعرفة الحلال من الحرام".


حكم التفسير

أجمع العلماء على أن التفسير من فروض الكفاية وأجل العلوم الشرعية.لأنه حاز الشرف من جهات ثلاث: من جهة الموضوع، ومن جهة الغرض، ومن جهة شدة الحاجة إليه.

وهو واجب عيني على من تخصص فيه، ووجب عليه القيام به وخدمته ونشره والتأليف فيه وتعليمه وخدمته بمختلف الوسائل الشرعية، وتيسيره للأمة، وخدمة القرآن من كل جوانبه، فهو كتاب الله ودستور المسلمين الخالد إلى يوم القيامة الذي فيه ما يتم به صلاح الافراد والمجتمعات وفلاحهم وهو (التفسير) متجدد كل عصر من العصور يفهم من القرآن حسبما وصلت إليه أفهامهم ومعارفهم، وأنه لا نجاح لهم بدونه.

 
وجه الحاجة إلى التفسير:

 أما وجه الحاجة للتفسير أن الله إنما خاطب خلقه بما يفهمونه، ولذلك أرسل كل رسول بلسان قومه أنزل كتابه على لغتهم، وإنما احتيج إلى التفسير لأن كل من وضع من البشر كتاباً فإنما وضعه ليفهم بذاته من غير شرح، وإنما احتيج إلى الشروح لأمور ثلاثة:

أحدها كمال فضيلة المصنف فإنه لقوته العلمية يجمع المعاني الدقيقة في اللفظ الوجيز فربما عسر فهم مراده فقصد بالشرح ظهور تلك المعاني الخفية ومن هنا كان شرح بعض الأئمة تصنيفه أدل على المراد من شرح غيره له.

وثانيها إغفاله بعض تتمات المسألة أو شروط لها اعتمادا على وضوحها أو لأنها من علم آخر فيحتاج الشارح لبيان المحذوف ومراتبه.

وثالثها احتمال اللفظ لمعان كما في المجاز والاشتراك ودلالة الالتزام فيحتاج الشارح إلى بيان غرض المصنف وترجيحه وقد يقع في التصانيف مالا يخلو عنه بشر من السهو والغلط أو تكرار الشيء أو حذف المبهم وغير ذلك فيحتاج الشارح للتنبيه على ذلك. إذا تقرر هذا فنقول: إن القرآن إنما نزل بلسان عربي في زمن أفصح العرب وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه أما دقائق باطنه فإنما كان يظهر لهم بعد البحث والنظر مع سؤالهم النبي في الأكثر كسؤالهم لما نزل قوله: ]ولم يلبسوا إيمانهم بظلم[ فقالوا وأينا لم يظلم نفسه ففسره النبي واستدل عليه بقوله: ]إن الشرك لظلم عظيم[، وكسؤال عائشة عن الحساب اليسير فقال: ذلك العرض. وكقصة عدي بن حاتم في الخيط الأبيض والأسود، وغير ذلك مما سألوا عن آحاد منه، ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه، وزيادة على ذلك مما لم يحتاجوا إليه من أحكام الظواهر لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلم فنحن أشد الناس احتياجاً إلى التفسير. ومعلوم أن تفسيره بعضه يكون من قبل بسط الألفاظ الوجيزة وكشف معانيها. وبعضه من قبل ترجيح بعض الاحتمالات على بعض.

قال الخويي: الحكمة من علم التفسير أن الله تعالى أراد أن يتفكر عباده في كتابه فلم يأمر نبيه بالتنصيص على المراد في جميع آياته.

شرف التفسير وشدة الحاجة إلى العناية به:

قال السيوطي: أما شرفه فلا يخفى، قال تعالى: ]يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا[، عن ابن عباس: ]يؤتي الحكمة[ قال: المعرفة بالقرآن. وعنه أيضاً قال: القرآن: يعني تفسيره فإنه قد قرأه البر والفاجر. وعن أبي الدرداء:]يؤتي الحكمة[ قال: قراءة القرآن والفكرة فيه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن مرة قال: ما مررت بآية في كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنتني لأني سمعت الله يقول: ]وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون[. وأخرج أبو عبيد عن الحسن قال ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن تعلم فيم أنزلت وما أراد بها. وأخرج أبو ذر الهروي في فضائل القرآن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال الذي يقرأ القرآن ولا يحسن تفسيره كالأعرابي يهذ الشعر هذًا. وعن أبي هريرة مرفوعا: (أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه). وأخرج ابن الأنباري عن أبي بكر الصديق قال لأن أعرب آية من القرآن أحب إلي من أن أحفظ آية. وأخرج أيضا عن عبد الله بن بريدة عن رجل من أصحاب النبي قال: (لو أني أعلم إذا سافرت أربعين ليلة أعربت آية من كتاب الله لفعلت). وأخرج أيضا من طريق الشعبي قال قال عمر: (من قرأ القرآن فأعربه كان له عند الله أجر شهيد) ويرى السيوطي أن معنى هذه الآثار إرادة البيان والتفسير لأن إطلاق الإعراب على الحكم النحوي اصطلاح حادث ولأنه كان في سليقتهم لا يحتاجون إلى تعلمه. فالإعراب هنا يحمل على قراءة القرآن قراءة صحيحة لا على مجرد الإعراب الصناعي وإن كان من خدمة القرآن في جانب، ويعين على مزيد فهمه، وقد يستدل له بما أخرجه السلفي في الطيوريات من حديث ابن عمر مرفوعاً: (أعربوا القرآن يدلكم على تأويله).

قال الأصبهاني أشرف صناعة يتعاطاها الإنسان تفسير القرآن بيان ذلك أن شرف الصناعة إما بشرف موضوعها مثل الصياغة فإنها أشرف من الدباغة لأن موضوع الصياغة الذهب والفضة وهما أشرف من موضوع الدباغة الذي هو جلد الميتة.

وإما بشرف غرضها مثل صناعة الطب فإنها أشرف من صناعة الكناسة لأن غرض الطب إفادة الصحة وغرض الكناسة تنظيف المستراح.

وإما لشدة الحاجة إليها كالفقه فإن الحاجة إليه أشد من الحاجة إلى الطب إذ ما من واقعة من الكون في أحد من الخلق إلا وهي مفتقرة إلى الفقه لأن به انتظام صلاح أحوال الدنيا والدين بخلاف الطب فإنه يحتاج إليه بعض الناس في بعض الأوقات.

إذا عرف ذلك فصناعة التفسير قد حازت الشرف من الجهات الثلاث من جهة الموضوع، ومن جهة الغرض، ومن جهة شدة الحاجة إليه.

أما من جهة الموضوع فلأن موضوعه كلام الله تعالى الذي هو ينبوع كل حكمة ومعدن كل فضيلة (فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم لا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه).

غرض التفسير:

وأما من جهة الغرض فلأن الغرض منه هو الاعتصام بالعروة الوثقى والوصول إلى السعادة الحقيقية التي لا تفنى.

شدة الحاجة للتفسير

وأما من جهة شدة الحاجة فلأن كل كمال ديني أو دنيوي عاجلي أو آجلي مفتقر إلى العلوم الشرعية والمعارف الدينية وهي متوقفة على العلم بكتاب الله تعالى.[4]


هل كان النبي صلى الله عليه وسلم عالما بكل معاني القرآن الكريم؟

القرآن الكريم أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من رب ليبلغه للناس ومن هنا فهو اعرف الخلف بما في هذا الكتاب، كما أنه اعرف الخلق بالله، شأنه شأن الأنبياء، وفي أحاديث كثيرة يشير النبي صلى الله عليه وسلم ولو تعرفون ما اعرف لكان من أمركم كذا وكذا، أي لبكيتم في بعض الروايات،  وبألفاظ أخرى في البعض الآخر. ليس هذا مجال ذكرها.

ومن هنا فالنبي صلى الله عليه وسلم أعرف الخلق بمعاني القرآن إلا ما استأثر الله بعلمه وهو مواطن قليلة.

هل فسر النبي صلى الله عليه وسلم  القرآن كله؟

ومع معرفة النبي صلى الله عليه وسلم لمعاني القرآن الكريم جملة وتفصيلاً، لكنه لم يفسره كله، وإنما فسر مواطن قليلة، مذكورة في كتب التفسير وفي كتب الصحاح، وترك للأمة أن تفهم منه حسب ما يناسب عصرها فكل جيل يفهم منه بما توصل إليه العلم في وقته، ومن هنا فالقرآن كتاب الله الخالد إلى يوم القيامة.    


التفسير في عهد الصحابة

تفسير الصحابة، والمفسرون من الصحابة رضوان الله عليهم

كان الصحابة يعودون فيما عسر عليهم فهم للنبي صلى الله عليه وسلم فيشرح لهم ما استشكل عليهم، وكانوا يسألون بعضهم بعضاً في بعص المناسبات ويأخذ بعصهم عن بعض في زمن النبي صلى اله عليه وسلم وبعده.

وكانوا على مراتب متفاوتة في فهم التفسير وتعاطيه وقد ذكر الإمام السيوطي في كتابة الإتقان في علوم القرآن في النوع: "الثمانون" ما عنون له بطبقات المفسرين فقال: "اشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة، الخلفاء الأربعة، وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن الزبير.

أما الخلفاء فأكثر من روي عنه منهم علي بن أبي طالب، والرواية عن الثلاثة نزرة جدا وكأن السبب في ذلك تقدم وفاتهم كما أن ذلك هو السبب في قلة رواية أبي بكر رضي الله عنه للحديث ولا أحفظ عن أبي بكر رضي الله عنه في التفسير إلا آثارا قليلة جدا لا تكاد تجاوز العشرة.

وأما علي فروي عنه الكثير، وقد روى معمر عن وهب بن عبد الله عن أبي الطفيل قال شهدت عليا يخطب وهو يقول: سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم وسلوني عن كتاب الله فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود قال إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ما منها حرف إلا وله ظهر وبطن وإن علي بن أبي طالب عنده منه الظاهر والباطن. وأخرج أيضا من طريق أبي بكر بن عياش عن نصير بن سليمان الأحمسي عن أبيه عن علي قال والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم أنزلت وأين أنزلت إن ربي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً سئولاً.

أما ابن مسعود فروي عنه أكثر مما روي عن علي وقد أخرج ابن جرير وغيره عنه أنه قال: والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته. وأخرج أبو نعيم عن أبي البختري قال قالوا لعلي أخبرنا عن ابن مسعود: قال: علم القرآن والسنة ثم انتهى وكفى بذلك علماً.

وأما ابن عباس فهو ترجمان القرآن الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) وقال له أيضا: (اللهم آته الحكمة) وفي رواية: ]اللهم علمه الحكمة[، وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عمر قال دعا رسول الله لعبد الله بن عباس فقال: ]اللهم بارك فيه وانشر منه[. وأخرج من طريق عبد المؤمن بن خالد عن عبد الله بن بريدة عن ابن عباس قال انتهيت إلى النبي وعنده جبريل فقال له جبريل إنه كائن حبر هذه الأمة فاستوص به خيراً. وأخرج من طريق عبد الله بن خراش عن العوام بن حوشب عن مجاهد قال قال ابن عباس قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم ترجمان القرآن أنت). وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال: (نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس). وأخرج أبو نعيم عن مجاهد قال كان ابن عباس يسمى البحر لكثرة علمه. وأخرج عن ابن الحنفية قال كان ابن عباس حبر هذه الأمة. وأخرج عن الحسن قال إن ابن عباس كان من القرآن بمنزل، كان عمر يقول: ذاكم فتى الكهول إن له لساناً سئولاً وقلباً عقولاً. وأخرج من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رجلا أتاه يسأله عن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما؟ فقال اذهب إلى ابن عباس فسله ثم تعال أخبرني فذهب فسأله فقال كانت السموات رتقا لا تمطر وكانت الأرض رتقا لا تنبت ففتق هذه بالمطر وهذه بالنبات، فرجع إلى ابن عمر فأخبره فقال قد كنت أقول ما يعجبني جراءة ابن عباس على تفسير القرآن فالآن قد علمت أنه أوتى علماً. وأخرج البخاري من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال لم يدخل هذا معنا إن لنا أبناء مثله فقال عمر إنه ممن علمتم. ودعاهم ذات يوم فأدخله معهم فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم فقال ما تقولون في قول الله تعالى: ]إذا جاء نصر الله والفتح[ فقال بعضهم أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا وسكت بعضهم فلم يقل شيئا فقال لي أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت لا. فقال ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله أعلمه به قال إذا جاء نصر الله والفتح فذلك علامة أجلك فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا. فقال عمر لا أعلم منها إلا ما تقول. وأخرج أيضا من طريق ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال قال عمر بن الخطاب يوماً لأصحاب النبي فيمن ترون هذه الآية نزلت؟:  ]أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب[ قالوا الله أعلم، فغضب عمر، فقال قولوا نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس في نفسي منها شيء فقال يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك، قال ابن عباس ضربت مثلاً لعمل فقال عمر أي عمل قال ابن عباس لرجل يعمل بطاعة الله ثم بعث له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله. وأخرج أبو نعيم عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب جلس في رهط من المهاجرين من الصحابة فذكروا ليلة القدر فتكلم كل بما عنده فقال عمر مالك ياابن عباس صامت لا تتكلم تكلم ولا تمنعك الحداثة، قال ابن عباس فقلت يا أمير المؤمنين إن الله وتر يحب الوتر فجعل أيام الدنيا تدور على سبع وخلق أرزاقنا من سبع وخلق الإنسان من سبع وخلق فوقنا سموات سبعاً وخلق تحتنا أرضين سبعا وأعطى من المثاني سبعا ونهى في كتابه عن نكاح الأقربين عن سبع وقسم الميراث في كتابه على سبع ونقع في السجود من أجسادنا على سبع وطاف رسول الله بالكعبة سبعا وبين الصفا والمروة سبعا ورمى الجمار بسبع فأراها في السبع الأواخر من شهر رمضان، فتعجب عمر وقال وما وافقني فيها أحد إلا هذا الغلام الذي لم تستو شؤون رأسه، ثم قال يا هؤلاء من يؤديني في هذا كأداء ابن عباس. وقد ورد عن ابن عباس في التفسير ما لا يحصى كثرة وفيه روايات وطرق مختلفة فمن جيدها طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي عنه قال أحمد بن حنبل بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصداً ما كان كثيراً، أسنده أبو جعفر النحاس في ناسخه. قال ابن حجر وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث رواها عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وهي عند البخاري عن أبي صالح وقد اعتمد عليها في صحيحه كثيراً فيما يعلقه عن ابن عباس. وأخرج منها ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر كثير بوسائط بينهم وبين أبي صالح. وقال قوم لم يسمع ابن أبي طلحة من ابن عباس التفسير وإنما أخذه عن مجاهد أو سعيد بن جبير. قال ابن حجر بعد أن عرفت الواسطة وهو ثقة فلا ضير في ذلك. وقال الخليلي في الإرشاد تفسير معاوية بن صالح قاضي الأندلس عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رواه الكبار عن أبي صالح كاتب الليث عن معاوية. وأجمع الحفاظ على أن ابن أبي طلحة لم يسمعه من ابن عباس. قال وهذه التفاسير الطوال التي أسندوها إلى ابن عباس غير مرضية ورواتها مجاهيل كتفسير جويبر عن الضحاك عن ابن عباس.

وعن ابن جريج في التفسير جماعة رووا عنه وأطولها ما يرويه بكر بن سهل الدمياطي عن عبد الغني بن سعيد عن موسى بن محمد عن ابن جريج وفيه نظر.

وروى محمد بن ثور عن ابن جريج نحو ثلاثة أجزاء كبار وذلك صححوه. وروى الحجاج بن محمد عن ابن جريج نحو جزء وذلك صحيح متفق عليه.

وتفسير شبل بن عباد المكي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قريب إلى الصحة. وتفسير عطاء بن دينار يكتب ويحتج به. وتفسير أبي روق نحو جزء صححوه. وتفسير إسماعيل السدي يورده بأسانيد إلى ابن مسعود وابن عباس. وروى عن السدي الأئمة مثل الثوري وشعبة لكن التفسير الذي جمعه رواه أسباط بن نصر وأسباط لم يتفقوا عليه غير أن أمثل التفاسير تفسير السدي.

فأما ابن جريج فإنه لم يقصد الصحة وإنما روى ما ذكر في كل آية من الصحيح والسقيم.

وتفسير مقاتل بن سليمان فمقاتل في نفسه ضعفوه وقد أدرك الكبار من التابعين والشافعي أشار إلى أن تفسيره صالح. 

وتفسير السدي المشار إليه يورد منه ابن جرير كثيرا من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وناس من الصحابة هكذا ولم يورد منه ابن أبي حاتم شيئاً لأنه التزم أن يخرج أصح ما ورد، والحاكم يخرج منه في مستدركه أشياء ويصححه لكن من طريق مرة عن ابن مسعود وناس فقط دون الطريق الأول. وقد قال ابن كثير إن هذا لإسناد يروي به السدي أشياء فيها غرابة.

ومن جيد الطرق عن ابن عباس طريق قيس عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عنه وهذه الطريق صحيحة على شرط الشيخين وكثيراً ما يخرج منها الفريابي والحاكم في مستدركه.

ومن ذلك طريق ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد بن جبير عنه هكذا بالترديد. وهي طرق جيدة وإسنادها حسن.  وقد أخرج منها ابن جرير وابن أبي حاتم كثيراً وفي معجم الطبراني الكبير منها أشياء.

وأوهى طرقه: طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس فإن انضم إلى ذلك رواية محمد بن مروان السدي الصغير فهي سلسلة الكذب. وكثيرا ما يخرج منها الثعلبي والواحدي. لكن قال ابن عدي في الكامل للكلبي أحاديث صالحة وخاصة عن أبي صالح وهو معروف بالتفسير وليس لأحد تفسير أطول منه ولا أشبع.

وبعده مقاتل بن سليمان إلا أن الكلبي يفضل عليه لما في مقاتل من المذاهب الرديئة وطريق الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس منقطعة فإن الضحاك لم يلقه فإن انضم إلى ذلك رواية بشر بن عمارة عن أبي روق عنه فضعيفة لضعف بشر.

وقد أخرج من هذه النسخة كثيرا ابن جرير وابن أبي حاتم. وإن كان من رواية جويبر عن الضحاك فأشد ضعفا لأن جويبرا شديد الضعف متروك. ولم يخرج ابن جرير ولا ابن أبي حاتم من هذا الطريق شيئاً إنما أخرجها ابن مردويه وأبو الشيخ بن حبان. وطريق العوفي عن ابن عباس أخرج منها ابن جرير وابن أبي حاتم كثيرا والعوفي ضعيف لبس بواه وربما حسن له الترمذي.

قال السيوطي: ورأيت عن فضائل الإمام الشافعي لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن شاكر القطان أنه أخرج بسنده من طريق ابن عبد الحكم قال سمعت الشافعي يقول لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث. وأما أبي بن كعب فعنه نسخة كبيرة يرويها أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عنه وهذا إسناد صحيح. وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم منها كثيرا وكذا الحاكم في مستدركه وأحمد في مسنده.

باقو المفسرين من الصحابة:

وقد ورد عن جماعة من الصحابة غير هؤلاء اليسير من التفسير كأنس وأبي هريرة وابن عمر وجابر وأبي موسى الأشعري، وورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص أشياء تتعلق بالقصص وأخبار الفتن والآخرة وما أشبهها بأن يكون مما تحمله عن أهل الكتاب كالذي ورد عنه في قوله تعالى: ]في ظلل من الغمام[وكتابنا الذي أشرنا إليه جامع لجميع ما ورد عن الصحابة من ذلك.


التفسير في عهد التابعين
طبقة التابعين

قال ابن تيمية أعلم الناس بالتفسير أهل مكة لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس وغيرهم.

وكذلك في الكوفة أصحاب ابن مسعود.

وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل: زيد بن أسلم الذي أخذ عنه ابنه عبد الرحمن بن زيد ومالك بن أنس. انتهى.

فمن المبرزين منهم مجاهد قال الفضل بن ميمون سمعت مجاهدا يقول عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة. وعنه أيضا قال عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات أقف عند كل آية منه وأسأله عنها فيم نزلت وكيف كانت.

وقال خصيف كان أعلمهم بالتفسير مجاهد. وقال الثوري إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. قال ابن تيمية ولهذا يعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم. قلت وغالب ما أورده الفريابي في تفسيره عنه وما أورده فيه عن ابن عباس أو غيره قليل جداً.

ومنهم سعيد بن جبير قال سفيان الثوري خذوا التفسير عن أربعة عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك.

وقال قتادة كان أعلم التابعين أربعة: كان عطاء بن أبي رباح أعلمهم بالمناسك، وكان سعيد بن جبير أعلمهم بالتفسير، وكان عكرمة أعلمهم بالسير، وكان الحسن أعلمهم بالحلال والحرام.

ومنهم عكرمة مولى ابن عباس قال الشعبي ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة وقال سماك بن حرب سمعت عكرمة يقول لقد فسرت ما بين اللوحين. وقال عكرمة كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل ويعلمني القرآن والسنن. وأخرج ابن أبي حاتم عن سماك قال قال عكرمة كل شيء أحدثكم في القرآن فهو عن ابن عباس.

ومنهم الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وعطاء بن أبي سلمة الخراساني ومحمد بن كعب القرظي وأبو العالية والضحاك بن مزاحم وعطية العوفي وقتادة وزيد بن أسلم ومرة الهمداني وأبو مالك. ويليهم الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في آخرين.

فهؤلاء قدماء المفسرين وغالب أقوالهم تلقوها عن الصحابة.

ثم بعد هذه الطبقة ألفت تفاسير تجمع أقوال الصحابة والتابعين كتفسير سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح وشعبة بن الحجاج ويزيد بن هارون وعبد الرزاق وآدم بن أبي إياس وإسحاق بن راهويه وروح بن عبادة وعبد بن حميد وسعيد وأبي بكر بن أبي شيبة وآخرين.

وبعدهم ابن جرير الطبري وكتابه أجل التفاسير وأعظمها.

ثم ابن أبي حاتم وابن ماجه والحاكم وابن مردويه وأبو الشيخ بن حبان وابن المنذر في آخرين وكلها مسندة إلى الصحابة والتابعين وأتباعهم وليس فيها غير ذلك إلا ابن جرير فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض والإعراب والاستنباط فهو يفوقها بذلك.

ثم ألف في التفسير خلائق فاختصروا الأسانيد ونقلوا الأقوال بتراً فدخل من هنا الدخيل والتبس الصحيح بالعليل ثم صار كل من يسنح له قول يورده ومن يخطر بباله شيء يعتمده ثم ينقل ذلك عنه من يجيء بعده ظاناً أن له أصلاً غير ملتفت إلى تحرير ما ورد عن السلف الصالح ومن يرجع إليهم في التفسير حتى رأيت من حكى في تفسير قوله تعالى: غير المغضوب عليهم ولا الضالين نحو عشرة أقوال، وتفسيرها باليهود والنصارى هو الوارد عن النبي وجميع الصحابة والتابعين وأتباعهم حتى قال ابن أبي حاتم لا أعلم في ذلك اختلافا بين المفسرين.

 ثم صنف بعد ذلك قوم برعوا في علوم فكان كل منهم يقتصر في تفسيره على الفن الذي يغلب عليه فالنحوي تراه ليس له هم إلا الإعراب وتكثير الأوجه المحتملة فيه ونقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافياته كالزجاج والواحدي في البسيط وأبي حيان في البحر والنهر والأخباري ليس له شغل إلا القصص واستيفاءها والإخبار عمن سلف سواء كانت صحيحة أو باطلة كالثعلبي.

والفقيه يكاد يسرد فيه الفقه من باب الطهارة إلى أمهات الأولاد وربما استطرد إلى إقامة أدلة الفروع الفقهية التي لا تعلق لها بالآية والجواب عن أدلة المخالفين كالقرطبي.

وصاحب العلوم العقلية خصوصا الإمام فخر الدين قد ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة وشبهها وخرج من شيء إلى شيء حتى يقضي الناظر العجب من عدم مطابقة المورد للآية قال أبو حيان في البحر جمع الإمام الرازي في تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير ولذلك قال بعض العلماء فيه كل شيء إلا التفسير.

والمبتدع ليس له قصد إلا تحريف الآيات وتسويتها على مذهبه الفاسد بحيث أنه متى لاح له شاردة من بعيد اقتنصها أو وجد موضعا له فيه أدنى مجال سارع إليه. قال البلقيني: استخرجت من الكشاف اعتزالا بالمناقيش من قول تعالى في تفسير: ]فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز[ وأي فوز أعظم من دخول الجنة أشار به إلى عدم الرؤية.

والملحد فلا تسأل عن كفره وإلحاده في آيات الله وافترائه على الله ما لم يقله كقول بعضهم في: ]إن هي إلا فتنتك[ ما على العباد أضر من ربهم وكقوله في سحرة موسى ما قال وقول الرافضة في : ]يأمركم أن تذبحوا بقرة[ ما قالوا وعلى هذا وأمثاله يحمل ما أخرجه أبو يعلى وغيره عن حذيفة أن النبي قال: (إن في أمتي قوما يقرءون القرآن ينثرونه نثر الدقل يتأولونه على غير تأويله).

فإن قلت فأي التفاسير ترشد إليه وتأمر الناظر أن يعول عليه؟

قلت تفسير الإمام أبي جعفر بن جرير الطبري الذي أجمع العلماء المعتبرون على أنه لم يؤلف في التفسير مثله.

قال النووي في تهذيبه كتاب ابن جرير في التفسير لم يصنف أحد مثله.

وقد ألف السيوطي تفسيره مجمع البحرين ومطلع البدرين فقال: في الاتقان: وقد شرعت في تفسير جامع لجميع ما يحتاج إليه من التفاسير المنقولة والأقوال المقولة والاستنباطات والإشارات والأعاريب واللغات ونكت البلاغة ومحاسن البدائع وغير ذلك بحيث لا يحتاج معه إلى غيره أصلا وسميته بـ: "مجمع البحرين ومطلع البدرين" وهو الذي جعلت هذا الكتاب مقدمة له، والله أسأل أن يعين على إكماله بمحمد وآله.

        والحقيقة أن من التفاسير السهلة والمفيدة لطلبة العلم في البداية أمرهم، ولعوام الناس: تفسير الإمام الجليل الحافظ عماد الدين أبو الفداء اسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي المتوفى سنة 774هـ، وهو على رأسها، وتفسير سيد قطب في ظلال القرآن،  وتفسير سعيد حوى الاساس في التفسير، والموجود من تفسير الشيخ عبد بن باديس، مجالس التذكير. وغيرها بحسب اتجاهاتها لمن أراد التخصص والتعمق.


تحرج السلف من القول في القرآن

وبالرغم من أهمية التفسير وضرورته بل وشدة الحاجة إليه ووجوبه، وإقبال السلف من الصحابة ومن بعدهم عليه إلا أن بعض السلف كانت لهم مواقف خاصة من تفسير القرآن الكريم؛ مواقف ورع وتوقف خشية أن يقولوا على الله في كلامه ما لا يعلمون أو يتقولوا خلاف مراده تعالى. وقد فصل الإمام محمد الطاهر بن عاشور في المسألة في مقدمات تفسيره، بما يشفي في المسألة ويوضح محاملها.

وهذه بعض النصوص بين أيدينا تدل على توقف بعض من السلف، منها: 

عن ابن عباس هما يومان ذكرهما الله في كتابه الله اعلم بهما فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم وقال ابن جرير أيضا حدثني يعقوب يعني ابن إبراهيم حدثنا ابن علية عن مهدي بن ميمون عن الوليد بن مسلم قال جاء طلق بن حبيب إلى جندب بن عبد الله فسأله عن آية من القرآن فقال أحرج عليك إن كنت مسلما إلا ما قمت عني أو قال أن تجالسني وقال مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن   تفسير   آية من القرآن قال إنا لا نقول في القرآن شيئا وقال الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن وقال شعبة عن عمرو بن مرة قال سأل رجل سعيد بن المسيب عن آية من القرآن فقال لا تسألني عن القرآن وسل من يزعم انه لا يخفى عليه منه شيء يعني عكرمة وقال ابن شوذب حدثني يزيد بن أبي يزيد قال كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام وكان أعلم الناس فإذا سألناه عن   تفسير   آية من القرآن سكت كأن لم يسمع وقال ابن جرير حدثني أحمد بن عبدة الضبي حدثنا حماد بن زيد حدثنا عبيد الله بن عمر قال لقد أدركت فقهاء المدينة وإنهم ليعظمون القول في التفسير منهم سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد وسعيد بن المسيب ونافع وقال أبو عبيد حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن هشام بن عروة قال ما سمعت أبي تأول آية من كتاب الله قط وقال أيوب وابن عون وهشام الدستوائي عن محمد بن سيرين سألت عبيدة يعني السلماني عن آية من القرآن فقال ذهب الذين كانوا يعملون فيم انزل القرآن فاتق الله وعليك بالسداد وقال أبو عبيد حدثنا معاذ عن ابن عون عن عبد الله بن مسلم بن يسار عن أبيه قال إذا حدثت عن الله حديثا فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه وقال شعبة عن عبد الله بن أبي السفر قال قال الشعبي والله ما من آية إلا وقد سألت عنها ولكنها الرواية عن الله عز وجل وقال أبو عبيد حدثنا هشيم حدثنا عمرو بن أبي زائدة عن الشعبي عن مسروق قال اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله.

فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم في الكلام في التفسير بما لا علم لهم به فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير ولا منافاة لأنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه وهذا هو الواجب على كل أحد فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه لقوله تعالى لتبيننه للناس ولا تكتمونه ولما جاء في الحديث الذي روي من طرق من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار.

وأما الحديث الذي رواه أبو جعفر بن جرير حدثنا عباس بن عبد العظيم حدثنا محمد بن خالد بن عثمة حدثنا جعفر بن محمد بن الزبيري حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفسر شيئا من القرآن إلا آيا تعد، علمهن إياه جبريل عليه السلام ثم رواه عن أبي بكر محمد بن يزيد الطرسوسي عن معن بن عيسى عن جعفر بن خالد عن هشام به فإنه حديث منكر غريب وجعفر هذا هو ابن محمد بن خالد بن الزبير بن العوام، القرشي الزبيري قال البخاري لا يتابع في حديثه وقال الحافظ أبو الفتح الأزدي منكر الحديث وتكلم عليه الإمام أبو جعفر بما حاصله أن هذه الآيات مما لا يعلم إلا بالتوقيف عن الله تعالى مما وقفه عليها جبريل وهذا تأويل صحيح لو صح الحديث فإن من القرآن ما استأثر الله تعالى بعلمه ومنه ما يعلمه العلماء ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها ومنه ما لا يعذر أحد في جهله كما صرح بذلك ابن عباس فيما قال ابن جرير حدثنا محمد بن بشار حدثنا مؤمل حدثنا سفيان عن أبي الزناد قال قال ابن عباس التفسير على أربعة أوجه وجه تعرفه العرب من كلامها وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير يعلمه العلماء وتفسير لا يعلمه إلا الله قال ابن جرير وقد روي نحوه في حديث في إسناده نظر حدثني يونس بن عبد الأعلى الصدفي أنبأنا ابن وهب قال سمعت عمرو بن الحارث يحدث عن الكلبي عن أبي صالح مولى أم هانئ عن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنزل القرآن على أربعة أحرف حلال وحرام لا يعذر أحد بالجهالة به وتفسير تفسره العرب وتفسير تفسره العلماء ومتشابه لا يعلمه إلا الله عز وجل ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب والنظر الذي أشار إليه في إسناده هو من جهة محمد بن السائب الكلبي فإنه متروك الحديث لكن قد يكون إنما وهم في رفعه ولعله من كلام ابن عباس كما تقدم.


نقاط وشروط في التعامل مع القرآن الكريم

هذه جملة من الآداب التي يجب التعامل بها مع القرآن الكريم فهو كتاب الله ليس كغيره من الكتب والكلام، فوجب أن يجل ويكرم ويعز كونه كلام الله تعالى الحكيم.

تشكيل القرآن:

ذكر السيوطي عن ابن مجاهد في حق التشكيل للقرآن الكريم أنه ينبغي أن لا يشكل إلا ما يشكل فقط،" وقال ابن مجاهد "ينبغي ألا يشكل إلا ما يشكل"، وهذه المقولة إذا كانت في القرآن الكريم فما بالك بغير القرآن.

وبهذا يقتدي من يكتب البحوث من الطلبة الباحثين ألا يبالغ في تشديد الكلمات وتشكيلها بمبالغة ممقوتة تلهي القارئ العربي وإنما يقتصر على المواضع التي يمكن أن تشكل فقط، فتلك هي القاعدة.  

التعامل مع المصاحف:

يستحب تطييب المصحف، وجعله على كرسي[5]، ويحرم توسده لأن فيه إذلالا وامتهانا[6].

قال الزركشي وكذا مد الرجلين إليه. وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن سفيان أنه كره أن تعلق المصاحف. وأخرج عن الضحاك قال لا تتخذوا للحديث كراسي ككراسي المصاحف. 

يجوز تحليته بالفضة إكراما له على الصحيح. أخرجه البيهقي، عن الإتقان 2/ 459.

وإذا احتيج إلى تعطيل بعض أوراق المصحف لبلى ونحوه، فلا يجوز وضعها في شق أو غيره لأنه قد يسقط ويوطأ، ولا يجوز تمزيقها لما فيه من تقطيع الحروف وتفرقة الكلم وفي ذلك إزراء بالمكتوب. وله غسلها بالماء، وإن أحرقها بالنار فلا بأس، وقد أحرق عثمان مصاحف كان فيها آيات وقراءات منسوخة ولم ينكر عليه.

 وذُكر أن الإحراق أولى من الغسل لأن الغسالة قد تقع على الأرض، وجزم القاضي حسين في تعليقه بامتناع الإحراق لأنه خلاف الاحترام والنووي بالكراهة. وفي بعض كتب الحنفية أن المصحف إذا بلي لا يحرق بل يحفر له في الأرض ويدفن. وفيه وقفة لتعرضه للوطء بالأقدام (ومن هنا تجد عامة الناس من الأحناف يأنفون من حرق المصاحف أو الأوراق الممزقة ويرون ذلك من إهانة المصحف، ولا يقدمون عليه ولكن الاعتراض عليهم بالوطء لها بالاقدام فيه وجاهة).

روى ابن أبي داود عن ابن المسيب قال: لا يقول أحدكم مصيحف ولا مسيجد ما كان لله تعالى فهو عظيم.

قال السيوطي مذهبنا ومذهب جمهور العلماء تحريم مس المصحف للمحدث سواء كان أصغر أم أكبر لقوله تعالى لا يمسه إلا المطهرون وحديث الترمذي وغيره لا يمس القرآن إلا طاهر.

روى ابن ماجه وغيره عن أنس مرفوعا سبع يجرى للعبد أجرهن بعد موته وهو في قبره من علم علما أو أجرى نهراً أو حفر بئراً أو غرس نخلاً أو بنى مسجداً أو ترك ولداً يستغفر له من بعد موته أو ورّث مصحفاً.

وأما حق القرآن علينا من حيث التأمل والتدبر فقط كتب فيه الشيخ البشير الإبراهيمي في مفتتح تفسير الشيخ عبد بن باديس في موضوعات تتعلق بالقرآن، فلتراجع وللإمام المودودي رسائل في ذلك أيضاً.
خصائص القرآن 

من جهل شيئاً عاده، والمعرفة بالشيء طريق إلفه والتعرف عليه  وبناء علاقة به، ومن هنا وجب على طالب العلوم الإسلامية أن يتعرف على هذا الكتاب العزيز، القرآن الكريم، دستوره،    فيتعرف على خصائصه فتزداد معرفته به وتتقوى علاقته به.

ولقد أنزل الله تعالى هذا القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم ليخرج به الأمة من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام، وبه أصبحت خير أمة أخرجت للناس. وتميزت الأمة الإسلامية بخصائص كثيرة ليست في الأمم كلها واختص أيضًا نبيها محمد صلى الله عليه وسلم بخصائص كثيرة، وتميز دينها الدين الإسلامي بخصائص عديدة ليست في الأديان الأخرى، وتميز الكتاب الذي أنزل عليها بخصائص دون سائر الكتب المنـزلة. وقد كتب كثير من العلماء في خصائص الإسلام، وفي خصائص الأمة الإسلامية وفي خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم. ولا عجب أن يهتم العلماء أيضًا بخصائص القرآن الكريم، وقد أورد العلماء هذه الخصائص في بطون مؤلفاتهم عن علوم القرآن وأفردها بعضهم وسأذكر هنا بعض هذه الخصائص.

أولاً: خصائص تتعلق بفضله وشرفه ومكانته: وهي خصائص كثيرة منها:

1 ـ فضله: لا يخفى فضل القرآن عمن لديه أدنى علم شرعي ذلكم أن القرآن الكريم كلية الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، فلا طريق إلى الله سواه، ولا تجاه بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه. هو كلام الله العظيم، وصراطه المستقيم، ودستوره القويم، ناط به كل سعادة، هو رسالة الله الخالدة، ومعجزته الدائمة، ورحمته الواسعة وحكمته البالغة، ونعمته السابغة. هو حجة الرسول صلى الله عليه وسلم الدامغة، وآيته الكبرى شاهدة برسالته وناطقة بنبوته. هو كتاب الإسلام في عقائده، وعباداته، وحِكَمه وأحكامه، وآدابه وأخلاقه وقصصه ومواعظه، وأخباره، وهدايته ودلالته. هو أساس رسالة التوحيد، والمصدر القويم للتشريع، ومنهل الحكمة والهداية والرحمة المسداة، والنور المبين للأمة، والمحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك. فضله لا يدانيه فضل ولا تسمو إليه مكانة.

2- شفاعته لأهله: ومن خصائص القرآن الكريم أنه يشفع لأهله يوم القيامة ومن الأدلة على ذلك حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه] رواه مسلم.

3  ـ أنه شفاء: قال تعالى: (ونُنـزِل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين)[7] وقال سبحانه وتعالى (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء)[8]. وقال سبحانه وتعالى (قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور)[9]. وتدبر وصف الله للقرآن بأنه شفاء ولم يصفه بأنه داء لأن الشفاء هو ثمرة الدواء والهدف منه، أما الدواء فقد يفيد وقد يضر فكان وصف القرآن بأنه شفاء تأكيد لثمرة التداوي به. وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل بنفسه بالتداوي بالقرآن فقد روت عائشة رضي الله عنها قالت: [إن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث على نفسه في بالمرض الذي مات فيه بالمعوذات فلما ثَقُل كنت أنفث عليه بهن وأمسح بيد نفسه لبركتها] رواه البخاري. واقتدى به أصحابه رضي الله عنهم فقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن ناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتوا على حي من أحياء العرب فلم يُقروهم فبينما هم كذلك إذ لُدِغ سيد أولئك فقال: هل معكم من دواء أو راق فقالوا إنكم لم تقرونا ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعْلاً، فجعلوا لهم قطيعاً من الشاء فجعل يقرأ بأم القرآن ويجمع بزاقه ويتفل فبرأ فأتوا بالشاء فقالوا لا نأخذه حتى نسأل النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه فضحك وقال: [وما أدراك أنها رقية، خذوها واضربوا لي بسهم] (رواه البخاري). والقرآن شفاء للأمراض النفسية وما أحوج مجتمعاتنا المعاصرة إلى التداوي بالقرآن لهذا الداء الوبيل في عالم تتنازعه الأهواء المادية والشهوات الجسدية والملذات الدنيوية، وإنما تحدث الأمراض النفسية حين يعرض الإنسان عن القرآن وعن ذكر الله (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا) (سورة طه: 124) وقال سبحانه وتعالى (ومن يعش عن ذكر الرحمن نُقيض له شيطاناً فهو له قرين) ( سورة الزخرف: 36)، أما العلاج والشفاء فهو قرين الذكر (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) (سورة الرعد: 28). ولكن ينبغي أن نعلم أن الاستشفاء بالقرآن يستدعي كمال اليقين وقوة الاعتقاد وسلامته ولذا قال الزركشي رحمه الله تعالى عن الاستشفاء بالقرآن: "لن ينتفع به إلا من أخلص لله قلبه ونيته، وتدبر الكتاب في عقله وسمعه، وعمر به قلبه، وأعمل به جوارحه، وجعله سميره في ليله ونهاره وتمسك به وتدبره".

ومن خصائصه التي تتعلق بفضله وشرفه ومكانته: التعبد بتلاوته، وتعدد أسمائه وصفاته، والثواب لقارئه ومستمعه، وأن له نـزولين، ونزوله مُنجّمًا دون سائر الكتب السابقة وغير ذلك.

ثانيًا: خصائص تتعلق بأسلوبه ولغته:

1     - أنه لا يعلو عن أفهام العامة ولا يَقَصُر عن مطالب الخاصة . وهذان مطلبان لا يدركهما الفصحاء والبلغاء من الناس، فلجأوا إلى قاعدة يعتذرون بها فقالوا: (لكل مقام مقال) أمّا أن يأتي كلام واحد يُخاطب به العلماء والعامة، والملوك والسوقة، والأذكياء ومن دونهم، والصغير والكبير، والذكر والأنثى ويرى فيه كل منهم مطلبه، ويدرك من معانيه ما يكفيه، ما لا نجده على أتمه وأكمله إلا في القرآن الكريم وحده. يقرأ فيه العامي فيشعر بجلاله ويذوق حلاوته، ولا يتلوى عليه فهمه فتذركه هيمنته، ويستولي عليه بيانه، وتغشاه هدايته فيخشع قلبه، وتدمع عيناه فينقاد له ويذعن. ويقرأ فيه العالم فيدرك فصاحته، وتهيمن عليه بلاغته، ويملكه بيانه، وتنجلي له علومه ومعارفه، وتدهشه أخباره وأنباؤه فيجد فيه زمام فكره، وقيادة عقله، ومنهج علمه، ومحار فكره، ورفعة شأنه فيذعن. (ربنا وسعت كل شيءٍ علمًا) ( غافر : 7 ) ثم يرفع يديه: ( ربّ زدني علمًا ) (طه : 144) فتدركه الخشية ويذعن لربه ويؤمن بشرعه.

والآيات هي هي هنا وهناك لم تتغير ولم تتبدل.

2- ومن خصائص أسلوب القرآن الكريم: تصوير المعاني: ويراد بها إظهار المعاني بكلمات تكاد أن تجعلها بصورة المحسوس حتى تهم بلمسها بيديك وحتى تلج غلى ذهنك مترابطة متكاملة ، لا تكلف ذهنك مشقة تركيبها ، ولا تثقفه بمهمة تجميعها، فتقسره قسرًا على الفهم والإدراك، بل تفجؤه بانطباعها فيه بمجرد توجهه إليها. وتفسير سيد قطب رحمه الله تعالى له عناية خاصة بهذا المعنى، وتميز فيه بين سائر المفسرين. وتصوير المعاني يكون أحيانًا بطريقة التجسيم أي بجعلها في صورة مجسمة قابلة للوزن والكثافة . فقد وصف الله سبحانه العذاب بأنه غليظ في قوله سبحانه (ومن ورائه عذاب غليظ) (إبراهيم: 17) واليوم بأنه ثقيل. (ويذرون رائهم يوماً ثقيلاً) (الإنسان: 27) فنقل العذاب من كونه معنى مجرداً إلى شيء ذي غلظ وسُمك، كما نقل اليوم زمن لا يُمسك إلى شيء ذي كثافة ووزن.

وهناك خصائص أخرى كثيرة لأسلوب القرآن منها: نظمه، ووقعه، وجودة السبك، وإحكام السرد، وتعدد الأساليب، واتحاد المعنى، والجمع بين الإجمال والبيان، وإيجاز اللفظ مع وفاء المعنى وغير ذلك.

ثالثاً: خصائص عامة: وهي كذلك خصائص كثيرة منها:
1- حفظه في الصدور من أشرف خصائص القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى كلف الأمة بحفظه كله بحيث يحفظه عدد كثير يثبت به التواتر وإلا أثمت الأمة كلها، وليس هذا لكتاب غير القرآن، فالتوراة والإنجيل ترك لأهلهما أمر الحفظ فاكتفوا بالقراءة دون الحفظ، إلا قلة لا تكاد تذكر ولم تتوافر الدواعي لحفظهما كما توافرت لحفظ القرآن الكريم فلم يكن لهما ثبوت قطعي كما هو للقرآن فسهل تحريفهما وتبديلهما. ولم يترك الرسول صلى الله عليه وسلم سبيلاً فيه حث على حفظ القرآن إلا وأرشد إليه وحث عليه، فحفظه عدد كبير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وما زالت المسيرة مستمرة يحفظ المسلمون القرآن في صدورهم ونجد إقبالاً لا يخطر ببال ولا يحلم بمثله أهل الكتاب - انظروا - إن شئتم - مدارس تحفيظ القرآن العديدة منذ نزول القرآن إلى عصرنا هذا ثم التفتوا يسرة، فكم من مدرسة لتحفيظ الإنجيل أو التوراة فلن تجدوا منها شيئاً بل ستجدون قلة القلة تحفظ هذا أو ذاك مما لا يذكر - أبدًا - في مقابل مدارس تحفيظ القرآن الكريم تقول المستشرقة لورا فاغليري أن " في مصر وحدها عدد من الحفاظ أكثر من عدد القادرين على تلاوة الأناجيل عن ظهر قلب في أوروبا" ويقول جيمي متشيز "لعل القرآن هو أكثر الكتب التي تُقرأ في العالم وهو بكل تأكيد أيسرها حفظاً".

        ومن خصائص القرآن الكريم العامة اتصال السند: ومن المعلوم أن أغلب الذين يتعلمون تلاوة القرآن إنما يتعلمونها عن طريق السماع ولا يكتفون بتعلمه من المصاحف وحدها، ونعلم أن أساتذتهم تلقوه أيضًا بالسماع عن طريق مشايخهم وهكذا لا تنقطع هذه الطريقة إلى أن تصل طبقة التابعين ثم الصحابة ثم الرسول صلى الله عليه وسلم. وبهذا يكون سند القرآن في كل عصر وفي كل حين متصلاً برسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس هذا لكتاب غير القرآن الكريم، فقد شرف الله هذه الأمة باتصال سندها برسولها صلى الله عليه وسلم. قال محمد بن حاتم المظفر: "إن الله تعالى أكرم هذه الأمة، وشرفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد موصول، وإنما هو مصحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم، وليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل، مما جاءهم به أنبياؤهم، وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوها عن غير الثقات.

ومن خصائص القرآن الكريم العامة:

أنه لا يمسه إلا المطهرون . أنـزل الله القرآن بواسطة أفضل الملائكة على أفضل الأنبياء لخير أمة أخرجت للناس فأخرجهم به من الظلمات إلى النور ومن رجس الجاهلية إلى طهارة الإسلام فحق لهذا الكتاب أن يتهيأ المسلمون لتلاوته وأن يستعدوا لها بالطهارة ليست الطهارة الصغرى كما يفهمها بعض الناس، ولكنها الطهارة الكبرى بكل معانيها. طهارة القلب من الكفر والشرك فلا يمس القرآن كافر ولا يُمكن من ذلك، لا يسافر بالمصحف إلى بلاد الكفر، وطهارة القلب أيضًا من الرياء والنفاق، وأن يراد بالتلاوة غير وجه الله كمن يقرأه للرياء والسمعة أو ليقال هو قارئ أو كمن يقرأه للتكسب أو لينال به شيئاً من حطام الدنيا. وطهارة اللباس فينبغي أن تكون ثيابه طاهرة نظيفة نقية، وأن يتطيب وأن يلبس من الثياب أحسنها، وأن يستعد لها كما يستعد لملاقاة الملوك فإنه مناج ملك الملوك.

وطهارة الفم فينبغي أن ينظف فاه ويستاك ويخلل أسنانه اقتداء بسنة رسول الله    صلى الله عليه وسلم وسنة أصحابه من بعده .

ومن خصائص القرآن الكريم العامة:

أن الله تعهد بحفظه: قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)[10]. وقد مرت بالقرآن أحداث عظيمة، وأهوال جسيمة، وعوامل خطيرة، وتكالب عليه الأعداء، وتداعت عليه الأمم ولو مر بعض ذلك على غير القرآن لأصابه ما أصاب الكتب السابقة من التحريف والتغيير والتبديل. أما القرآن فقد مر بهذه الأحوال المتماوجة والدواعي المتكالبة ولم تنل مه بغيتها، بل وصل إلينا كما أنزله الله لم يتغير، ولم يتبدل، ولم يتغير ما طالته الأفواه النافخة، ولا نالته الأصوات اللاغية. ليتم الله نوره ولو كره الكافرون .

أما الكتب السابقة فلم يتعهد الله بحفظها، بل أوكل أمر حفظها إلى أهلها فقال تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء)[11]

وخصائص القرآن العامة كثيرة ومنها إجمالاً:

 معارفه، إعجازه، أنه لا ينسب إلا إلى الله، والجمع بين البسملة والاستعاذة عند تلاوته، وحرمة تفسيره بمجرد الرأي، وتيسر حفظه وتلاوته، وأن قارئه لا يمله، وتحريم روايته بالمعنى، وأنه يتلفت من حافظه، ورسمه، وهيمنته على الكتب السابقة، والأحرف المقطعة في أوائل السور وغير ذلك[12].


المقاصد الأصلية التي جاء القرآن الكريم لتبيانها

 

 


1

2

3

4

5

6

7

8

إصلاح الاعتقاد وتعليم العقد الصحيح

أعظم سبب لإصلاح الخلق

تهذيب الأخلاق

 

التشريع

الأحكام خاصة وعامة، جمع القرآن جميع الأحكام كلياً وجزئياً في المهم

سياسة الأمة

باب عظيم في القرآن، القصد منه صلاح الأمة وحفظ نظامها؛ كالإرشاد إلى تكوين الجامعة[13]

القصص وأخبار الأمم السالفة

للتأسي بصالح أحوالهم وللتحذير من مساويهم وفي خلالها تعليم.

التعليم بما يناسب حالة عصر المخاطبين

وما يؤهلهم إلى تلقي الشريعة ونشرها/ علم الشرائع والأخبار، العلم والحكمة

المواعظ والإنذار والتحذير والتبشير

الترغيب والترهيب

الإعجاز بالقرآن
ليكون آية دالة على صدق الرسول.

 

 

المخطط أعلاه  من تصميم الدكتور هلال خزاري 2004م،  فكرته مستفادة من تفسير التحرير والتنوير للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، المقدمة الرابعة من مقدمات تفسير ابن عاشور: "فيما يصح أن يكون غرض المفسر"..


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

القسم الثاني

تفسير سورة النبأ
تفسير سورة النبأ

تسمية وأسماء سورة النبأ؟

سميت هذه السورة في أكثر المصاحف، وكتب التفسير، وكتب السنة (سورة النبأ) لوقوع كلمة النبأ في أولها.

وسميت في بعض المصاحف، وفي صحيح البخاري، وفي تفسير ابن عطية، والكشاف؛ "سورة عم يتساءلون"، وفي تفسير القرطبي سماها: "سورة عم"، أي بدون زيادة يتساءلون، تسمية لها بأول جملة فيها.

وتسمى: "سورة التساؤل"، لوقوع يتساءلون في أولها.

وتسمى سورة المعصرات.

وهي مكية بالاتفاق.

ترتيب السورة: 

عدت سورة النبأ السورة الثمانون في ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد،

نزلت سورة النبأ بعد سورة المعارج وقبل سورة النازعات.

وروي عن ابن عباس والحسن ما يقتضي أن هذه السورة نزلت في أول البعث. وروي عن ابن عباس كانت قريش تجلس لما نزل القرآن فتتحدث فيما بينها فمنهم المصدق ومنهم المكذب به" فنزلت: "عم يتساءلون".

وعن الحسن لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم جعلوا يتساءلون بينهم فأنزل الله: "عم يتساءلون؟ عن النبأ العظيم".

عدد  آيات السورة وترتيبها في المصحف:

قال الإمام ابن عاشور:

عد أي سورة النبأ أصحاب العدد من أهل المدينة والشام والبصرة أربعين. وعد أهل مكة ,أهل الكوفة إحدى وأربعين آية.

وترتيبها في المصحف السورة الثامنة والسبعون.

أغراض سورة النبأ:

ـ اشتملت هذه السورة على وصف خوض المشركين في شأن القرآن وما جاء به مما يخالف معتقداتهم، ومن ذلك إثبات البعث، وسؤال بعضهم بعضاً عن الرأي في وقوعه مستهزئين بالإخبار عن وقوعه.

ـ وتهديدهم على استهزائهم.

ـ وفيها إقامة الحجة على إمكان البعث بخلق المخلوقات التي هي أعظم من خلق الإنسان بعد موته وبالخلق الأول للإنسان وأحواله.

ـ ووصف الأهوال الحاصلة عند البعث من عذاب الطاغين مع مقابلة ذلك بوصف نعيم المؤمنين.

ـ وصفة يوم الحشر إنذارً للذين جحدوا به والإيماء إلى أنهم يعاقبون بعذاب قريب قبل يوم البعث.

وأدمج في ذلك أن علم الله تعالى محيط بكل شيء ومن جملة الأشياء أعمال الناس.

 


{عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ } * { عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ } * { ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ}

افتتاح الكلام بالاستفهام عن تساؤل جماعة عن نبأ عظيم، افتتاح تشويقٍ ثم تهويل لما سيذكر بعده، فهو من الفواتح البديعة لما فيها من أسلوب عزيز غير مألوف ومن تشويق بطريقة الإِجمال ثم التفصيل المحصلة لتمكن الخبر الآتي بعده في نفس السامع أكمل تمكن.

وإذ كان هذا الافتتاح مؤذناً بعظيم أمر كان مؤذناً بالتصدي لقول فصلٍ فيه، ولمّا كان في ذلك إشعار بأهم ما فيه خوضُهم يومئذ يُجعل افتتاحَ الكلام به من براعة الاستهلال.

ولفظ {عمّ} مركب من كلمتين هما حرف (عن) الجار و(مَا) التي هي اسم استفهام بمعنى: أيّ شيء، ويتَعلق {عم} بفعل {يتساءلون} فهذا مركب. وأصل ترتيبه: يتسَآءلون عَنْ ما، فقدم اسم الاستفهام لأنه لا يقع إلا في صدر الكلام المستفهم به، وإذ قد كان اسم الاستفهام مقترناً بحرف الجر الذي تعدى به الفعل إلى اسم الاستفهام وكان الحرف لا ينفصل عن مجروره قُدِّما معاً فصار {عَمَّا يتساءلون}.

وقد جرى الاستعمال الفصيح على أن (ما) الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر يحذف الألف المختومة هي به تفرقةً بينها وبين (مَا) الموصولة.

وعلى ذلك جرى استعمال نُطقهم، فلما كتبوا المصاحف جروا على تلك التفرقة في النطق فكتبوا (ما) الاستفهامية بدون ألف حيثما وقعت مثل قوله تعالى:

{فيمَ أنت من ذكراها}[النازعات: 43]{فبم تُبَشِّرونِ}[الحجر: 54]{لِمَ أذنتَ لهم}[التوبة: 43] {عَمَّ يتساءلون}{مِمَّ خُلِق}[الطارق: 5] فلذلك لم يقرأها أحد بإثبات الألف إلا في الشاذّ.

ولما بقيت كلمة (ما) بعد حذف ألفها على حرف واحد جَرَوْا في رسم المصحف على أن ميمها الباقية تكتب متصلة بحرف (عن) لأن (مَا) لما حذف ألفها بقيت على حرف واحد فأشبه حروف التهجّي، فلما كان حرف الجر الذي قبل (ما) مختوماً بنون والتقتِ النون مع ميم (مَا)، والعرب ينطقون بالنون الساكنة التي بعدها ميم ميماً ويدغمونها فيها، فلما حذفت النون في النطق جرى رسمهم على كتابة الكلمة محذوفة النون تبعاً للنطق، ونظيره قوله تعالى: {مِمَّ خلق} وهو اصطلاح حسن.

والتساؤل: تفاعل وحقيقة صيغة التفاعل تفيد صدور معنى المادة المشتقة منها من الفاعل إلى المفعول وصدور مثله من المفعول إلى الفاعل، وتَرد كثيراً لإفادة تكرر وقوع ما اشتقت منه نحو قولهم: سَاءَلَ، بمعنى: سأل، قال النابغة:

أُسائل عن سُعدَى وقد مرَّ بعدنا




على عَرصات الدار سبع كوامل



وقال رويشد بن كثير الطائي:

يَا أيُّها الراكب المزجي مطيته

   

سَائِلْ بني أسد ما هذه الصوت

وتجيء لإفادة قوة صدور الفعل من الفاعل نحو قولهم: عافاك الله، وذلك إما كناية أو مجاز ومَحملهُ في الآية على جواز الاحتمالات الثلاثة وذلك من إرادة المعنى الكنائي مع المعنى الصريح، أو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وكلا الاعتبارين صحيح في الكلام البليغ فلا وجه لمنعه.

فيجوز أن تكون مستعملة في حقيقتها بأن يسأل بعضهم بعضاً سؤال متطلع للعلم لأنهم حينئذ لم يزالوا في شك من صحة ما أنبئوا به ثم استقر أمرهم على الإِنكار.

ويجوز أن تكون مستعملة في المجاز الصوري يتظاهرون بالسؤال وهم موقنون بانتفاء وقوع ما يتساءلون عنه على طريقة استعمال فعل (يحذر) في قوله تعالى:  {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة }[التوبة: 64] فيكونون قصدوا بالسؤال الاستهزاء.

وذهب المفسرون فريقين في كلتا الطريقتين يُرجَّحُ كلُّ فريق ما ذهب إليه. والوجه حمل الآية على كلتيهما لأن المشركين كانوا متفاوتين في التكذيب، فعن ابن عباس: ((لما نزل القرآن كانت قريش يتحدثون فيما بينهم فمنهم مصدق ومنهم مكذب)).

وعن الحسن وقتادة مثل قول ابن عباس، وقيل: هو سؤال استهزاء أو تعجب وإنما هم موقنون بالتكذيب.

فأما التساؤل الحقيقي فأنْ يَسْأَل أحد منهم غيره عن بعض أحوال هذا النبأ فيسأل المسؤولُ سائله سؤالاً عن حالٍ آخرَ من أحوال النبأ، إذ يخطر لكل واحد في ذلك خاطر غيرُ الذي خطر للآخر فيسأل سؤال مستثبت، أو سؤال كشف عن معتقَده، أو ما يُوصَف به المخبر بهذا النبأ كما قال بعضهم لبعض:

{أفْتَرى على الله كذباً أم به جنة} [سبأ: 8] وقال بعض آخر: {أئذا كنا تراباً وآباؤنا  أئنا لمُخرَجون} [النمل: 67] إلى قوله: {إنْ هذا إلا أساطير الأولين } [النمل: 68].

وأما التساؤل الصوري فأن يسأل بعضهم بعضاً عن هذا الخبر سؤال تهكم واستهزاء فيقول أحدهم: هل بلغك خبر البعث؟ ويقول له الآخر: هل سمعتَ ما قال؟ فإطلاق لفظ التساؤل حقيقي لأنه موضوع لمثل تلك المساءلة وقصدُهم منه غير حقيقي بل تهكمي.

والاستفهام بما في قوله: {عم يتساءلون} ليس استفهاماً حقيقياً بل هو مستعمل في التشويق إلى تلقي الخبر نحو قوله تعالى:{هل أنبئكم على من تنزّل الشياطين}
[الشعراء: 221]

والموجَّه إليه الاستفهام من قبيل خطاب غير المعين.

وضمير (يتساءلون) يجوز أن يكون ضميرَ جماعة الغائبين مراداً به المشركون ولم يسبق لهم ذكر في هذا الكلام ولكن ذكرهم متكرر في القرآن فصاروا معروفين بالقصد من بعض ضمائره، وإشاراته المبهمة، كالضمير في قوله تعالى: {حتى توارتْ بالحجاب} [ص: 32] (يعني الشمس{كلا إذا بلغتْ التراقيَ} [القيامة: 26] (يعني الروح)، فإن جعلت الكلام من باب الالتفات فالضمير ضميرُ جماعة المخاطبين.

ولما كان الاستفهام مستعملاً في غير طلب الفهم حَسن تعقيبه بالجواب عنه بقوله: {عن النبإ العظيم} فجوابه مستعمل بياناً لما أريد بالاستفهام من الإِجمال لقصد التفخيم فبُيِّن جانب التفخيم ونظيره قوله تعالى: {هل أنبئكم على من تنزّل الشياطين تَنَزَّلَ على كل أفّاك أثيم}
[الشعراء: 221، 222]، فكأنه قيل: هم يتساءلون عن النبأ العظيم ومنه قول حسان بن ثابت:

لمن الدار أقفرت بمعان
ذاك مَغنى لآل جَفْنةَ في الدهــ

   

بين أعلى اليرموك والصُّمّان
ــر وحَقٌّ تقلُّب الأزمــان

 

والنَّبَأ: الخَبَر، قيل: مطلقاً فيكون مرادفاً للَفْظِ الخبر، وهو الذي جرى عليه إطلاق «القاموس» و«الصحاح» و«اللسان».

وقال الراغب: «النبأ الخبر ذو الفائدة العظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن ولا يقال للخبر نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة ويكون صادقاً» ا هـ. وهذا فرق حسن ولا أحسب البلغاء جَروا إلاّ على نحو ما قال الراغب فلا يقال للخبر عن الأمور المعتادة: نبأ وذلك ما تدل عليه موارد استعمال لفظ النبأ في كلام البلغاء، وأحسب أن الذين أطلقوا مرادفة النبأ للخبر راعَوا ما يقع في بعض كلام الناس من تسامح بإطلاق النبأ بمعنى مطلق الخبر لضرب من التأويل أو المجاز المرسل بالإطلاق والتقييد، فكثر ذلك في الكلام كثرة عسر معها تحديد مواقع الكلمتين ولكنْ أبلغُ الكلام لا يليق تخريجه إلا على أدق مواقع الاستعمال. وتقدم عند قوله تعالى: {ولقد جاءك من نبإِىْ المرسلين} في سورة الأنعام (34) وقوله: {قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون}[ص: 67، 68].

والعظيم حقيقته: كبير الجسم ويستعار للأمر المهم لأن أهمية المعنى تتخيّل بكبر الجسم في أنها تقع عند مدركها كمرأى الجسم الكبير في مرأى العين وشاعَت هذه الاستعارة حتى ساوت الحقيقة.

ووصف{النبأ} بـ:{العظيم} هنا زيادة في التنويه به لأن كونه وارداً من عالِم الغيب زاده عظمَ أوصاف وأهوال، فوصف النبأ بالعظيم باعتبار ما وُصف فيه من أحوال البعث في ما نزل من آيات القرآن قبلَ هذا. ونظيره قوله تعالى: {قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون} في سورة ص (67، 68).

والتعريف في {النبأ} تعريف الجنس فيشمل كل نبأ عظيم أنبأهم الرسول صلى الله عليه وسلم به، وأول ذلك إنباؤه بأن القرآن كلام الله، وما تضمنه القرآن من إبطال الشرك، ومن إثبات بعث الناس يوم القيامة، فما يروى عن بعض السلف من تعيين نبأ خاص يُحمل على التمثيل. فعن ابن عباس: هو القرآن، وعن مجاهد وقتادة: هو البعث يوم القيامة.

وسَوق الاستدلال بقوله: {ألم نجعل الأرض مهاداً}إلى قوله:  {وجنات ألفافاً} [النبأ: 16] يدل دلالة بينة على أن المراد من {النبأ العظيم} الإنباء بأن الله واحد لا شريك له. وضمير {هم فيه مختلفون} يَجري فيه الوجهان المتقدمان في قوله: {يتساءلون}. واختلافهم في النبأ اختلافهم فيما يصفونه به، كقول بعضهم: {إن هذا إلا أساطير الأولين} [الأنعام، 25] وقول بعضهم: هذا كلام مجنون، وقول بعضهم: هذا كذب، وبعضهم: هذا سحر، وهم أيضاً مختلفون في مراتب إنكاره. فمنهم من يقطع بإنكار البعث مثل الذين حكى الله عنهم بقوله: {وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مُزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذباً أم به جنة } [سبأ: 7 ـ 8]، ومنهم من يشكّون فيه كالذين حكى الله عنهم بقوله: {قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين} [الجاثية: 32] على أحد التفسيرين.

وجيء بالجملة الإسمية في صلة الموصول دون أن يقول: الذي يَختلفون فيه أو نحو ذلك، لتفيد الجملة الإسمية أن الاختلاف في أمر هذا النبأ متمكن منهم ودائم فيهم لدلالة الجملة الإسمية على الدوام والثبات.

وتقديم {عنه} على {معرضون} [ص: 68] للاهتمام بالمجرور وللإشعار بأن الاختلاف ما كان من حقه أن يتعلق به، مع ما في التقديم من الرعاية على الفاصلة.

{كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ}

{كلا} حرف ردع وإبطال لشيء يسبقه غالباً في الكلام يقتضي ردع المنسوب إليه وإبطال ما نسب إليه، وهو هنا ردع للذين يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون على ما يحتمله التساؤل من المعاني المتقدمة، وإبطال لما تضمنته جملة
{يتساءلون} [النبأ: 1] من تساؤل معلوم للسامعين.

فموقع الجملة موقع الجواب عن السؤال ولذلك فصلت ولم تعطف لأن ذلك طريقة السؤال والجواب.

والكلام وإن كان إخباراً عنهم فإنهم المقصودون به فالردع موجه إليهم بهذا الاعتبار.

والمعنى: إبطال الاختلاف في ذلك النبأ وإنكار التساؤل عنه ذلِك التساؤُل الذي أرادوا به الاستهزاء وإنكار الوقوع، وذلك يُثبت وقوع ما جاء به النبأ وأنه حق لأن إبطال إنكار وقوعه يفضي إلى إثبات وقوعه.

والغالب في استعمال {كلاّ} أن تعقّب بكلام يبيِّن ما أجملتْه من الردع والإِبطال فلذلك عقبت هنا بقوله: {سيعلمون} وهو زيادة في إبطال كلامهم بتحقيق أنهم سيوقنون بوقوعه ويعاقَبون على إنكاره، فهما علمان يحصلان لهم بعد الموت: علم بحق وقوععِ البعث، وعلمٌ في العقاب عليه.

ولذلك حذف مفعول {سيعلمون} ليعُمّ المعلومَيْن فإنهم عند الموت يرون ما سيصيرون إليه فقد جاء في الحديث الصحيح " إن الكافر يرى مقعده فيُقال له هذا مقعدك حتى تُبعث " ، وفي الحديث: " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حُفر النار " وذلك من مشاهد رُوح المقبور وهي من المكاشفات الروحية وفسر بها قوله تعالى: {لتَرَوُنَّ الجحيم ثم لَتَرَوُنَّها عين اليقين} [التكاثر: 6، 7]. فتضمن هذا الإبطال وما بعده إعلاماً بأن يوم البعث واقع، وتضمن وعيداً وقد وقع تأكيده بحرف الاستقبال الذي شأنه إفادة تقريب المستقبل.

ومن محاسن هذا الأسلوب في الوعيد أن فيه إيهاماً بأنهم سيعلمون جواب سؤالهم الذي أرادوا به الإحالة والتهكم، وصوروه في صورة طلب الجواب فهذا الجواب من باب قول الناس: الجوابُ ما ترى لا ما تسمع.

{ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ}

ارتقاء في الوعيد والتهديد فإن {ثم} لما عَطفتَ الجملة فهي للترتيب الرتبي، وهو أن مدلول الجملة التي بعدها أرقى رتبة في الغرض من مضمون الجملة التي قبلها، ولما كانت الجملة التي بعد {ثم} مثل الجملة التي قبل {ثم} تعيّن أن يكون مضمون الجملة التي بعد {ثم} أرقى درجة من مضمون نظيرها. ومعنى ارتقاء الرتبة أن مضمون ما بعد {ثم} أقوى من مضمون الجملة التي قبل {ثم}، وهذا المضمون هو الوعيد، فلما استفيد تحقيق وقوع المتوعد به بما أفاده التوكيد اللفظي إذ الجملة التي بعد {ثم} أكدت الجملة التي قبلها تعيّن انصراف معنى ارتقاء رتبة معنى الجملة الثانية هو أن المتوعد به الثاني أعظم مما يحسبون.

وضمير {سيعلمون} في الموضعين يجري على نحو ما تقدم في ضمير
{يتساءلون} [النبأ: 1] وضمير {فيه مختلفون} [النبأ: 3].

{أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰدا} 6.

لما كان أعظم نبأ جاءهم به القرآن إبطال إلٰهية أصنامهم وإثبات إعادة خلق أجسامِهم، وهما الأصلان اللذان أثارا تكذيبهم بأنه من عند الله وتألبهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وترويجهم تكذيبه، جاء هذا الاستئناف بياناً لإجمال قوله: {عن النبأ العظيم الذي هم فيه  مختلفون} [النبأ: 2، 3]. وسيجيء بعده تكملته بقوله: {إن يوم الفصل كان ميقاتاً} [النبأ: 17].

وجمع الله لهم في هذه الآيات للاستدلال على الوحدانية بالانفراد بالخلق، وعلى إمكان إعادة الأجساد للبعث بعد البِلى بأنها لا تبلغ مبلغ إيجاد المخلوقات العظيمة ولكون الجملة في موقع الدليل لم تعطف على ما قبلها.

والكلام موجه إلى منكري البعث وهم الموجه إليهم الاستفهام فهو من قبيل الالتفات لأن توجيه الكلام في قوة ضمير الخطاب بدليل عطف {وخلقناكم أزواجاً} [النبأ: 8]عليه.

والاستفهام في {ألم نجعل} تقريري وهو تقرير على النفي كما هو غالب صيغ الاستفهام التقريري أن يَكون بعده نفي والأكثر كونه بحرف (لم)، وذلك النفي كالإعذار للمقرَّر إن كان يريد أن ينكر وإنما المقصود التقرير بوقوع جعل الأرض مهاداً لا بنفيه فحرف النفي لمجرد تأكيد  معنى التقرير.

فالمعنى: أجعلنا الأرض مهاداً ولذلك سيعطف عليه {وخلقناكم أزواجاً} وتقدم عند قوله تعالى: {ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض} في سورة البقرة (33). ولا يسعهم إلا الإِقرار به قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن اللَّه}
[لقمان: 25]، وحاصل الاستدلال بالخلق الأول لمخلوقات عظيمة أنه يدل على إمكان الخلق الثاني لمخلوقات هي دون المخلوقات الأولى قال تعالى: {لَخَلْقُ السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} [غافر: 57] (أي الثاني) {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [غافر: 57].

وجَعْلُ الأرض: خَلْقُهَا على تلك الحالة لأن كونها مهاداً أمر حاصل فيها من ابتداء خلقها ومِن أزمان حصول ذلك لها من قبل خلق الإِنسان لا يعلمه إلا الله.

والمعنى: أنه خلقها في حال أنها كالمهاد فالكلام تشبيه بليغ.

والتعبير بـ {نجعل} دون: نخلق، لأن كونها مهاداً حالة من أحوالها عند خلقها أو بعده بخلاف فعل الخلق فإنه يتعدى إلى الذات غالباً أو إلى الوصف المقوّم للذات نحو:
{الذي خلق الموت والحياة} [الملك: 2].

والمِهاد: بكسر الميم الفراش الممهد المُوطّـأُ؛ وَزِنَةُ الفِعَال فيه تدل على أن أصله مصدر سمي به للمبالغة. وفي «القاموس»: أن المهاد يرادف المهد الذي يجعل للصبي. وعلى كل فهو تشبيه للأرض به إذ جُعل سطحها ميسراً للجلوس عليها والاضطجاع وبالأحرى المشي، وذلك دليل على إبداع الخلق والتيسير على الناس، فهو استدلال يتضمن امتناناً وفي ذلك الامتنان إشعار بحكمة الله تعالى إذ جعل الأرض ملائمة للمخلوقات التي عليها فإن الذي صنع هذا الصنع لا يعجزه أن يخلق الأجسام مرة ثانية بعد بِلاها.

والغرض من الامتنان هنا تذكيرهم بفضل الله لعلهم أن يرعَوُوا عن المكابرة ويقبلوا على النظر فيما يدعوهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم تبليغاً عن الله تعالى.

ومناسبة ابتداء الاستدلال على إمكان البعث بخلق الأرض أن البعث هو إخراج أهل الحشر من الأرض فكانت الأرض أسبق شيء إلى ذهن السامع عند الخوض في أمر البعث، أي بعث أهل القبور.

وجعل الأرض مهاداً يتضمن الاستدلال بأصل خلق الأرض على طريقة الإيجاز ولذلك لم يتعرض إليه بعدُ عند التعرض لخلق السماوات.

 

{وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً} 7.

عطف على {الأرض مهاداً} [النبأ: 6] فالواو عاطفة {الجبال} على {الأرض}، وعاطفة {أوتاداً} على {مهاداً} ، وهذا من العطف على معمولي عامل واحد وهو وارد في الكلام الفصيح وجائز باتفاق النحويين لأن حرف العطف قائم مقام العامل.

والأوتاد: جمع وتد بفتح الواو وكسر المثناة الفوقية. والوتد: عود غليظ شيئاً، أسفله أدق من أعلاه يُدق في الأرض لتُشد به أطناب الخيمة وللخيمة، أوتاد كثيرة على قدر اتساع دائرتها. والإِخبار عن الجبال بأنها أوتاد على طريقة التشبيه البليغ أي كالأوتاد.

ومناسبة ذكر الجبال دعا إليها ذكر الأرض وتشبيهُها بالمهاد الذي يكون داخل البيت فلما كان البيت من شأنه أن يخطر ببال السامع من ذكر المهاد كانت الأرض مشبهة بالبيت على طريقة المكنية فشبهت جبال الأرض بأوتاد البيت تخييلاً للأرض مع جبالها بالبيت ومهاده وأوتاده.

وأيضاً فإن كثرة الجبال الناتئة على وجه الأرض قد يخطر في الأذهان أنها لا تناسب جعل الأرض مهاداً فكان تشبيه الجبال بالأوتاد مستملحاً بمنزلة حسن الاعتذار، فيجوز أن تكون الجبال مشبهة بالأوتاد في مجرد الصورة مع هذا التخييل كقولهم: رأيت أسوداً غَابُها الرماح. ويجوز أن تكون الجبال مشبهة بأوتاد الخيمة في أنها تشد الخيمة من أن تقلعها الرياح أو تزلزلها بأن يكون في خلق الجبال للأرض حكمة لتعديل سَبح الأرض في الكرة الهوائية إذْ نُتُوّ الجبال على الكرة الأرضية يجعلها تكسر تيار الكُرة الهوائية المحيطة بالأرض فيعتدل تيّاره حتى تكون حركة الأرض في كرة الهواء غير سريعة.

على أن غالب سكان الأرض وخاصة العرب لهم منافع جمّة في الجبال فمنها مسايل الأودية، وقرارات المياه في سفوحها، ومراعي أنعامهم، ومستعصمهم في الخوف، ومراقب الطرق المؤدية إلى ديارهم إذا طرقها العدوّ. ولذلك كثر ذكر الجبال مع ذكر الأرض.

فكانت جملة {والجبال أوتاداً} إدْماجاً معترضاً بين جملة {ألم نجعل الأرض مهاداً} [النبأ: 6] وجملةِ {وخلقناكم أزواجاً}[النبأ: 8].

{وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً} النبأ، 8.

معطوف على التقرير الذي في قوله: {ألم نجعل الأرض مهاداً} [النبأ: 6]. والتقدير: وأخلقناكم أزواجاً، فكان التقرير هنا على أصله إذ المقرر عليه هو وقوع الخلق فلذلك لم يقل: ألم نخلقكم أزواجاً.

وعبر هنا بفعل الخلق دون الجعل لأنه تكوين ذواتهم فهو أدق من الجعل.

وضمير الخطاب للمشركين الذين وجه إليهم التقرير بقوله:{ألم نجعل الأرض مهاداً} [النبأ: 6]، وهو التفات من طريق الغيبة إلى طريق الخطاب.

والمعطوف عليه وإن كان فعلاً مضارعاً فدخول (لم) عليه صيّره في معنى الماضي لما هو مقرر من أنّ (لم) تقلب معنى المضارع إلى المضي فلذلك حسن عطف {خلقناكم} على
{ ألم نجعل الأرض مهاداً والجبال أوتاداً } [النبأ: 6، 7] والكل تقرير على شيء مضى.

وإنما عدل عن أن يكون الفعل فعلاً مضارعاً مثل المعطوف هو عليه لأن صيغة المضارع تستعمل لقصد استحضار الصورة للفعل كما في قوله تعالى: {فتثير سحاباً} [الروم: 48]،  فالإتيان بالمضارع في {ألم نجعل الأرض مهاداً} [النبأ: 6] يفيد استدعاء إعمال النظر في خلق الأرض والجبال إذ هي مرئيات لهم. والأكثر أن يَغفل الناظرون عن التأمل في دقائقها لتعوُّدهم بمشاهدتها من قبل سِنِّ التفكر، فإن الأرض تحت أقدامهم لا يكادون ينظرون فيها بَلْهَ أن يتفكروا في صنعها، والجبالَ يشغلهم عن التفكر في صنعها شغلهم بتجشم صعودها والسير في وعرها وحراسة سوائمهم من أن تضل شعابها وصرف النظر إلى مسالك العدوّ عند الاعتلاء إلى مراقبها، فأوثر الفعل المضارع مع ذكر المصنوعات الحَرِيَّة بدقة التأمل واستخلاص الاستدلال ليكون إقرارهم مما قُرروا به على بصيرة فلا يجدوا إلى الإنكار سبيلاً.

وجيء بفعل المضي في قوله: {خلقناكم أزواجاً} وما بعده لأن مفاعيل فعل (خلقنا) وما عطف عليه ليست مشاهدة لهم.

وذُكر لهم من المصنوعات ما هو شديد الاتصال بالناس من الأشياء التي تتوارد أحوالها على مدركاتهم دواماً، فإقرارهم بها أيسر لأن دلالتها قريبة من البديهي.

وقد أُعقب الاستدلال بخلق الأرض وجبالها بالاستدلال بخلق الناس للجمع بين إثبات التفرد بالخلق وبين الدلالة على إمكان إعادتهم، والدليلُ في خلق الناس على الإِبداع العظيم الذي الخلقُ الثاني من نوعه أمكنُ في نفوس المستدل عليهم قال تعالى:{وفي أنفسكم أفلا تبصرون}
[الذاريات: 21]. وللمناسبة التي قدمنا ذكرها في توجيه الابتداء بخلق الأرض في الاستدلال فهي أن من الأرض يخرج الناس للبعث فكذلك ثني باستدلال بخلق الناس الأول لأنهم الذين سيعاد خلقهم يوم البعث وهم الذين يخرجون من الأرض، وفي هذا المعنى جاء قوله تعالى: {ويقول الإنسان أإذا ما متّ لسوف أخرج حياً أو لا يَذْكُر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم  يك شيئاً} [مريم: 66، 67].

وانتصب {أزواجاً} على الحال من ضمير الخطاب في {خلقناكم} لأن المقصود الاستدلال بخلق الناس وبكون الناس أزواجاً، فلما كان المناسب لفعل خلقنا أن يتعدى إلى الذوات جيء بمفعوله ضميرَ ذوات الناس، ولما كان المناسب لكونهم أزواجاً أن يساق مساق إيجاد الأحوال جيء به حالاً من ضمير الخطاب في {خلقناكم}، ولو صرح له بفعل لقيل: وخلقناكم وجَعلناكم أزواجاً، على نحو ما تقدم في قوله: {ألم نجعل الأرض مهاداً[النبأ: 6]، وما يأتي من قوله: {وجعلنا نومكم سُبَاتاً} [النبأ: 9].

والأزواج: جمع زوج وهو اسم للعدد الذي يُكرر الواحد تكريرةً واحدة وقد وصف به كما يوصف بأسماء العدد في نحو قول لبيد:

حتى إذا سَلَخَا جُمَادَى سِتَّةً

   

 

ثم غلب الزواج على كل من الذكر وأنثاه من الإنسان والحيوان، فقوله: { أزواجاً } أفاد أن يكون الذكر زوجاً للأنثى والعكس، فالذكر زوج لأنثاه والأنثى زوج لذَكرها، وتقدم ذلك عند قوله تعالى: {وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} في سورة البقرة (35).

وفي قوله: {وخلقناكم أزواجاً} إيماء إلى ما في ذلك الخلقِ من حكمة إيجاد قوة التناسل من اقتران الذكر بالأنثى وهو مناط الإيماء إلى الاستدلال على إمكان إعادة الأجساد فإن القادر على إيجاد هذا التكوين العجيب ابتداء بقوة التناسل قادر على إيجاد مثله بمثل تلك الدقة أو أدق.

وفيه استدلال على عظيم قدرة الله وحكمته، وامتنان على الناس بأنه خلقهم، وأنه خلقهم بحالة تجعل لكل واحد من الصنفين ما يصلح لأن يكون له زوجاً ليحصل التعاون والتشارك في الأنس والتنعم، قال تعالى: {وجعل منها زوجها ليسكن إليها} [الأعراف: 189] ولذلك صيغ هذا التقرير بتعليق فعل (خلقنا) بضمير الناس وجُعل {أزواجاً} حالاً منه ليحصل بذلك الاعتبار بكلا الأمرين دون أن يقال: وخلقنا لَكُم أزواجاً.

وفي ذلك حمل لهم على الشكر بالإِقبال على النظر فيما بُلِّغ إليهم عن الله الذي أسعفهم بهذه النعم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعريض بأن إعراضهم عن قبول الدعوة الإسلامية ومكابرتهم فيما بلغهم من ذلك كفران لنعمة واهب النعم.

 

[9] {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً}.

انتقل من الاستدلال بخلق الناس إلى الاستدلال بأحوالهم وخص منها الحالة التي هي أقوَى أحوالهم المعروفة شبهاً بالموت الذي يعقبه البعث وهي حالة متكررة لا يَخلُونَ من الشعور بما فيها من العبرة لأن تدبير نظام النوم وما يطرأ عليه من اليقظة أشبه حالٍ بحال الموت وما يعقبه من البعث.

وأوثر فعل {جعلنا} لأن النوم كيفية يناسبها فعل الجعل لا فعلُ الخلق المناسبُ للذوات كما تقدم في قوله: { ألم نجعل الأرض مهاداً } [النبأ: 6] وكذلك قوله: {وجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً} [النبأ: 10، 11].

فإضافة نوم إلى ضمير المخاطبين ليست للتقييد لإخراج نوم غير الإنسان فإن نوم الحيوان كلِّه سبات، ولكن الإضافة لزيادة التنبيه للاستدلال، أي أن دليل البعث قائم بَيِّن في النوم الذي هو من أحوالكم، وأيضاً لأن في وصفه بسُبات امتناناً، والامتنان خاص بهم قال تعالى: {هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه} [يونس: 67].

والسُّبَات: بضم السين وتخفيف الباء اسم مصدر بمعنى السَبْتِ، أي القطع، أي جعلناه لكم قطعاً لعمل الجسد بحيث لا بد للبدن منه، وإلى هذا أشار ابن الأعرابي وابن قتيبة إذ جعلا المعنى: وجعلنا نومكن راحة، فهو تفسير معنى.

وإنما أوثر لفظ (سُبات) لما فيه من الإشعار بالقطع عن العمل ليقابله قوله بعده
{وجعلنا النهار معاشاً} [النبأ: 11] كما سيأتي.

ويطلق السُبات على النوم الخفيف، وليس مراداً في هذه الآية إذ لا يستقيم أن يكون المعنى: وجعلنا نومكم نوماً، ولا نوماً خفيفاً.

وفي «تفسير الفخر»: طعن بعض الملاحدة في هذه الآية فقالوا: السبات هو النوم فالمعنى: وجعلنا نومكم نوماً. وأخذ في تأويلها وجوهاً ثلاثة من أقوال المفسرين لا يستقيم منها إلا ما قاله ابن الأعرابي أن السبات القطع كما قال تعالى: {من إله غير اللَّه يأتيكم بليل تسكنون فيه}
[القصص: 72] وهو المعنى الأصلي لتصاريف مادة سبت.

وأنكر ابن الأنباري وابن سِيدة أن يكون فعل سبَت بمعنى استراح، أي ليس معنى اللفظ، فمن فسر السُبات بالراحة أرَاد تفسير حاصل المعنى.

وفي هذا امتنان على الناس بخلق نظام النوم فيهم لتحصل لهم راحة من أتعاب العمل الذي يَكدحُون له في نهارهم فالله تعالى جعل النوم حاصلاً للإنسان بدون اختياره، فالنوم يلجىء الإِنسان إلى قطع العمل لتحصل راحة لمجموعه العصبي الذي رُكنه في الدماغ، فبتلك الراحة يستجدّ العصب قواه التي أوهنها عمل الحواس وحركات الأعضاء وأعمالها، بحيث لو تعلقت رغبة أحد بالسهر لا بد له من أن يغلبه النوم وذلك لطف بالإِنسان بحيث يحصل له ما به منفعة مداركه قسْراً عليه لئلا يتهاون به، ولذلك قيل: إن أقل الناس نوماً أقصرهم عمراً وكذلك الحيوان.

 

[10]{وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً}.

من إتمام الاستدلال الذي قبله وما فيه من المنة لأن كون الليل لباساً حالة مهيئة لتكيف النوم ومُعينة على هنائه والانتفاع به لأن الليل ظلمة عارضة في الجو من مزايلة ضوء الشمس عن جزء من كرة الأرض وبتلك الظلمة تحتجب المرئيات عن الأبصار فيعسر المشي والعمل والشغل وينحط النشاط فتتهيأ الأعصاب للخمول ثم يغشاها النوم فيحصل السبات بهذه المقدمات العجيبة، فلا جرم كان نظام الليل آية على انفراد الله تعالى بالخلق وبديع تقديره.

وكان دليلاً على أن إعادة الأجسام بعد الفناء غير متعذرة عليه تعالى فلو تأمل المنكرون فيها لعلموا أن الله قادر على البعث فَلَمَا كذبوا خَبَر الرسول صلى الله عليه وسلم به، وفي ذلك امتنان عليهم بهذا النظام الذي فيه اللطف بهم وراحة حياتهم لو قدَروه حق قدره لشكروا وما أشركوا، فكان تذكر حالة الليل سريع الخطور بالأذهان عند ذكر حالة النوم فكان ذكر النوم مناسبة للانتقال إلى الاستدلال بحالة الليل على حسب أفهام السامعين.

والمعنيّ من جعل الليل لباساً يحوم حول وصف حالة خاصة بالليل عبر عنها باللباس.

فيجوز أن يكون اللباس محمولاً على معنى الاسم وهو المشهور في إطلاقه، أي ما يلبسه الإِنسان من الثياب فيكون وصف الليل به على تقدير كاف التشبيه على طريقة التشبيه البليغ، أي جعلنا الليل للإِنسان كاللباس له، فيجوز أن يكون وجه الشبه هو التغشية. وتحته ثلاثة معانٍ:

أحدها: أن الليل ساتر للإِنسان كما يستره اللباس، فالإِنسان في الليل يختلي بشؤونه التي لا يرتكبها في النهار لأنه لا يحب أن تراها الأبصار، وفي ذلك تعريض بإبطال أصل من أصول الدهريين أن الليل رب الظّلمة وهو معتقد المجوس وهم الذين يعتقدون أن المخلوقات كلها مصنوعة من أصلين، أي إلٰهين: إلٰه النور وهو صانع الخير، وإلٰه الظلمة وهو صانع الشر. ويقال لهم: الثنوية لأنهم أثبتوا إلٰهين إثنين، وهم فِرق مختلفة المذاهب في تقرير كيفية حدوث العالم عن ذيْنك الأصلين، وأشهر هذه الفرق فرقة تسمى المَانوية نسبة إلى رجل يقال له: (مانِي) فارسي قبل الإسلام، وفرقة تسمى مزدكية نسبة إلى رجل يقال له: (مَزْدَك) فارسي قبل الإسلام. وقد أخذ أبو الطيب معنى هذا التعريض في قوله:

وكم لظلام الليل عندك من يد

   

تُخَبِّر أن المانَوِيَّةَ تكذِبُ

المعنى الثاني: من معنيي وجه الشبه باللباس: أنه المشابهة في الرفق باللاَّبس والملاءمة لراحته، فلما كان الليل راحة للإِنسان وكان محيطاً بجميع حواسه وأعصابه شُبه باللباس في ذلك. ونُسب مُجمل هذا المعنى إلى سعيد بن جبير والسُّدي وقتادة إذ فسروا
{ سُباتاً } [النبأ: 9] سكَناً.

المعنى الثالث: أن وجه شبه باللباس هو الوقاية، فاللَّيلُ يقي الإِنسان من الأخطار والاعتداء عليه، فكان العرب لا يغير بعضهم على بعض في الليل وإنما تقع الغارة صباحاً ولذلك إذا غِير عليهم يصرخ الرجل بقومه بقوله: يا صَبَاحَاه. ويقال: صَبَّحَهم العَدوُّ. وكانوا إذا أقاموا حرساً على الرُّبى نَاظُورَةَ على ما عسى أن يطرقهم من الأعداء يقيمونه نهاراً فإذا أظلم الليل نزل الحَرس، كما قال لبيد يذكر ذلك ويذكرُ فرسه:

حَتَّى إذا أُلْقَتْ يداً في كَافر
أسْهَلَتُ وانْتَصَبَتْ كجِذْع منيفة


   

وأجَنَّ عَوْرَاتِ الثُّغُور ظلامُها
جَرْدَاءَ يَحْصَر دونها جُرَّامُها

 

[11]{وجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً}.

لما ذكر خلق نظام الليل قوبل بذكر خلق نظام النهار، فالنهار: الزمان الذي يكون فيه ضوء الشمس منتشراً على جزء كبير من الكُرة الأرضية. وفيه عبرة بدقة الصنع وإحكامه إذ جُعل نظامان مختلفان منشؤهما سطوع نور الشمس واحتجابُه فوق الأرض، وهما نعمتان للبشر مختلفتان في الأسباب والآثار؛ فنعمة الليل راجعة إلى الراحة والهدوء، ونعمة النهار راجعة إلى العمل والسعي، لأن النهار يعقب الليل فيكون الإِنسان قد استجدَّ راحته واستعاد نشاطه ويتمكن من مختلف الأعمال بسبب إِبصار الشخوص والطرق.

ولما كان معظم العمل في النهار لأجل المعاش أخبر عن النهار بأنه معاش وقد أشعر ذكرُ النهار بعد ذكر كل من النوم والليل بملاحظة أن النهار ابتداءُ وقت اليقظة التي هي ضد النوم فصارت مقابلتهما بالنهار في تقدير: وجعلنا النهار واليقظة فيه معاشاً، ففي الكلام اكتفاء دلت عليه المقابلة، وبذلك حصل بين الجمل الثلاث مطابقتان من المحسنات البديعية لفظاً وضِمْناً.

والمعاش: يطلق مصدر عاش إذا حيي، فالمعاش: الحياة ويطلق اسماً لما به عَيش الإِنسان من طعام وشراب على غير قياس.

والمعنيان صالحان للآية إذ يكون المعنى: وجعلنا النهار حياة لكم، شبهت اليقظة فيه الحياة، أو يكون المعنى وجعلنا النهار معيشة لكم، والإِخبار عنه بأنه معيشة مجاز أيضاً بعلاقة السببية لأن النهار سبب للعمل الذي هو سبب لحصول المعيشة وذلك يقابل جعل الليل سباتاً بمعنى الانقطاع عن العمل، قال تعالى: {ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله}
[القصص: 73].

ففي مقابلة السبات بالمعاش على هذين الاعتبارين مطابقتان من المحسّنات.

 

[12]{وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً}.

ناسب بعد ذكر الليل والنهار وهما من مظاهر الأفق المسمى سماء أن يُتبع ذلك وما سبقه من خلق العالم السفلي بذكر خلق العوالم العلوية.

والبناء: جعل الجاعل أو صُنع الصانع بيتاً أو قصراً من حجارة وطين أو من أثواب، أو من أدَمٍ على وجه الأرض، وهو مصدر بنى، فبيت المدَر مبني، والخيمة مبنيّة، والطِراف والقبة من الأدم مبنيان. والبناء يستلزم الإعلاء على الأرض فليس الحفر بناء ولا نقر الصخور في الجبال بناء. قال الفرزدق:

إن الذي سمك السماء بنى لنا

   

بيتاً دعائمه أعز وأطول

فذكر الدعائم وهي من أجزاء الخيمة.

واستعير فعل { بنيْنا } في هذه الآية لمعنى: خلقنا ما هو عَالٍ فوق الناس، لأن تكوينه عالياً يشبه البناء.

ولذلك كان قوله: {فوقكم} إيماء إلى وجه الشبه في إطلاق فعل {بنينا} وليس ذلك تجريداً للاستعارة لأن الفوقية لا تختص بالمبنيّات، مع ما فيه من تنبيه النفوس للاعتبار والنظر في تلك السَبع الشداد.

والمراد بالسبع الشداد: السماوات، فهو من ذكر الصفة وحذف الموصوف للعلم به كقوله تعالى: {حَمَلنَاكم في الجارية} [الحاقة: 11]، ولذلك جاء الوصف باسم العدد المؤنث إذ التقدير: سبعَ سماوات.

فيجوز أن يراد بالسبع الكواكب السبعة المشهورة بين الناس يومئذ وهي: زُحل، والمشتري، والمريخ، والشمس، والزُّهْرةُ، وعطارد، والقَمرُ. وهذا ترتيبها بحسب ارتفاع بعضها فوق بعض بما دل عليه خسوف بعضها ببعض حين يحول بينه وبين ضوء الشمس التي تكتسب بقية الكواكب النور من شعاع الشمس.

وهذا المحمل هو الأظهر لأن العبرة بها أظهر لأن المخاطبين لا يرون السماوات السبع ويرون هذه السيارات ويعهدونها دون غيرها من السيارات التي اكتشفها علماء الفلك من بعد. وهي (سَتّورن) و(نَبْتُون) و(أُورَانُوس) وهي في عِلم الله تعالى لا محالة لقوله: {ألا يعلم من خلق} [الملك: 14] وأن الله لا يقول إلا حقاً وصدقاً ويقرِّب للناس المعاني بقدر أفهامهم رحمة بهم.

فأما الأرض فقد عدت أخيراً في الكواكب السيارة وحُذف القمر من الكواكب لتبيُّن أن حركته تابعة لحركة الأرض إلا أن هذا لا دخل له في الاستدلال لأن الاستدلال وقع بما هو معلوم مسلم يومئذ والكل من صنع الله.

ويجوز أن يراد بالسماوات السبع طبقات علوية يعلمها الله تعالى وقد اقتنع الناس منذ القدم بأنها سبع سماوات.

وشِداد: جمع شديدة، وهي الموصوفة بالشدة، والشدة: القوة.

والمعنى: أنها متينة الخَلقِ قوية الأجرام لا يختل أمرها ولا تنقص على مرّ الأزمان.

 

[13] {وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً}.

ذِكرُ السماوات يناسبه ذكر أعظم ما يشاهده الناس في فضائها وذلك الشمس، ففي ذلك مع العبرة بخلقها عبرة في كونها على تلك الصفة ومنّة على الناس باستفادتهم من نورها فوائد جمة.
والسراج: حقيقته المصباح الذي يستضاء به وهو إناء يجعل فيه زيت وفي الزيت خرقة مفتولة تسمى الذُّبَالة تُشْعل بنار فتضيء ما دام فيها بلل الزيت.

والكلامُ على التشبيهِ البليغ والغرض من التشبيه تقريب صفة المشبّه إلى الأذهان كما تقدم في سورة نوح.

وزيد ذلك التقريب بوصف السراج بالوهّاج، أي الشديد السَّنا.
والوهاج: أصله الشديد الوَهج (بفتح الواو وفتح الهاء، ويقال: بفتح الواو وسكون الهاء) وهو الاتقاد يقَال: وَهَجَت النار إذا اضطرمت اضطراماً شديداً.

ويطلق الوهاج على المتلألىء المضيء وهو المراد هنا لأن وصف وهاج أُجريَ على سراج، أي سراجاً شديد الإِضاءة، ولا يقال: سراج ملتهب.

قال الراغب: الوَهجُ حصول الضوء والحرِّ من النار. وفي «الأساس» عَدَّ قولَهم: سراج وهاج في قسم الحقيقة. وعليه جرى قوله في «الكشاف»: «متلألئاً وقَّاداً. وتوهجت النار، إذ تلمظت فتوهجت بضوئها وحرّها» فإذن يكون التعبير عن الشمس بالسراج في هذه الآية هو مَوقع التشبيه.

ولذلك أوثر فعل: {جعلنا} دون: خلقنا، لأن كونها سراجاً وهّاجاً حالة من أحوالها وإنما يعلق فعل الخلق بالذوات.

فالمعنى: وجعلنا لكم سراجاً وهّاجاً أو وجعلنا في السبع الشداد سراجاً وهّاجاً على نحو قوله تعالى:{ألم تروا كيف خلق اللَّه سبع سماوات طباقاً وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً }[نوح: 15، 16] وقوله:{ تبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً}[الفرقان: 61] سواء قَدَّرْتَ ضمير {فيها} عائداً إلى {السماء} أو إلى (البروج) لأن البروج هي بروج السماء.

وقوله: {سراجاً} اسم جنس فقد يراد به الواحد من ذلك الجنس فيحتمل أن يراد الشمس أو القمر.

 

[14ـ 16]{وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً } * { لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً } * { وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً}.

استدلال بحالة أخرى من الأحوال التي أودعها الله تعالى في نظام الموجودات وجعلها منشأً شبَيهاً بحياة بعد شبيهٍ بموت أو اقتراب منه ومَنْشأ تَخلق موجودات من ذرات دقيقة. وتلك حالة إنزال ماء المطر من الأسحبة على الأرض فتنبت الأرض به سنابل حبّ وشجراً، وكلأً، وتلك كلها فيها حياة قريبة من حياة الإِنسان والحيوان وهي حياة النمَاء فيكون ذلك دليلاً للناس على تصور حالة البعث بعد الموت بدليل من التقريب الدال على إمكانه حتى تضمحل من نفوس المكابرين شُبَهُ إحالة البعث.

وهذا الذي أشير إليه هنا قد صرح به في مواضع من القرآن كقوله تعالى:
{ونزَّلنا من السماء ماءً مباركاً فأنبتنا به جناتٍ وحبَّ الحصيد والنخلَ باسقات لها طلع نضيد رزقاً للعباد وأحيينا به بلدة ميتاً كذلك الخروج} [ق: 9 ـ 11] ففي الآية استدلالان: استدلال بإنزال الماء من السحاب، واستدلال بالإِنبات، وفي هذا أيضاً منّة على المُعْرضِين عن النظر في دلائل صنع الله التي هي دواع لشكر المنعم بها لما فيها من منافع للناس من رزقهم ورزق أنعامهم، ومن تنعمهم وجمال مَرَائيهم فإنهم لو شكروا المنعم بها لكانوا عندما يَبلغهم عنه أنه يدعوهم إلى النظر في الأدلة مستعدين للنظر، بتوقع أن تكون الدعوة البالغة إليهم صَادقة العَزو إلى الله فما خفيت عنهم الدلالة.

ومناسبة الانتقال من ذكر السماوات إلى ذكر السحاب والمطر قوية.

والمعصرات: بضم الميم وكسر الصاد السحابات التي تحمل ماء المطر واحدتها مُعصرةِ اسم فاعل من: أعْصَرَتْ السحابةُ، إذا آن لها أن تَعْصِر، أي تُنزل إنزالاً شبيهاً بالعَصْر. فهمزة (أعصر) تفيد معنى الحينونة وهو استعمال موجود وتسمَّى همزة التهيئة كما في قولهم: أجَزَّ الزرعُ، إذا حان له أن يُجزّ (بزاي في آخره) وأُحصد إذا حان وقت حصاده. ويظهر من كلام صاحب «الكشاف» أن همزة الحينونة تفيد معنى التهيُّؤ لقبول الفعل وتفيد معنى التهيُّؤ لإِصدار الفعل فإنه ذكر: أعْصَرتْ الجاريةُ، أي حان وقت أن تصير تحيض، وذكر ابن قتيبة في «أدب الكاتب»: أركَبَ المُهْرُ، إذا حان أن يركب، وأقطفَ الكَرْمُ، إذا حان أن يُقطف. ثم ذكر: أقْطَفَ القومُ: حان أن يَقطِفوا كُرومهم، وأنتجت الخيل: حان وقت نَتاجها.

وفي تفسير ابن عطية عند قوله تعالى: {ألم تر أن اللَّه يزجي سحاباً} الآية من سورة النور (43)، والعرب تقول: إن الله تعالى إذا جعل السحاب ركاماً جاء بالريح عَصَر بعضُه بعضاً فيخرج الودق منه، ومن ذلك قوله: {وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً} ومن ذلك قول حسان:

كلتاهما حَلَب العَصير فعَاطني

   

بزُجاجة أرخاهما للمفصل

 

أراد حَسَّانُ الخمرَ والماءَ الذي مُزجت به، أي هذه من عصير العنب وهذه من عصير السحاب، فسر هذا التفسير قاضي البصرة عبيد الله بن الحسن العنبري للقومَ الذين حلف صاحبهم بالطلاق أن يسأل القاضي عن تفسير بيت حسان ا هـ.

والثّجاج: المُنْصَبُّ بقوة وهو فَعَّال من ثَجّ القاصر إذا انصب، يقال: ثجّ الماءُ، إذا انصبّ بقوة، فهو فِعل قاصر. وقد يسند الثجُّ إلى السحاب، يقال: ثج السحاب يَثُجّ بضم الثاء، إذا صَبَّ الماءَ، فهو حينئذ فعل متعدّ.

ووصف الماء هنا بالثّجاج للامتنان.

وقد بُينت حكمة إنزال المطر من السحاب بأن الله جعله لإنبات النبات من الأرض جمعاً بين الامتنان والإِيماء إلى دليل تقريب البعث ليحصل إقرارهم بالبعث وشكر الصّانع.

وجيء بفعل {لِنُخرج} دون نحو: لننبت، لأن المقصود الإيماء إلى تصوير كيفية بعث الناس من الأرض إذ ذلك المقصد الأول من هذا الكلام ألا ترى أنه لما كان المقصد الأول من آية سورة (ق) هو الامتنانَ جيء بفعل «أنبتنا» في قوله: {ونزَّلنا من السماء ماء مباركاً فأنبتنا به جناتٍ}
[ق: 9] الآية. ثم أتبع ثانياً بالاستدلال به على البعث بقوله: {كذلك الخروج}
[ق: 11]. والبعث خروج من الأرض قال تعالى: {منها نخرجكم تارة أخرى}
في سورة طه 55.

.والحَب: اسم جمع حبّة وهي البرزة. والمراد بالحب هنا: الحب المقتات للناس مثل: الحنطة، والشعير، والسُّلت، والذُّرة، والأرزُّ، والقُطنية، وهي الحبوب التي هي ثمرة السنابل ونحوها.

والنّبات أصله اسم مصدر نبت الزرع، قال تعالى: {واللَّه أنبتكم من الأرض نباتاً}
[نوح: 17] وأطلق النبات على النابت من إطلاق المصدر على الفاعل وأصله المبالغة ثم شاع استعماله فنسيت المبالغة.

والمراد به هنا: النبات الذي لا يؤكل حبه بل الذي ينتفع بذاته وهو ما تأكله الأنعام والدواب مثل التبن والقُرط والفصفصة والحشيش وغير ذلك.

وجعلت الجنات مفعولاً لـ (تخرج) على تقدير مضاف، أي نخل جنات أو شجر جنات، لأن الجنات جمع جَنة وهي القطعة من الأرض المغروسة نخلاً، أو نخلاً وكرْماً، أو بجميع الشجر المثمر مثل التين والرمان كما جاء في مواضعَ من القرآن، وهي استعمالات مختلفة باختلاف المنابت.

ووجه إيثار لفظ {جنات} أن فيه إيماء إلى إتمام المنة لأنهم كانوا يحبون الجنات والحدائق لما فيها من التنعم بالظِّلال والثمار والمياه وجمال المنظر، ولذلك أتبعت بوصف {ألفافاً} لأنه يزيدها حسناً، وإن كان الفلاحون عندنا يفضلون التباعد بين الأشجار لأن ذلك أوفر لكمية الثمار لأن تباعدها أسعد لها بتخلل الهواء وشعاع الشمس، لكن مساق الآية هنا الامتنان بما فيه نعيم الناس.

وألفاف: اسم جمع لا واحد له من لفظه وهو مثل أوزاع وأخياف، أي كل جنة ملتفة، أي ملتفة الشجر بعضه ببعض.

فوصف الجنات بألفَاف مبنيّ على المجاز العقلي لأن الالتفاف في أشجارها ولكن لما كانت الأشجار لا يَلتفّ بعضها على بعض في الغالب إلا إذا جمعتها جنة أسند ألفاف إلى جنات بطريق الوصف.

ولعله من مبتكرات القرآن إذ لم أر شاهداً عليه من كلام العرب قبل القرآن.

وقيل:  ألفاف جمع لِفّ بكسر اللام بوزن جِذْع، أي كل جنة منها لف بكسر اللام ولم يأتوا بشاهد عليه. وذكر في «الكشاف» أن صاحب «الإقليد» ذكر بيتاً أنشده الحسن بن علي الطوسي ولم يعزه إلى قائل. وفي «الكشاف» زعم ابن قتيبة: أنه لَفَّاءُ ولُفُّ ثم ألفاف (أي أن ألفافاً جمع الجمع) قال: «وما أظنه واجداً له نظيراً» أي لا يجمع فُعْل جمعاً على أفعال، أي لا نظير له إذ لا يقال خُضر وأخضار وحُمر وأحمار. يريد أنه لا يخرّج الكلام الفصيح على استعمال لم يثبت ورود نظيره في كلام العرب مع وجود تأويل له على وجه وارد.

فكان أظهر الوجوه أن {ألفافاً} اسم جمع لا واحد له من لفظه.

وبهذا الاستدلال والامتنان ختمت الأدلة التي أقيمت لهم على انفراد الله تعالى بالإلٰهية وتضمنت الإِيماء إلى إمكان البعث وما أدمج فيها من المنن عليهم عساهم أن يذكروا النعمة فيشعروا بواجب شكر المنعم ولا يستفظعوا إبطال الشركاء في الإلٰهية وينظروا فيما بلغهم عنه من الإِخبار بالبعث والجزاء فيصرفوا عقولهم للنظر في دلائل تصديق ذلك.

وقد ابتدئت هذه الدلائل بدلائل خلق الأرض وحالتها وجالت بهم الذكرى على أهم ما على الأرض من الجماد والحيوان، ثم ما في الأفق من أعراض الليل والنهار. ثم تصاعد بهم التجوال بالنظر في خلق السماوات وبخاصة الشمس ثم نُزل بهم إلى دلائل السحاب والمطر فنزلوا معه إلى ما يخرج من الأرض من بدائع الصنائع ومنتهى المنافع فإذا هم ينظرون من حيث صَدروا وذلك من رد العجز على الصدر.

 

[17، 18] {إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً } * { يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً}

هذا بيان لما أجمله قوله: {عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون} [النبأ: 2 ـ 3] وهو المقصود من سياق الفاتحة التي افتتحت بها السورة وهيأتْ للانتقال مناسبة ذكر الإِخراج من قوله: {لِنخرج به حبّاً ونباتاً} [النبأ: 15] الخ، لأن ذلك شُبه بإخراج أجساد الناس للبعث كما قال تعالى: {فأنبتنا به جنات وحب الحصيد} في سورة ق (9) إلى قوله: {كذلك الخروج} في سورة ق (11).

وهو استئناف بياني أعقب به قوله: {لنخرج به حباً ونباتاً} [النبأ: 15] الآية فيما قصد به من الإِيماء إلى دليل البعث.

وأكد الكلام بحرف التأكيد لأن فيه إبطالاً لإِنكار المشركين وتكذيبهم بيوم الفصل.

ويومُ الفصل: يوم البعث للجزاء.

والفصل: التمييز بين الأشياء المختلطة، وشاع إطلاقه على التمييز بين المعاني المتشابهة والملتبسة فلذلك أطلق على الحكم، وقد يضاف إليه فيقال: فصل القضاء، أي نوع من الفصل لأن القضاء يميز الحق من الظلم.

فالجزاء على الأعمال فصل بين الناس بعضهم من بعض.

وأوثر التعبير عنه بيوم الفصل لإِثبات شيئين:

أحدهما: أنه بَيَّن ثبوت ما جحدوه من البعث والجزاء وذلك فصل بين الصدق وكذبهم.

وثانيهما: القضاء بين الناس فيما اختلفوا فيه، وما اعتدى به بعضهم على بعض.

وإقحام فعل {كان} لإِفادة أن توقيته متأصل في علم الله لِما اقتضته حكمته تعالى التي هو أعلم بها وأن استعجالهم به لا يقدّمه على ميقاته.

وتقدم {يوم الفصل} غير مرة أخراها في سورة المرسلات (14).

ووصف القرآن بالفصل يأتي في قوله تعالى: {إنه لقول فصل} في سورة الطارق (13).

والميقات: مفعال مشتق من الوقت، والوقت: الزمان المحدَّد في عمل ما، ولذلك لا يستعمل لفظ وقت إلا مقيداً بإضافة أو نحوها نحو وقت الصلاة.

فالميقات جاء على زنة اسم الآله وأريد به نفس الوقت المحدد به شيء مثل مِيعاد ومِيلاد، في الخروج عن كونه اسم آلة إلى جعله اسماً لنفس ما اشتق منه. والسياق دل على متعلق ميقات، أي كان ميقاتاً للبعث والجزاء.

فكونه {ميقاتاً} كناية تلويحية عن تحقيق وقوعه إذ التوقيت لا يكون إلا بزمن محقق الوقوع ولو تأخر وأبطأ.

وهذا رد لسؤالهم تعجيله وعن سبب تأخيره، سؤالاً يريدون منه الاستهزاء بخبره.

والمعنى: أن ليس تأخر وقوعه دَالاَّ على انتفاء حصوله.

والمعنى: ليس تكذيبكم به مما يحملنا على تغيير إبانة المحدد له ولكن الله مستدرجكم مدة.

وفي هذا إنذار لهم بأنه لا يُدرَى لعله يحصل قريباً قال تعالى: {لا تأتيكم إلا بغتة} [الأعراف: 187] وقال: {قل عسى أن يَكون قريباً} [الإسراء: 51].

و {يوم ينفخ في الصور} بدل من {يوم الفصل}.

وأضيف {يوم} إلى جملة {ينفخ في الصور} فانتصب {يوم} على الظرفية وفتحته فتحة إعراب لأنه أضيف إلى جملة أولها مُعرب وهو المضارع.

وفائدة هذا البدل حصول التفصيل لبعض أحوال الفصل وبعض أهوال يوم الفصل.

والصُّور: البوق، وهو قرنُ ثَور فارغ الوسط مضيق بعض فراغه ويتخذ من الخشب أو من النحاس، يَنفخ فيه النافخ فيخرج منه الصوت قوياً لنداء الناس إلى الاجتماع، وأكثر ما ينادى به الجيش والجموع المنتشرة لتجتمع إلى عمل يريده الآمر بالنفخ.

وبُني {ينفخ} إلى النائب لعدم تعلق الغرض بمعرفة النافخ وإنما الغرض معرفة هذا الحادث العظيم وصورة حصوله.

والنفخ في الصور يجوز أن يكون تمثيلاً لهيئة دعاء الناس وبعثهم إلى الحشر بهيئة جمع الجيش المتفرق لراحة أو تتبع عدوَ فلا يلبثون أن يتجمّعوا عند مقر أميرهم.

ويجوز أن يكون نفخٌ يحصل به الإِحياء لا تُعلم صفته فإن أحوال الآخرة ليست على أحوال الدنيا، فيكون النفخ هذا معبَّراً به عن أمر التكوين الخاص وهو تكوين الأجساد بعد بلاها وبَثّ أرواحها في بقاياها. وقد ورد في الآثار أن المَلك الموكّل بهذا النفخ هو إسرافيل، وقد تقدم ذكر ذلك غير مرة. وعطف { تأتون } بالفاء لإفادة تعقيب النفخ بمجيئهم إلى الحساب.

والإِتيان: الحضور بالمكان الذي يمْشي إليه الماشي فالإِتيان هو الحصول.
وحذف ما يحصل بين النفخ في الصور وبين حضورهم لزيادة الإِيذان بسرعة حصور الإِتيان حتّى كأنه يحصل عند النفخ في الصور وإن كان المعنى: ينفخ في الصور فتحيَوْن فتسيرون فتأتون.

و {أفواجاً} حال من ضمير {تأتون}، والأفواج: جمع فوج بفتح الفاء وسكون الواو، والفوج: الجماعة المتصاحبة من أناس مقسَّمين باختلاف الأغراض، فتكون الأمم أفواجاً، ويكون الصالحون وغيرهم أفواجاً قال تعالى: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها} [الملك: 8] الآية. والمعنى: فتأتون مقسَّمين طوائف وجماعات، وهذا التقسيم بحسب الأحوال كالمؤمنين والكافرين وكل أولئك أقسام ومراتب.

 

[19] {وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَابا}.

جملة هي حال من ضمير {تأتون} [النبأ: 18].

والتقدير: وقد فتحت السماء، أي قد حصل النفخ قبلَ ذلك أو معه.
ويجوز أن تكون معطوفة على جملة {ينفخ في الصور} [النبأ: 18] فيعتبر
{يوم} [النبأ: 18] مضافاً إلى هذه الجملة على حدّ قوله: {ويوم تَشَّقَّقُ السماء بالغمام}
[الفرقان: 25]. والتعبير بالفعل الماضي على هذا الوجه لتحقيق وقوع هذا التفتيح حتى كأنه قد مضى وقوعه.

وفتح السماء: انشقاقها بنزول الملائكة من بعض السماوات التي هي مقرّهم نزولاً يحضرون به لتنفيذ أمر الجزاء كما قال تعالى: {ويوم تشقّق السماء بالغمام ونُزّل الملائكة تنزيلاً الملك يومئذ الحق للرحمٰن} [الفرقان: 25، 26].

وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب " وفُتِّحَت " بتشديد الفوقية، وهو مبالغة في فعل الفَتح بكثرة الفتح أو شدته إشارة إلى أنه فتح عظيم لأن شق السماء لا يقدر عليه إلا الله.

وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلَف بتخفيف الفوقية على أصل الفعل ومجرد تعلق الفتح بالسماء مشعر بأنه فتح شديد.

وفي الفتح عبرة لأن السماوات كانت ملتئمة فإذا فسد التئامها وتخللتها مفاتح كان معه انخرام نظام العالم الفاني قال تعالى: {إذا السماء انشقت} [الانشقاق: 1] إلى قوله: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه} [الانشقاق: 6].

فالتفتح والفتح سواء في المعنى المقصود، وهو تهويل {يوم الفصل} [النبأ: 17].

وفُرع على انفتاح السماء بفاء التعقيب { فكانت أبواباً } أي ذات أبواب.

فقوله { أبواباً } تشبيه بليغ، أي كالأبواب، وحينئذ لا يبقى حاجز بين سكان السماوات وبين الناس كما تقدم في قوله تعالى: {تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } [المعارج: 4].

والإِخبار عن السماء بأنها أبواب جرى على طريق المبالغة في الوصف بذات أبواب للدلالة على كثرة المفاتح فيها حتى كأنها هي أبواب وقريب منه قوله تعالى: {وفجرنا الأرض عيوناً} [القمر: 12] حيث أسند التفجير إلى لفظ الأرض، وجيء باسم العيون تمييزاً، وهذا يناسب معنى قراءة التشديد ويؤكده، ويقيد معنى قراءة التخفيف ويبينه.

و{كانت} بمعنى: صارت. ومعنى الصيرورة من معاني (كَان) وأخواتها الأربع وهي: ظَلَّ، وبَاتَ، وأَمسى وأَصبح، وقرينة ذلك أنه مفرّع على { فتحت } ونظيره قوله تعالى:
{ فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان } [الرحمٰن: 37].

والأبواب: جمع باب، وهو الفُرجة التي يُدخل منها في حائل من سور أو جدار أو حجاب أو خيمة، وتقدم في قوله تعالى: {وغلقت الأبواب} في سورة يوسف (23) وقوله: {ادخلوا عليهم الباب} في سورة العقود (23).

 

 

 [الآية،20] {وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابا}.

التسيير: جعل الشيء سائراً، أي ماشياً. وأطلق هنا على النقل من المكان أي نقلت الجبال وقلعت من مقارّها بسرعة بزلازل أو نحوها كما دل عليه قوله تعالى: { يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيباً مهيلاً } [المزمل: 14]، حتى كأنها تسيّر من مكان إلى آخر وهو نقْل يصحبه تفتيت كما دل عليه تعقيبه بقوله: {فكانت سراباً} لأن ظاهر التعقيب أن لا تكون معه مهلة، أي فكانت كالسراب في أنها لا شيء.

والقولُ في بناء {سُيرت} للمجهول كالقول في {وفتحت السماء} [النبأ: 19].

وكذلك قوله: {فكانت سراباً} هو كقوله: {فكانت أبواباً} [النبأ: 19].

والسراب: ما يلوح في الصحاري مما يشبه الماءَ وليس بماء ولكنه حالة في الجو القريب تنشأ من تَراكُمِ أبخرة على سطح الأرض. وقد تقدم عند قوله تعالى:{والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً} في سورة النور (39).

 

[الآيات 21، 23] {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً} * { لِّلطَّاغِينَ مَآباً } * {لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَابا}

يجوز أن تكون جملة {إن جهنم كانت مرصاداً} في موضع خبر ثان لـ {إنّ} من قوله: {إن يوم الفصل كان ميقاتاً} [النبأ: 17] والتقدير: إن يوم الفصل إنَّ جهنم كانت مرصاداً فيه للطاغين، والعائد محذوف دل عليه قوله: {مرصاداً} أي مرصاداً فيه، أي في ذلك اليوم لأن معنى المرصاد مقترب من معنى الميقات إذ كلاهما محدد لجزاء الطاغين.

ودخول حرف (إنَّ) في خبر (إن) يفيد تأكيداً على التأكيد الذي أفاده حرف التأكيد الداخل على قوله: {يوم الفصل} على حد قول جرير:

إنّ الخليفة إنَّ الله سربَله

   

سِربال مُلْك به تُزجَى الخَواتِيم

ومنه قوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن اللَّه يفصل بينهم يوم القيامة} كما تقدم في سورة الحج (17)، وتكون الجملة من تمام ما خوطبوا به بقوله: {يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً} [النبأ: 18].

والتعبير بـ «الطّاغين» إظهار في مقام الإِضمار للتسجيل عليهم بوصف الطغيان لأن مقتضى الظاهر أن يقول: «لكم مئاباً».

ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافاً بيانياً عن جملة {إن يوم الفصل كان ميقاتاً}[النبأ: 17] وما لحق بها لأن ذلك مما يثير في نفوس السامعين تطلّب ماذا سيكون بعد تلك الأهوال فأجيب بمضمون {إن جهنم كانت مرصاداً} الآية. وعليه فليس في قوله: {للطاغين} تخريج على خلاف مقتضى الظاهر.

وابتدىء بذكر جهنم لأن المقام مقام تهديد إذ ابتدئت السورة بذكر تكذيب المشركين بالبعث ولما سنذكره من ترتيب نظم هذه الجمل.

وجهنم: اسم لدار العذاب في الآخرة. قيل: وهو اسم مُعرَّب فلعله معرب عن العبرانية أو عن لغة أخرى سامية، وقد تقدم عند قوله تعالى: {فحسبه جهنم ولبئس المهاد} في سورة البقرة (206).

والمرصاد: مكان الرصد، أي الرقابة، وهو بوزن مِفعال الذي غلب في اسم آلة الفعل مثل مِضمار للموضع الذي تضُمَّر فيه الخيل، ومنهاج للموضع الذي ينهج منه.

والمعنى: أن جهنم موضع يرصد منه الموَكّلون بها، ويترقبون من يزجى إليها من أهل الطغيان كما يترقب أهل المرصاد من يَأتيه من عدوّ.

ويجوز أن يكون مرصاد مصدراً على وزن المفعال، أي رصداً. والإِخبار به عن جهنم للمبالغة حتى كأنها أصل الرصد، أي لا تفلت أحداً ممن حق عليهم دخولها.

ويجوز أن يكون مرصاد زنة مبالغة للراصد الشديد الرصد مثل صفة مغيار ومعطار، وصفت به جهنم على طريقة الاستعارة ولم تلحقه (ها) التأنيث لأن جهنم شبهت بالواحد من الرصد بتحريك الصاد، وهو الواحد من الحرس الذي يقف بالمرصد إذ لا يكون الحارس إلا رجلاً.

ومتعلق: {مرصاداً} محذوف دل عليه قوله: {للطاغين مئاباً}.

والتقدير: مرصاداً للطاغين، وهذا أحسن لأن قرائن السورة قِصارٌ فيحسن الوقف عند { مرصاداً } لتكون قرينة.

ولك أن تجعل { للطاغين } متعلقاً بـــ {مرصاداً} وتجعل متعلق {مئاباً} مقدراً دل عليه { للطاغين } فيكون كالتضمين في الشعر إذ كانت بقيةً لِمَا في القرينة الأولى في القرينة المُوالية فتكون القرينة طويلة.

ولو شئت أن تجعل {للطاغين} متنازعاً فيه بين {مرصاداً} أو {مئاباً} فلا مانع من ذلك معنىً.

وأقحم { كانت } دون أن يقال: إن جهنم مرصادٌ للدلالة على أن جعلها مرصاداً أمر مقدر لها كما تقدم في قوله: {إن يوم الفصل كان ميقاتا}[النبأ: 17]. وفيه إيماء إلى سعة علم الله تعالى حيث أعدّ في أزله عقاباً للطّاغين.   و{مئاباً}: مكان الأوْب وهو الرجوع، أطلق على المقر والمسكن إطلاقاً أصله كناية ثم شاع استعماله فصار اسماً للموضع الذي يستقر به المرء.

ونصب  {مئاباً} على الحال من {جهنم} أو على أنه خبر ثان لفعل {كانت} أو على أنه بدل اشتمال من {مرصاداً} لأن الرصد يشتمل على أشياء مقصودة منها أن يكونوا صائرين إلى جهنم. و{للطاغين} متعلق بـ {مئاباً} قدم عليه لإدخال الروع على المشركين الذين بشركهم طغوا على الله، وهذا أحسن كما علمت آنفاً. ولك أن تجعله متعلقاً بـ {مرصاداً} أو متنازعاً فيه بين {مرصاداً} و{مئاباً} كما علمت آنفاً.

والطغيان: تجاوز الحد في عدم الاكتراث بحق الغير والكِبْرُ، والتعريفُ فيه للعهد فالمراد به المشركون المخاطبون بقوله: {فتأتون أفواجاً} [النبأ:، 18] فهو إظهار في مقام الإِضمار لقصد الإِيماء إلى سبب جعل جهنم لهم لأن الشرك أقصى الطغيان إذ المشركون بالله أعْرضوا عن عبادته ومتكبرون على رسوله صلى الله عليه وسلم حيث أنِفوا من قبول دعوته وهم المقصود من معظم ما في هذه السورة كما يصرح به قوله: {إنهم كانوا لا يرجون حساباً وكذبوا بآياتنا كذابا} [النبأ 27، 28] هذا وأن المسلمين المستخفّين بحقوق الله، أو المعتدين على الناس بغير حق، واحتقاراً لا لمجرد غلبة الشهوة لهم حظ من هذا الوعيد بمقدار اقترابهم من حال أهل الكفر.

واللابث: المقيم بالمكان. وانتصب { لابثين } على الحال من الطاغين.

وقرأه الجمهور {لابثين} على صيغة جمع لابث. وقرأه حمزة ورَوح عن يعقوب  {لَبثين} على صيغة جَمْع (لَبثٍ) من أمثلة المبالغة مثل حَذِر على خلاف فيه، أو من الصفة المشبهة فتقتضي أن اللّبث شأنه كالذي يجثم في مكان لا ينفك عنه.

وأحقاب: جمع حُقُب بضمتين، وهو زمن طويل نحو الثمانين سنة، وتقدم في قوله: {أو أمضي حقبا} في سورة الكهف، 60.

وجمعه هنا مراد به الطول العظيم لأن أكثر استعمال الحُقُب والأحقاب أن يكون في حيث يراد توالي الأزمان ويبين هذا الآيات الأخرى الدالة على خلود المشركين، فجاءت هذه الآية على المعروف الشائع في الكلام كناية به عن الدوام دون انتهاء.

وليس فيه دلالة على أن لهذا اللبث نهاية حتى يُحتاج إلى دعوى نسخ ذلك بآيات الخلود وهو وهم لأن الأخبار لا تنسخ، أو يحتاج إلى جعل الآية لعصاة المؤمنين، فإن ذلك ليس من شأن القرآن المكي الأول إذ قد كان المؤمنون أيامئذ صالحين مخلصين مجدِّين في أعمالهم.

 

[24، 26] لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً } * { إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً} * { جَزَآءً وِفَاقا}.

 هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً ثانية من { الطاغين } [النبأ: 22] أو حالاً أولى من الضمير في {لابثين } [النبأ: 23] وأن تكون خبراً ثالثاً: لـ{ كانت مرصاداً } [النبأ: 21].

وضمير { فيها } على هذه الوجوه عائد إلى {جهنم} [النبأ: 21].

ويجوز أن تكون صفة لــ: {أحقاباً} [النبأ: 23]، أي لا يذوقون في تلك الأحقاب برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً. فضمير {فيها} على هذا الوجه عائد إلى الأحقاب.

وحقيقة الذوق: إدراك طعم الطعام والشراب. ويطلق على الإِحساس بغير الطعوم إطلاقاً مجازياً. وشاع في كلامهم، يقال: ذاق الألم، وعلى وجدان النفس كقوله تعالى: {ليَذوق وبال أمره} [المائدة: 95]. وقد استعمل هنا في معنييه حيث نَصَب { برداً } و { شراباً }.

والبَرْد: ضد الحرّ، وهو تنفيس للذين عذابهم الحر، أي لا يغاثون بنسيم بارد، والبرد ألذُّ ما يطلبه المحرور. وعن مجاهد والسدّي وأبي عبيدة ونفر قليل تفسير البَرْد بالنوم وأنشدوا شاهديْن غير واضحين، وأيًّا مَّا كان فحمل الآية عليه تكلف لا داعي إليه، وعطف { ولا شراباً } يناكده.

والشراب: ما يُشرب والمراد به الماء الذي يزيل العطش. والحميم: الماء الشديد الحرارة.

والغساق: قرأه الجمهور بتخفيف السين: وقرأه حمزة والكسائي وحفص بتشديد السين وهما لغتان فيه. ومعناه الصديد الذي يسيل من جروح الحرق وهو المُهْل، وتقدما في سورة (ص).

واستثناء {حميماً وغساقاً} من {برداً} أو {شراباً} على طريقة اللف والنشر المرتب، وهو استثناء منقطع لأن الحميم ليس من جنس البرد في شيء إذ هو شديد الحرّ، ولأن الغساق ليس من جنس الشراب، إذ ليس المُهل من جنس الشراب.

والمعنى: يذوقون الحميم إذ يُراق على أجسادهم، والغَساق إذ يسيل على مواضع الحرق فيزيد ألمهم.

وصورة الاستثناء هنا من تأكيد الشيء بما يشبه ضده في الصورة.

و{جزاء} منصوب على الحال من ضمير {يذوقون}، أي حالة كون ذلك جزاء، أي مُجازًى به، فالحال هنا مصدر مؤول بمعنى الوصف وهو أبلغ من الوصف.

والوفاق: مصدر وَافق وهو مُؤول بالوصف، أي موافقاً للعمل الذي جوزوا عليه، وهو التكذيب بالبعث وتكذيبُ القرآن كما دل عليه التعليل بعده بقوله: {إنهم كانوا لا يرجون حساباً وكذَّبوا بآياتنا كذاباً} [النبأ: 27، 28].

فإن ذلك أصل إصرارهم على الكفر، وهما أصلان: أحدهما عدميّ وهو إنكار البعث، والآخر وجوديّ وهو نسبتهم الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن للكذب، فعوقبوا على الأصل العدمي بعقاب عدمي وهو حِرمانهم من البرد والشراب، وعلى الأصل الوجودي بجزاء وجودي وهو الحميم يراق على أجسادهم والغساق يمرّ على جراحهم.

 

[24، 26]{لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً } * { إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً } * { جَزَآءً وِفَاقا}

هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً ثانية من {الطاغين} [النبأ: 22] أو حالاً أولى من الضمير في {لابثين} [النبأ: 23] وأن تكون خبراً ثالثاً: لـ: {كانت مرصاداً} [النبأ: 21].

وضمير {فيها} على هذه الوجوه عائد إلى {جهنم} [النبأ: 21].

ويجوز أن تكون صفة لـ { أحقاباً} [النبأ: 23]، أي لا يذوقون في تلك الأحقاب برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً. فضمير {فيها} على هذا الوجه عائد إلى الأحقاب.

وحقيقة الذوق: إدراك طعم الطعام والشراب. ويطلق على الإِحساس بغير الطعوم إطلاقاً مجازياً. وشاع في كلامهم، يقال: ذاق الألم، وعلى وجدان النفس كقوله تعالى: {ليَذوق وبال أمره} [المائدة: 95]. وقد استعمل هنا في معنييه حيث نَصَب {برداً} و{شراباً}.

والبَرْد: ضد الحرّ، وهو تنفيس للذين عذابهم الحر، أي لا يغاثون بنسيم بارد، والبرد ألذُّ ما يطلبه المحرور. وعن مجاهد والسدّي وأبي عبيدة ونفر قليل تفسير البَرْد بالنوم وأنشدوا شاهديْن غير واضحين، وأيًّا مَّا كان فحمل الآية عليه تكلف لا داعي إليه، وعطف { ولا شراباً } يناكده. والشراب: ما يُشرب والمراد به الماء الذي يزيل العطش. والحميم: الماء الشديد الحرارة.

والغساق: قرأه الجمهور بتخفيف السين: وقرأه حمزة والكسائي وحفص بتشديد السين وهما لغتان فيه. ومعناه الصديد الذي يسيل من جروح الحرق وهو المُهْل، وتقدما في سورة (ص).

واستثناء {حميماً وغساقاً} من {برداً} أو {شراباً} على طريقة اللف والنشر المرتب، وهو استثناء منقطع لأن الحميم ليس من جنس البرد في شيء إذ هو شديد الحرّ، ولأن الغساق ليس من جنس الشراب، إذ ليس المُهل من جنس الشراب.

والمعنى: يذوقون الحميم إذ يُراق على أجسادهم، والغَساق إذ يسيل على مواضع الحرق فيزيد ألمهم.

وصورة الاستثناء هنا من تأكيد الشيء بما يشبه ضده في الصورة.

و{جزاء} منصوب على الحال من ضمير {يذوقون} ، أي حالة كون ذلك جزاء، أي مُجازًى به، فالحال هنا مصدر مؤول بمعنى الوصف وهو أبلغ من الوصف.

والوفاق: مصدر وَافق وهو مُؤول بالوصف، أي موافقاً للعمل الذي جوزوا عليه، وهو التكذيب بالبعث وتكذيبُ القرآن كما دل عليه التعليل بعده بقوله: { إنهم كانوا لا يرجون حساباً وكذَّبوا بآياتنا كذاباً } [النبأ: 27، 28].

فإن ذلك أصل إصرارهم على الكفر، وهما أصلان: أحدهما عدميّ وهو إنكار البعث، والآخر وجوديّ وهو نسبتهم الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن للكذب، فعوقبوا على الأصل العدمي بعقاب عدمي وهو حِرمانهم من البرد والشراب، وعلى الأصل الوجودي بجزاء وجودي وهو الحميم يراق على أجسادهم والغساق يمرّ على جراحهم.

 

[27، 28] {إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً } * { وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً}

موقع هذه الجملة موقع التعليل لجملة { إن جهنم كانت مرصاداً} [النبأ: 21] إلى قوله {جزاء وفاقاً} [النبأ: 26]، ولذلك فصلت. وضمير {إنهم} عائد إلى {الطاغين} [النبأ: 22].

وحرف (إنّ) للاهتمام بالخبر وليست لرد الإِنكار إذ لا يُنْكر أحد أنهم لا يرجون حساباً وأنهم مكذبون بالقرآن وشأن (إنّ) إذا قصد بها مجرد الاهتمام أن تكون قائمة مقام فاء التفريع مفيدة للتعليل، وتقدم ذلك عند قوله تعالى: {إنك أنت العليم الحكيم} [البقرة 32] وقوله: {إن البقر تشابه علينا} في سورة البقرة، 70 فالجملة معترضة بين ما قبلها وبين جملة {فذوقوا} النبأ: 30].

وقد علمت مناسبة جزائهم لجُرمهم عند قوله آنفاً: { جزاء وفاقاً } [النبأ: 26] مما يزيد وجه التعليل وضوحاً.

وقوله: { لا يرجون حساباً } نفي لرجائهم وقوع الجزاء.

والرجاء اشتهر في ترقب الأمر المحبوب، والحساب ليس خيراً لهم حتى يجعل نفي ترقبه من قبيل نفي الرجاء فكان الظاهر أن يعبر عن ترقبه بمادة التوقع الذي هو ترقب الأمر المكروه، فيَظهر أن وجه العدول عن التعبير بمادة التوقع إلى التعبير بمادة الرجاء أن الله لما أخبر عن جزاء الطاغين وعذابهم تلقى المسلمون ذلك بالمسرة وعلموا أنهم ناجون مما سيلقاه الطاغون فكانوا مترقبين يوم الحساب ترقب رجاء، فنفي رجاء يوم الحساب عن المشركين جامعٌ بصريحه معنى عدم إيمانهم بوقوعه، وبكنايته رجاء المؤمنين وقوعه بطريقة الكناية التعريضية تعريضاً بالمسلمين وهي أيضاً تلويحية لما في لازم مدلول الكلام من الخفاء.

ومن المفسرين من فسر {يرجون} بمعنى: يخافون، وهو تفسير بحاصل المعنى، وليس تفسيراً للَّفظ.

وفعل {كانوا} دال على أن انتفاء رجائهم الحساب وصف متمكن من نفوسهم وهم كائنون عليه، وليس المراد بفعل {كانوا} أنهم كانوا كذلك فانقضى لأن هذه الجملة إخبار عنهم في حين نزول الآية وهم في الدنيا وليست مما يقال لهم أو عنهم يوم القيامة.

وجيء بفعل {يرجون} مضارعاً للدلالة على استمرار انتفاء ما عبر عنه بالرجاء، وذلك لأنهم كلما أعيد لهم ذِكر يوم الحساب جدَّدوا إنكاره وكرروا شبهاتهم على نفي إمكانه لأنهم قالوا: {إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين} [الجاثية: 32].

والحساب: العدّ، أي عدّ الأعمال والتوقيفُ على جزائها، أي لا يرجون وقوع حساب على أعمال العباد يوم الحشر.

و{كذبوا} عطف على {لا يرجون}، أي وإنهم كذبوا بآياتنا، أي بآيات القرآن.
والمعنى: كذبوا ما اشتملت عليه الآيات من إثبات الوحدانية، ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم.

ولكون تكذيبهم بذلك قد استقر في نفوسهم ولم يترددوا فيه جيء في جانبه بالفعل الماضي لأنهم قالوا: {قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب} [فصلت: 5].

وكِذَّاب: بكسر الكاف وتشديد الذال مصدر كذَّب. والفِعَّال بكسر أوله وتشديد عينه مصدر فعَّل مثل التفعيل، ونظائره: القِصَّار مصدر قَصَّر، والقِضَّاء مصدر قَضَّى، والخِرَّاق مصدر خَرَّق المضاعف، والفِسَّار مصدر فَسَّر. وعن الفراء أن أصل هذا المصدر من اللغة اليمنية، يريد: وتكلم به العرب، فقد أنشدوا لبعض بني كلاب:

لقد طال ما ثبّطَتني عن صحابتي

   

وعن حِوجَ قِضَّاؤُها مِن شفائيا

وأُوثر هذا المصدر هنا دون تكذيب لمراعاة التماثل في فَواصل هذه السورة، فإنها على نحو ألف التأسيس في القوافي، والفواصل كالأسجاع ويحسن في الأسجاع ما يحسن في القوافي.

وفي «الكشاف»: وفِعَّالُ فَعَّل كلِّه فاش في كلام فصحاء من العرب لا يقولون غيره.

وانتصب {كذاباً} على أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله لإِفادة شدة تكذيبهم بالآيات.

 

[29] {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابا}.

اعتراض بين الجُمل التي سيقت مساق التعليل وبين جملة {فذوقوا}
[النبأ: 30] وفائدة هذا الاعتراض المبادرة بإعلامهم أن الله لا يخفى عليه شيء من أعمالهم فلا يدع شيئاً من سيئاتهم إلا يحاسبهم عليه مَا ذكر هنا وما لم يذكر؛ كأنه قيل: إنهم كانوا لا يرجون حساباً وكذبوا بآياتنا، وفعلوا مما عدا ذلك وكل ذلك محصي عندنا.

ونُصِب {كلَّ} على المفعولية لــ {أحصيناه} على طريقة الاشتغال بضميره.
والإحصاء: حساب الأشياء لضبط عددها، فالإحصاء كناية عن الضبط والتحصيل.

وانتصب {كتاباً} على المفعولية المطلقة لــــ {أحصيناه}. والتقدير: إحصاء كتابة، فهو مصدر بمعنى الكتابة، وهو كناية عن شدة الضبط لأن الأمور المكتوبة مصونة عن النسيان والإغفال، فباعتبار كونه كناية عن الضبط جاء مفعولاً مطلقاً لـــ (أحصينا).

{فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً }الفاء للتفريع والتسبب على جملة {إن جهنم كانت مرصاداً} [النبأ: 21] وما اتصل بها، ولمَّا غُيّر أسلوب الخبر إلى الخطاب بعد أن كان جارياً بطريق الغيبة، ولم يكن مضمونُ الخبر مما يجري في الدنيا فيُظن أنه خطاب تهديد للمشركين تعيّن أن يكون المفرع قولاً محذوفاً دلّ عليه {ذوقوا} الذي لا يقال إلا يوم الجزاء، فالتقدير: فيقال لهم ذوقوا إلى آخره، ولهذا فليس في ضمير الخطاب التفات فالمفرع بالفاء هو فعل القول المحذوف.

والأمر في «ذوقوا» مستعمل في التوبيخ والتقريع. وفُرع على {فذوقوا} ما يزيد تنكيدهم وتحسيرهم بإعلامهم بأن الله سيزيدهم عذاباً فوق ما هم فيه.

والزيادة: ضمّ شيء إلى غيره من جنس واحد أو غرض واحد، قال تعالى:
{ فزادتهم رجساً إلى رجسهم } [التوبة: 125] وقال: { ولا تزد الظالمين إلا تباراً }
[نوح: 28]، أي لا تزدهم على ما هم فيه من المساوي إلا الإِهلاك.

فالزيادة المنفية في قوله: {فلن نزيدكم إلا عذاباً} يجوز أن تكون زيادة نوع آخر من عذاب يكون حاصلاً لهم كما في قوله تعالى:{زدناهم عذاباً فوق العذاب}
[النحل: 88].

ويجوز أن تكون زيادة من نوع ما هم فيه من العذاب بتكريره في المستقبل.

والمعنى: فسنزيدكم عذاباً زيادة مستمرة في أزمنة المستقبل، فصيغ التعبير عن هذا المعنى بهذا التركيب الدقيق، إذ ابتدىء بنفي الزيادة بحرف تأبيد النفي وأردف الاستثناء المقتضي ثبوت نقيض حكم المستثنى منه للمستثنى فصارت دلالة الاستثناء على معنى: سنزيدكم عذاباً مؤبداً. وهذا من تأكيد الشيء بما يشبه ضده وهو أسلوب طريف من التأكيد إذ ليس فيه إعادة لفظ فإن زيادة العذاب تأكيد للعذاب الحاصل.

ولما كان المقصود الوعيد بزيادة العذاب في المستقبل جيء في أسلوب نفيه بحرف نفي المستقبل، وهو (لن) المفيد تأكيد النسبة المنفيةِ وهي ما دلّ عليه مجموع النفي والاستثناء، فإن قيد تأبيد نفي الزيادة الذي يفيده حرف (لن) في جانب المستثنى منه يسري إلى إثبات زيادة العذاب في جانب المستثنى، فيكون معنى جملة الاستثناء: سنزيدكم عذاباً أبداً، وهو معنى الخلود في العذاب. وفي هذا الأسلوب ابتداءٌ مطمِعٌ بانتهاء مُؤْيِسِ وذلك أشد حزناً وغماً بما يوهمهم أن ما ألقوا فيه هو منتهى التعذيب حتى إذا ولج ذلك أسماعَهم فحزنوا له، أُتبع بأنهم ينتظرهم عذاب آخر أشدّ، فكان ذلك حزناً فوق حزن، فهذا منوال هذا النظم وهو مؤذن بشدة الغضب.

وعن عبد الله بن عَمرو بن العاص وأبي برزة الأسلمي وأبي هريرة: أن هذه الآية أشدّ ما نزل في أهل النار، وقد أسند هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حديث " عن أبي بَرزة الأسلمي. قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أشدّ آية في كتاب الله على أهل النار؟ فقال: قول الله تعالى: { فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً } " وفي سنده جَسْر بن فرقد وهو ضعيف جداً.

وفي «ابن عطية»: أن أبا هريرة رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر ابن عطية سنده، وتعدد طُرقه يكسبه قوة.

[31، 36] {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً } * { حَدَآئِقَ وَأَعْنَاباً } * { وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً} * { وَكَأْساً دِهَاقاً } * { لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً } * { جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً}

جرى هذا الانتقال على عادة القرآن في تعقيب الإِنذار للمنذَرين بتبشير من هم أهل للتبشير.

فانتقل من ترهيب الكافرين بما سيلاقونه إلى ترغيب المتقين فيما أُعدَّ لهم في الآخرة من كرامة ومن سلامة مما وقع فيه أهل الشرك. فالجملة متصلة بجملة { إن جهنّم كانت مرصاداً للطاغين مئاباً } [النبأ: 21 ـ 22] وهي مستأنفة استئنافاً ابتدائياً بمناسبة مُقتضِي الانتقال.

وافتتاحها بحرف {إنَّ} للدلالة على الاهتمام بالخبر لئلا يشك فيه أحد.

والمقصود من المتقين المؤمنون الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم واتبعوا ما أمرهم به واجتنبوا ما نهاهم عنه لأنهم المقصود من مقابلتهم بالطاغين المشركين.

والمفاز: مكان الفوز وهو الظفَر بالخير ونيل المطلوب. ويجوز أن يكون مصدراً ميمياً بمعنى الفوز، وتنوينُه للتعظيم.

وتقديم خبر {إن} على اسمها للاهتمام به تنويهاً بالمتقين.

والمراد بالمفاز: الجنة ونعيمها. وأوثرت كلمة {مفازاً} على كلمة: الجنة، لأن في اشتقاقه إثارة الندامة في نفوس المخاطبين بقوله: {فتأتون أفواجاً} [النبأ: 18] وبقوله:{فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً} [النبأ: 30].

وأُبْدل {حدائق} من {مفازاً} بدلَ بعض من كل باعتبار أنه بعض من مكان الفوز، أو بدل اشتمال باعتبار معنى الفوز.

والحدائق: جمع حديقة وهي الجنة من النخيل والأشجار ذواتِ الساق المحوطة بحائط أو جدار أو حضائر.

والأعناب: جمع عِنَب وهو اسم يطلق على شَجرة الكَرْم ويطلق على ثمرها.
والكواعب: جمع كاعِب، وهي الجارية التي بلغت سن خمس عشرة سنة ونحوها. ووصفت بكاعب لأنها تكَعَّب ثديُها، أي صار كالكعب، أي استدار ونتأ، يقال: كَعَبَتْ من باب قَعَد، ويقال: كَعَّبت بتشديد العين، ولما كان كاعب وصفاً خاصاً بالمرأة لم تلحقه هاء التأنيث وجمع على فواعل.

والأتراب: جمع تِرب بكسر فسكون: هو المساوي غيره في السِنّ، وأكثر ما يطلق على الإناث. قيل: هو مشتق من التراب فقيل لأنه حينَ يولد يقع على التراب مِثل الآخر، أو لأن التِرْب ينشأ مع لِدَته في سنّ الصِّبا يلعب بالتراب.

وقيل: مشتق من الترائب تشبيهاً في التساوي بالترائب وهي ضلوع الصدر فإنها متساوية.وتقدم الأتراب في قوله تعالى: {عرباً أتراباً} في الواقعة (37)، فيجوز أن يَكون وصفهن بالأتراب بالنسبة بينهن في تساوي السن لزيادة الحسن، أي لا تفوت واحدة منهن غيرها، أي فلا تكون النفس إلى إحداهن أميل منها إلى الأخرى فتكون بعضهن أقل مسرة في نفس الرجل.

ويجوز أن يكون هذا الوصف بالنسبة بينهن وبين أزواجهن لأن ذلك أحب إلى الرجال في معتاد أهل الدنيا لأنه أوفق بطرح التكلف بين الزوجين وذلك أحلى المعاشرة.

والكأس: إناء معدّ لشرب الخمر وهو اسم مؤنث تكون من زجاج ومن فضة ومن ذهب، وربما ذكر في كتب اللغة أن الكأس الزجاجة فيها الشرابُ، ولم أقف على أن لها شكلاً معيّناً يميزها عن القَدَح وعن الكُوب وعن الكوز، ولم أجد في قواميس اللغة التعريف بالكأس بأنها: إناء الخمر وأنها الإِناء ما دام فيه الشراب.

وهذا يقتضي أنها لا تختص بصنف من الآنية.

وقد يطلقون على الخمر اسم الكأس وأريد بالكأس الجنس إذا المعنى: وأكؤساً. وعُدل عن صيغة الجمع لأن كأساً بالإفراد أخف من أكؤس وكؤوس ولأن هذا المركّب جرى مجرى المثل كما سيأتي.

ودهاق: اسم مصدر دهق من باب جعل أو اسم مصدر أدهق، ولكونه في الأصل مصدراً لم يقترن بعلامة تأنيث.

والدهق والإِدهاق ملء الإِناء من كثرة ما صبّ فيه.

ووصفُ الكأس بالدهق من إطلاق المصدر على المفعول كالخلق بمعنى المخلوق فإن الكأس مدهقة لا داهقة.

ومركب (كأس دهاق) يَجري مجرى المثل قال عِكرمة: قال ابن عباس: سمعتُ أبي في الجاهلية يقول: اسْقِنَا كأساً دِهاقاً، ولذلك أفرد كأساً، ومعناه مملوءة خمراً، أي دون تقتير لأن الخمر كانت عزيزة فلا يكيل الحَانَوِيُ للشارب إلا بمقدار فإذا كانت الكأس ملأى كان ذلك أسر للشارب.

وقوله:{لا يسمعون فيها لغواً ولا كِذّاباً} يجوز أن يكون الضمير المجرور عائداً إلى الكأس، فتكون (في) للظرفية المجازية بتشبيه تناول الندامى للشراب من الكأس بحلولهم في الكأس على طريق المَكْنية، وحرف (في) تخييل أو تكون (في) للتعليل كما في الحديث: " دخلت امرأةٌ النارَ في هِرة"  الحديث، أي من أجل هرة. والمعنى: لا يسمعون لغواً ولا كِذَّاباً منها أو عندها، فتكون الجملة صفة ثانية لـ: «كأساً». والمقصود منها أن خمر الجنة سليمة مما تسببه خمر الدنيا من آثار العربدة من هذَيان، وكذب وسباب، واللغو والكذب من العيوب التي تعرض لمن تَدب الخمر في رؤوسهم، أي فأهل الجنة ينعمون بلذة السكر المعروفة في الدنيا قَبل تحريم الخمر ولا تأتي الخمر على كمالاتهم النفسية كما تأتي عليها خمر الدنيا.

وكان العرب يمدحون من يُمسك نفسه عن اللغو ونحوه في شرب الخمر، قال عمارة بن الوليد:

ولَسْنَا بشرْب أم عَّمرو إذا انتشوا
ولكننا يا أم عمرو نديمُنا

   

ثيابُ الندامَى بينهم كالغنائم
بمنزلة الرَيَّان ليس بِعَائم

وكان قيس بن عاصم المنقري ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية وقال:

فإن الخمر تفضَح شاربيها

   

وتجنيهم بها الأمرَ العظيما

ويجوز أن يعود ضمير {فيها} إلى {مفازاً} باعتبار تأويله بالجنة لوقوعه في مقابلة {جهنم} من قوله: {إن جهنم كانت مرصاداً }(النبأ: (21 أو لأنه أبدل {حدائق} من {مفازاً}. وهذا المعنى نشأ عن أسلوب نظم الكلام حيث قدم {حدائق وأعناباً} الخ، وأخّر {وكأساً دهاقاً} حتى إذا جاء ضمير (فيها) بعد ذلك جاز إرجاعه إلى الكأس وإلى المفاز كما علمت. وهذا من بديع الإيجاز مع وفرة المعاني مما عددناه من وجوه الإِعجاز من جانب الأسلوب في المقدمة العاشرة من هذا التفسير، أي لا يسمعون في الجنة الكلام السافِل ولا الكذب، فلما أحاط بأهل جهنم أشدُّ الأذى بجميع حواسهم من جراء حرق النار وسقيهم الحميم والغساق لينال العذاب بواطنهم كما نال ظاهر أجسادهم، كذلك نفى عن أهل الجنة أقل الأذى وهو أذى سماع ما يكرهه الناس فإن ذلك أقل الأذى.

وكني عن انتفاء اللغو والكِذّاب عن شاربي خمر الجنة بأنهم لا يسمعون اللغو والكذاب فيها لأنه لو كان فيها لغو وكذب لسمعوه وهذا من باب قول امرىء القيس:

على لاَحبٍ لا يهتدى بمناره

   

 

أي لا منار به فيهتدى به، وهو نوع من لطيف الكناية، والذي في الآية أحسن مما وقع في بيت امرىء القيس ونحوه لأن فيه إيماء إلى أن أهل الجنة منزهة أسماعهم عن سقط  القول وسفل الكلام كما في قوله في سورة الواقعة (25 ( {لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً}

واللغو: الكلام الباطل والهذيان وسقط القول الذي لا يورد عن روية ولا تفكير.
والكِذَّاب: تقدم معناه آنفاً.

وقرأ الجمهور: كِذَّاباً } هنا مشدداً، وقرأه الكسائي هنا بتخفيف الذال. وانتصب {جزاء} على الحال من {مفازاً}.

وأصل الجزاء مصدر جَزَى، ويطلق على المُجَازى به من إطلاق المصدر على المفعول، فالجزاءُ هُنا المجازَى به وهو الحدائق والجنات والكواعب والكأس.

والجزاء: إعطاء شيء عوضاً على عمل. ويجوز أن يجعل الجزاء على أصل معناه المصدري وينتصب على المفعول المطلق الآتي بدلاً من فعلٍ مقدر. والتقدير: جزيْنا المتقين.

وإضافة ربّ إلى ضمير المخاطب مراداً به النبي صلى الله عليه وسلم للإِيماء إلى أن جزاء المتقين بذلك يشتمل على إكرام النبي صلى الله عليه وسلم لأن إسداء هذه النعم إلى المتقين كان لأجل إيمانهم به وعملهم بما هداهم إليه.

و{من} ابتدائية، أي صادراً من لدن الله، وذلك تنويه بكرم هذا الجزاء وعظم شأنه.

ووصفُ الجزاء بعطاء وهو اسم لم يُعطَى، أي يتفضل به بدون عوض للإِشارة إلى أن ما جوزوا به أوفرُ مما عملوه، فكان ما ذكر للمتقين من المفاز وما فيه جزاء شكراً لهم وعطاءً كرماً من الله تعالى وكرامة لهذه الأمة إذ جعل ثوابها أضعافاً.

و{حساباً}: اسم مصدر حَسب بفتح السين يحسُب بضمها، إذا عَدَّ أشياء وجميع ما تصرف من مادة حسب متفرع عن معنى العدّ وتقديرِ المقدار، فوقع {حساباً} صفة {جزاء} ، أي هو جزاء كثير مقدَّر على أعمالهم.

والتنوين فيه للتكثير، والوصف باسم المصدر للمبالغة وهو بمعنى المفعول، أي محسوباً مقدراً بحسب أعمالهم، وهذا مقابل ما وقع في جزاء الطاغين من قوله {جزاء وفاقاً} [النبأ: 26].

وهذا الحساب مجمل هنا يبينه قوله تعالى: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160] وقوله :{مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل اللَّه كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة}  [البقرة (261].

وليس هذا الحساب للاحتراز عن تجاوز الحد المعيَّن، فذلك استعمال آخر كما في قوله تعالى:إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب }[الزمر: 10] ولكل آية مقامها الذي يجري عليه استعمال كلماتها فَلا تعارض بين الآيتين.

ويجوز أن يكون {حساباً} اسم مصدر أحْسَبَه، إذا أعطاه ما كفاه، فهو بمعنى إحساباً، فإن الكفاية يطلق عليها حَسْب بسكون السين فإنه إذا أعطاه ما كفاه قال: حسبي.

 

[37] {رَّبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلرَّحْمَـٰنِ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً}

{رَّبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلرَّحْمَـٰنِ}.قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر برفع {ربُّ} ورفع {الرحمنُ} ، وقرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب بخفضهما، وقرأه حمزة والكسائي وخلف بخفض {رب} ورفع {الرحمنُ} ، فأما قراءة رفع الاسمين فـــ {ربُّ} خبر مبتدأ محذوف هو ضميرٌ يعود على قوله: {من ربك} [النبأ: 36] على طريقة حذف المسند إليه حَذفاً سماه السكاكي حذْفاً لاتباع الاستعمال الوارد على تركه، أي في المقام الذي يجري استعمال البلغاء فيه على حذف المسند إليه، وذلك إذا جرى في الكلام وصف ونحوه لموصوف ثم ورد ما يصلح أن يكون خبراً عنه أو أن يكون نعتاً له فيختار المتكلم أن يجعله خبراً لا نعتاً، فيقدر ضمير المنعوت ويأتي بخبر عنه وهو ما يسمى بالنعت المقطوع.

والمعنى: إن ربك هو ربهم لأنه رب السماوات والأرض وما بينهما ولكن المشركين عبدوا غيره جهلاً وكفراً لنعمته. و { الرحمنُ } خبر ثان.

وأما قراءة جر الاسمين فهي جارية على أن {رب السمٰوات} نعت لـــ {ربك} من قوله: {جزاء من ربك} [النبأ: 36] و{الرحمٰن} نعت ثان. والرب: المالك المتصرف بالتدبير ورعي الرفق والرحمة، والمراد بالسماوات والأرض وما بينهما مسماها مع ما فيها من الموجودات لأن اسم المكان قد يراد به ساكنه كما في قوله تعالى:{فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها} في سورة الحج (45)، فإن الظلم من صفات سكان القرية لا صفة لذاتها، والخواء على عروشها من أحوال ذات القرية لا من أحوال سكانها، فكان إطلاق القرية مراداً به كلا المعنيين.

والمراد بما بين السماوات والأرض: ما على الأرض من كائنات وما في السماوات من الملائكة وما لا يعلمه بالتفصيل إلا الله وما في الجو من المكونات حية وغيرها من أسحبة وأمطار وموجودات سابحة في الهواء.

و{ما} موصولة وهي من صيغ العموم، وقد استفيد من ذلك تعميم ربوبيته على جميع المصنوعات.

وأتبع وصف {رب السمٰوات} بذكر اسم من أسمائه الحسنى، وهو اسم {الرحمن} وخص بالذكر دون غيره من الأسماء الحسنى لأن في معناه إيماء إلى أن ما يفيضه من خير على المتقين في الجنة هو عطاء رحمان بهم.

وفي ذكر هذه الصفة الجليلة تعريض بالمشركين إذ أنكروا اسم الرحمٰن الوارد في القرآن كما حكى الله عنهم بقوله: {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن} [الفرقان: 60].
{لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا}.

يجوز أن تكون هذه الجملة حالاً من {ما بينهما} لأن ما بين السماوات والأرض يشمل ما في ذلك من المخلوقات العاقلة، أو المزعوم لها العقل مثل الأصنام، فيتوهم أن مِن تلك المخلوقات من يستطيع خطاب الله ومراجعته.

ويجوز أن تكون استئنافاً ابتدائياً لإبطال مزاعم المشركين أو للاحتراس لدفع توهم أن ما تشعر به صلة رب من الرفق بالمربوبين في تدبير شؤونهم يسيغ إقدامهم على خطاب الرب.

والمِلك في قوله: {لا يملكون منه خطاباً} معناه القدرة والاستطاعة لأن المالك يتصرف فيما يملكه حسب رغبته لا رغبة غيره فلا يحتاج إلى إذن غيره.

فنفي المِلك نفي للاستطاعة.

وقوله: {منه} حال من {خطاباً}. وأصله صفة لخطاب فلما تقدم على موصوفه صار حالاً.

وحرف (مِن) اتصالية وهي ضرب من الابتدائية فهي ابتدائية مجازية كقوله تعالى: {إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من اللَّه من شيء} [الممتحنة: 4] فـ: (مِن) الأولى اتصالية والثانية لتوكيد النص، ومنه قولهم: لستُ منك ولستَ مني وقوله تعالى: {ومن يفعل ذلك فليس من اللَّه في شيء} [آل عمران: 28]، أي لا يستطيعون خطاباً يبلغونه إلى الله.

وضمير {لا يملكون} عائد إلى (ما) الموصولة في قوله: {وما بينهما} لأنها صادقة على جميعهم

والخطاب: الكلام الموجّه لحاضر لدى المتكلم أو كالحاضر المتضمن إخباراً أو طلباً أو إنشاء مدح أو ذم. وفعل{يملكون} يعمّ لوقوعه في سياق النفي كما تعمّ النكرة المنفية. و{خطاباً} عام أيضاً وكلاهما من العام المخصوص بمخصص منفصل كقوله عقب هذه الآية {لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} [النبأ: 38] وقوله: {يوم يأتي لا تكلم نفس إلا بإذنه} [هود: 105] وقوله:  {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} البقرة: 255] وقوله: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: 28]. والغرض من ذكر هذا إبطالُ اعتذار المشركين حين استشعروا شناعة عبادتهم الأصنام التي شهَّر القرآن بها فقالوا: {هؤلاء شُفعاؤنا عند الله}[يونس: 18]، وقالوا: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}[الزمر: 3].

 

 [38] {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً}.

{يوم} متعلق بقوله: {لا يملكون منه خطاباً} [النبأ: 37]، أي لا يتكلم أحد يومئذ إلاّ من أذن له الله.

وجملة {لا يتكلمون} مؤكدة لجملة {لا يملكون منه خطاباً} أعيدت بمعناها لتقرير المعنى إذ كان المقام حقيقاً، فالتقرير لقصد التوصل به إلى الدلالة على إبطال زعم المشركين شفاعة أصنامهم لهم عند الله، وهي دلالة بطريق الفحوى فإنه إذا نُفي تكلمهم بدون إذن نفيت شفاعتهم إذ الشفاعة كلام مَن له وجاهة وقبول عند سامعه.

وليبنى عليها الاستثناء لبُعد ما بين المستثنَى والمستثنى منه بمتعلقات {يملكون} [النبأ: 37] من مجرور ومفعول به، وظرفٍ، وجملةٍ أضيف لها.وضمير {يتكلمون} عائد إلى ما عاد إليه ضمير {يملكون}.

والقول في تخصيص {لا يتكلمون} مثل القول في تخصيص {لا يملكون منه خطاباً} [النبأ: 37] وقوله: {إلا من أذن له الرحمٰن} [طه: 109] استثناء من ضمير {لا يتكلمون} وإذ قد كان مؤكداً لضمير {لا يملكون} فالاستثناء منه يفهم الاستثناء من المؤكَّد به.

والقيام: الوقوف وهو حالة الاستعداد للعمل الجِد وهو من أحوال العبودية الحق التي لا تُستحق إلا لله تعالى. وفي الحديث: "من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار"، أي لأن ذلك من الكبرياء المختصة بالله تعالى.

والرُّوح: اختلف في المراد منه اختلافاً أثاره عطف الملائكة عليه فقيل هو جبريل.

وتخصيصه بالذكر قبل ذكر الملائكة المعطوف عليه لتشريف قدره بإبلاغ الشريعة، وقيل المراد: أرواح بني آدم.

واللام لتعريف الجنس: فالمفرد معها والجمع سواء. والمعنى: يومَ تُحْضَر الأرواح لتودع في أجسادها، وعليه يكون فعل {يقوم} مستعملاً في حقيقته ومجازه.

و{الملائكة} عطف على {الروح}، أي ويَقوم الملائكة صفّاً.

والصف اسم للأشياء الكائنة في مكان يجانبُ بعضُها بعضاً كالخط. وقد تقدم في قوله تعالى: {ثم ائتُوا صفاً} في سورة طه (64)، وفي قوله: {فاذكروا اسم اللَّه عليها صوافّ} في سورة الحج (36)، وهو تسمية بالمصدر من إطلاق المصدر على اسم الفاعل، وأصله للمبالغة ثم صار اسماً، وإنما يصطف الناس في المقامات التي يكون فيها أمر عظيم فصفّ الملائكة تعظيم لله وخضوع له.

والإذن: اسم للكلام الذي يفيد إباحةَ فعل للمأذون، وهو مشتق من: أَذِن له، إذا استمع إليه قال تعالى:{وأذنت لربها وحُقَّت} [الإنشقاق: 2]، أي استمعت وأطاعت لإِرادة الله. وأذِن: فعل مشتق من اسم الأذْن وهي جارحة السمع، فأصل معنى أذِنَ له: أمال أذنَه، أي سَمْعَه إليه يقال: أذن يأذَن أذناً كفَرح، ثم استعمل في لازم السمع وهو الرضى بالمسموع فصار أذِنَ بمعنى رضي بما يطلب منه أو ما شأنه أن يطلب منه، وأباحَ فعله، ومصدره إذن بكسر الهمزة وسكون الذال فكأنّ اختلاف صيغة المصدرين لقصد التفرقة بين المعنيين.

ومتعلق {أذِنَ} محذوف دل عليه {لا يتكلمون}، أي من أذن له في الكلام.

ومعنى أذْن الرحمان: أن من يريد التكلم لا يستطيعُه أو تعتريه رهبة فلا يُقدم على الكلام حتى يستأذن الله فأذن له، وإنما يستأذنه إذا ألهمه الله للاستئذان فإن الإِلهام إذن عند أهل المكاشفات في العامل الأخروي فإذا ألقى الله في النفس أن يستأذن استأذن الله فأذن له كما ورد في حديث الشفاعة من إحجام الأنبياء عن الاستشفاع للناس حتى يأتوا محمداً صلى الله عليه وسلم قال في الحديث: " فأَنْطَلِقُ فآتِي تحت العرش فأقع ساجداً لربي عز وجل ثم يفتح الله عليَّ من محامد وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقول: ارفع رأسك واشْفع تُشفَّع"

وقد أشار إلى هذا قوله تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء، 28] أي لمن علموا أن الله ارتضى قبول الشفاعة فيه وهم يعلمون ذلك بإلهام هو من قبيل الوحي لأن الإِلهام في ذلك العالم لا يعتريه الخطأ.

وجملة  {وقال صواباً} يجوز أن تكون في موضع الحال من اسم الموصول، أي وقد قال المأذون له في الكلام {صواباً} ، أي بإذن الله له في الكلام إذا علم أنه سيتكلم بما يرضي الله.

ويجوز أن تكون عطفاً على جملة {أذن له الرحمٰن} ، أي وإلا من قال صواباً فعُلم أن من لا يقول الصواب لا يؤذَن له.

وفعل {وقال صواباً} مستعمل في معنى المضارع، أي ويقول صواباً، فعبر عنه بالماضي لإفادة تحقق ذلك، أي في علم الله.

وإطلاق صفة {الرحمٰن} على مقام الجَلالة إيماء إلى أن إذن الله لمن يتكلم في الكلام أثر من آثار رحمته لأنه أذن فيما يحصل به نفع لأهل المحشر من شفاعة أو استغفار.

 

[39] {ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآباً}

استئناف ابتدائي كالفذلكة لما تقدم من وعيد ووَعد، إنذار وتبشير، سيق مساق التنويه بـ: {يوم الفصل } [النبأ: 17] الذي ابتدىء الكلام عليه من قوله: {إن يوم الفصل كان ميقاتاً} [النبأ: 17]. والمقصود التنويه بعظيم ما يقع فيه من الجزاء بالثواب والعقاب وهو نتيجة أعمال الناس من يوم وجود الإِنسان في الأرض.

فوصف اليوم بالحق يجوز أن يراد به الثابت الواقع كما في قوله تعالى: {وإن الدين لواقع} [الذاريات: 6] قوله آنفاً: {إن يوم الفصل كان ميقاتاً} ، فيكون {الحق} بمعنى الثابت مثل ما في قوله تعالى: {واقترب الوعد الحق} [الأنبياء: 97].

ويجوز أن يراد بالحق ما قابل الباطل، أي العدلُ وفصلُ القضاء فيكون وصف اليوم به على وجه المجاز العقلي إذ الحق يقع فيه واليوم ظرف له قال تعالى: {يوم القيامة يُفصَلُ بينكم} [الممتحنة: 3].

ويجوز أن يكون الحق بمعنى الحقيق بمسمى اليوم لأنه شاع إطلاق اسم اليوم على اليوم الذي يكون فيه نصر قبيلة على أخرى مثل: يومِ حليمة، ويوم بُعَاث. والمعنى: ذلك اليوم الذي يحق له أن يقال: يوم، وليس كأيام انتصار الناس بعضهم على بعض في الدنيا فيكون كقوله تعالى: {ذلك يوم التغابن} [التغابن: 9]، فهو يوم انتقام الله من أعدائه الذين كفروا نعمته وأشركوا به عبيده في الإِلٰهية ويكون وصف الحق بمثل المعنى الذي في قوله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به} [البقرة: 121]، أي التلاوة الحقيقة باسم التلاوة وهي التلاوة بفهم معاني المتلوّ وأغراضه.

والإِشارة بقوله: {ذلك} إلى اليوم المتقدم في قوله: {إن يوم الفصل كان ميقاتاً} [النبأ: 17]. ومفاد اسم الإشارة في مثل هذا المقام التنبيه على أن المشار إليه حقيق بما سيوصف به بسبب ما سبق من حكاية شؤونه كما في قوله تعالى:{أولئك على هدى من ربهم} [البقرة: 5] بعد قوله: {هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب} [البقرة:2 ـ 3] إلى قوله: {وبالآخرة هم يوقنون} [البقرة: 4]، فلأجل جميع ما وصف به {يوم الفصل} كان حقيقاً بأن يوصف بأنه {اليوم الحق} وما تفرع عن ذلك من قوله: {فمن شاء اتخذ إلى ربه مئاباً}.

وتعريف {اليوم} باللام للدلالة على معنى الكمال، أي هو الأعظم من بين ما يعده الناس من أيام النصر للمنتصرين لأنه يوم يجمع فيه الناس كلهم ويعطى كل واحد منهم ما هو أهله من خير أو شر فكأنَّ ما عداه من الأيام المشهورة في تاريخ البشر غير ثابت الوقوع.

وفرّع عليه {فمن شاء اتخذ إلى ربه مئاباً} بفاء الفصيحة لإفصاحها عن شرط مقدر ناشىء عن الكلام السابق. والتقدير: فإذا علمتم ذلك كله فمن شاء اتخاذ مآب عند ربه فليتخذه، أي فقد بان لكم ما في ذلك اليوم من خير وشر فليختر صاحب المشيئة ما يليق به للمصير في ذلك اليوم.

والتقدير: مآباً فيه، أي في اليوم.

وهذا التفريع من أبدع الموعظة بالترغيب والترهيب عند ما تَسْنَحُ الفرصة للواعظ من تهيُّؤ النفوس لقبول الموعظة.

والاتخاذ: مبالغة في الأخذ، أي أخَذَ أخْذاً يشبه المطاوعة في التمكن، فالتاء فيه ليست للمطاوعة الحقيقية بل هي مجاز وصَارت بمنزلة الأصلية.

والاتخاذ: الاكتساب والجَعْل، أي ليقتن مكاناً بأن يؤمنَ ويعمل صالحاً لينال مكاناً عند الله لأنّ المآب عنده لا يكون إلا خيراً.

فقوله: {إلى ربه} دل على أنه مآب خير لأن الله لا يرضى إلا بالخير.

والمآب :يكون اسم مَكان من آب، إذا رجع فيطلق على المسكن لأن المرء يؤوب إلى مسكنه، ويكون مصدراً ميمياً وهو الأوب، أي الرجوع كقوله تعالى: {إليه أدعو وإليه مآب}[الرعد: 36]، أي رجوعي، أي فليجعل أوْباً مناسباً للقاء ربه، أي أوْباً حسناً.

[40] {إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَابا}

{إِنَّآ أَنذَرْنَـٰكُمْ عَذَاباً قَرِيباً}.

اعتراض بين {مئاباً} [النبأ: 39] وبين { يوم ينظر المرء ما قدمت يداه } كيفما كان موقع ذلك الظرف حسبما يأتي.

والمقصود من هذه الجملة الإِعذار للمخاطبين بقوارع هذه السورة بحيث لم يبق بينهم وبين العلم بأسباب النجاة وضدها شُبهةٌ ولا خفاء.

فالخبر وهو {إنا أنذرناكم عذاباً قريباً } مستعمل في قطع العذر وليس مستعملاً في إفادة الحكم لأن كون ما سبق إنذاراً أمر معلوم للمخاطبين. وافتُتح الخبر بحرف التأكيد للمبالغة في الإِعذار بتنزيلهم منزلة من يتردد في ذلك.

وجُعل المسند فعلاً مسنداً إلى الضمير المنفصل لإفادة تقوّي الحكم، مع تمثيل المتكلم في مَثَل المتبرىء من تبعه ما عسى أن يلحق المخاطبين من ضرٍّ إن لم يأخذوا حذرهم مما أنذرهم به كما يقول النذير عند العرب بعد الإِنذار بالعدوّ «أنا النذير العريان».

والإِنذار: الإِخبار بحصول ما يسوء في مستقبل قريب.

وعُبر عنه بالمضي لأن أعظم الإِنذار قد حصل بما تقدم من قوله: {إن جهنم كانت مرصاداً للطاغين مئاباً} [النبأ: 21 ـ 22] إلى قوله: {فلن نزيدكم إلا عذاباً} [النبأ: 30].

وقرب العذاب مستعمل مجازاً في تحققه وإلا فإنه بحسب العرف بعيد، قال تعالى: {إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً} [المعارج: 6، 7]، أي لتحققه فهو كالقريب على أن العذاب يصدق بعذاب الآخرة وهو ما تقدم الإِنذار به، ويصدق بعذاب الدنيا من القتل والأسر في غزوات المسلمين لأهل الشرك. وعن مقاتل: هو قَتْل قريش ببدر. ويشمل عذاب يوم الفتح ويوم حنين كما ورد لفظ العذاب لذلك في قوله تعالى: {يعذبهم اللَّه بأيديكم} [التوبة: 14] وقوله: {وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك} [الطور: 47].

{يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ تُرَٰبَاً}.

يجوز أن يتعلق بفعلِ: {اتخذ إلى ربه مئاباً} [النبأ: 39] فيكون {يوم ينظر} ظرفاً لغْواً متعلقاً بـ {أن